س. هل توافقني الرأي لو قلت: إن (ظل آخر للمدينة) أحدث قطيعة معرفية من نوع ما مع صنيعك السابق، ليس لجهة الجنس الأدبي، بل لجهة الرؤية إلى الإبداعي في العملية الفنية؟
ج. أوافقك الرأي،

وأضيف معلومة أراها لازمة هنا، فالقطيعة التي تتحدث عنها وقعت منذ أن أصدرت مجموعتي القصصية "طقوس للمرأة الشقية" أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، أي قبل إصدار "ظل آخر للمدينة" باثنتي عشرة سنة. في تلك المجموعة القصصية، تخلصت على نحو كبير من سطوة الإيديولوجيا داخل العمل الفني، وتركت لكتابتي فرصة التعبير عن نفسها دون قيود تعسفية، ودون إملاءات خارجية قد لا تتساوق مع المنطق الداخلي للعمل الإبداعي.

س. في رأيي أن ذلك تمثل في استدخال مقاربة تأملية في الوجود، ظلت في نسيج النص السردي لكنها غير ظاهرة. بالنسبة لك، هل اختلف موقف القاص الذي فيك من العالم، وإلى أي مدى اتسعت الرؤيا وضاقت العبارة؟
ج. الموقف من حيث الجوهر لم يختلف، وإنما أدعي أنه ازداد عمقاً وثراء. لم أتنكر لقناعاتي الفكرية بالرغم من الانكسارات، ولم أسقط فريسة لليأس بالرغم من توالي الخسارات. اكتشفت مثلما اكتشف غيري أن الحماس لعقيدة شاملة ناجزة ومنغلقة على نفسها هو نوع من الأصولية مهما تسربلت هذه العقيدة بأردية العلم والرغبة في خدمة التقدم. ولقد انعكس هذا الحماس المدجج بالدوغمائية على موقفي من الفن والأدب بشكل ما. كنت حتى وقت قريب واقعاً في أسر مقولات مفتعلة تسربت في غفلة من الزمن إلى منهج الواقعية الاشتراكية، دون أن تكون بالضرورة محسوبة فعلاً عليه، ما أدى بشكل أو بآخر إلى خضوع بعض كتاباتي القصصية لسطوة الإيديولوجيا كما قلت آنفاً، تلك السطوة التي تربك العمل الأدبي في حال زيادة منسوبها فيه، وتعمل على مصادرة خصائصه الفنية لصالح شعاراتها المباشرة، ولصالح مقولاتها التي تفرض نفسها على العمل الأدبي دون احترام لفضائه الحر. الآن، أنا أؤمن بواقعية مبرأة من التشويه الذي لحق بها، ولا أجد غضاضة بالاستفادة من مختلف المدارس الفنية في الأدب من سريالية وحداثية وما بعد حداثية، إن كان مثل هذا الأمر يسعفني في تقديم رؤى إنسانية متقدمة في نصي القصصي.

س. ولو صح أن هناك انتقالاً ما للقاص من موقف إلى آخر، فإن (الوجدان) ظل حاراً وأعطى حميمية خاصة للسرد. هل كان ذلك بفعل المكان؟ ما أثر المكان (القدس وجبل مكبرها) في هذا الشأن ؟ ما أثر الذكريات في هذه الانتقالة أيضاً؟
ج. أنت تعلم أنني شرعت في كتابة "ظل آخر للمدينة" بعد أربع سنوات من عودتي إلى الوطن بعد إبعاد قسري دام ثماني عشرة سنة. عدت، فوجدت المكان وقد تعرض لتغييرات تعسفية أجرتها عليه سلطات الاحتلال. تغيرت أسماء الشوارع، وانطمست بعض معالم القدس، أو اندثرت وقامت مكانها أحياء استيطانية جديدة، كما حوصر فضاء المدينة بالعديد من الأحياء الاستيطانية التي قامت فوق الأرض الفلسطينية المصادرة. هذا اللقاء مع المدينة بعد غياب طويل نسبياً، خلق داخلي حالة متناقضة: فها أنذا قد عدت إلى المدينة، لكن المدينة لم تعد كما كانت، والمدينة لم تتحرر بعد من سطوة الاحتلال. وللرد على هذا العسف، كان لا بد من الاستعانة بالذاكرة، كان لا بد من العودة إلى صورة المدينة الأصلية، التي استقرت عميقاً في القلب والوجدان، تعبيراً عن الدفاع عن أصالة المدينة من جهة، ورفضاً لكل الوقائع التي أنشأها المحتلون، بما يكرس احتلالهم للمدينة ويضاعف من محاولاتهم الدائبة لتهويدها، وطمس معالمها التي تدلل على طابعها التعددي، الذي حافظت عليه لفترة طويلة من الزمن. من هذا المنظور، فإن المكان الذي تم التعبير عنه في ظل آخر للمدينة، ليس مكاناً محايداً، وهو ليس مجرد وعاء بارد لتمرير رؤية ما أو فكرة من خلاله. المكان هنا هو العنصر الأساسي، وهو مادة السرد الرئيسة، والحضور المرفوع إلى درجة الفن الذي ينهض عليه الكتاب.

س. في "مرور خاطف" ظلت السيرة الذاتية تجد التماعاتها هنا أو هناك، لكن، ما من تذكر بل احتفاء بالراهن والآني والحياة اليومية النابضة. أين غاب المكان ولماذا غاب؟
ج. أعتقد أن المكان لم يغب، وهو موجود بطريقة ما. ربما غاب بمقاييس النص القصصي المحكوم بشريط لغوي مفتوح وممتد، أما في حالة القصة القصيرة جداً، المحكومة بشريط لغوي مكثف، محدود الكلمات، فإن التلميح للمكان يكفي، وإن الإشارة السريعة إليه تغني عن التصريح بحضوره، وإن استنتاج المكان من الفضاء الذي ترسمه القصة القصيرة جداً لا يعني تغييب المكان كما أعتقد. وحينما يغيب المكان بتجسيده الفسيح، فإن حضور المكان الجزئي، العابق بالحميمية، المرتبط بالشخصية الإنسانية، كالبيت مثلاً، أو المقهى، يحقق للمكان حضوره الفني من جهة، وينم عن المكان الفسيح على نحو ما. كذلك، فإن التجاور النصي والدلالي بين شارع فلسطيني تدور فيه مواجهة مع جيش الغزاة، وبين درب ضيق في حي هادئ بمدينة أجنبية، يوحي بأن ثمة مفارقات ينبغي إدراكها في هذا العالم لكي يتحقق انسجام ما، بين الكائن البشري وما يحيط به من ظواهر، كما يوحي بأن انشغال الفلسطيني في النضال من أجل الكرامة والحق، لا يحجب عنه التواصل مع ما في هذا العالم من جمال وقيم أخرى تجعل الحياة جديرة بأن تعاش.

س. يبدو لي أن العيش في وضع عاصف ويشهد تحولات استثنائية دائمة، يفرض على الكاتب هواجس تجاه صنيعه الإبداعي:
_ ما هي هواجسك الآن في هذا الصدد؟ وكيف تنظر إلى الإبداعي في صنيعك السردي، وكيف تقرر أن إبداعي؟
_ في هذا السياق، أين تقع إدارة ظهر كاملة للاحتلال عن الحكاية اليومية والعادية؟ كأن شخوصك ملتقطة من قطار أو مقهى أو مكان عابر؟
_ هل اختلفت الهواجس عما كانت عليه قبل نفيك من الوطن؟
_ وأيضاً، ما الذي طرحه المنفى من هواجس؟
ج. منذ عقدين من الزمان وأنا أكتب القصة القصيرة جداً، دون أن يعني ذلك توقفي عن كتابة القصة القصيرة، فلديّ الآن مجموعة قصصية قصيرة جاهزة للنشر. لكن القصة القصيرة هذه الأيام، وعلى امتداد الوطن العربي، تتعرض للتهميش والإقصاء. فالنقاد، أو أغلبهم، منصرفون إلى متابعة الرواية وما يستجد عليها من إضافات إبداعية لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها. أما أن تتعرض القصة القصيرة لهذا التهميش، تبعاً لهذه الحجة أو تلك، فأعتقد أن ذلك بعيد عن الإنصاف. فالقصة القصيرة ما زالت قادرة على أداء دورها في الكشف عن خبايا المجتمع وأعماق النفس الإنسانية، وهي قادرة على التطور وعلى الاستفادة من بعض تقنيات الأجناس الأدبية والفنية الأخرى، وتوظيفها في سياقات ملائمة داخل السرد القصصي. لذلك، أراني مندفعاً هذه الأيام لإثبات جدارة القصة القصيرة بالبقاء، ما يفرض عليّ البحث باستمرار عن أفضل الأساليب والتقنيات التي يمكنها أن ترتفع بهذا الجنس الأدبي إلى مشارف جديدة. وما يضاعف من هذا الجهد الذي أجدني منغمساً فيه، اعتداد بعض الشباب من كتاب القصة القصيرة بما يكتبونه من قصص، واعتبار ما كتبه قبلهم، كتابُ القصة القصيرة في فلسطين، مفتقراً في معظمه إلى الإنتساب الفعلي إلى القصة القصيرة، التي لهم وحدهم حق النطق باسمها وتولي أمر تطويرها وتجديدها!
لا أريد أن أتحدث عن إسهاماتي في ميدان القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، تلك ليست مهمتي. لكن ما يهمني الآن ويؤرقني بين الحين والآخر، الإجابة عن الأسئلة التالية التي تتشكل منها هواجسي ونظرتي إلى الإبداعي في صنيعي السردي: كيف أواصل تطوير تجربتي في كتابة القصة القصيرة جداً؟ بحيث لا أكرر نفسي ولا أقول قولاً معاداً؟ كيف أتمكن من خلق مزيد من الفضاءات الإنسانية عبر شريط لغوي بالغ التكثيف محدود الكلمات؟ كيف أدخل إلى ما هو جديد وغير مكتشف في أعماق النفس الإنسانية وفي التجربة البشرية؟ كيف أرصد على نحو مبتكر ومفاجئ، ما ينوء به وضعنا العاصف الذي يشهد تحولات استثنائية دائمة؟ إنها أسئلة تثير القلق فعلاً، وهي تدفعني إلى الاشتغال على نصوصي القصصية ببالغ الحرص والانتباه، ولست أدعي أنني في هذه اللحظة أملك أجوبة على هذه الأسئلة. وما أرجوه وأتمناه، أن تتمخض جهودي أثناء ممارستي الإبداعية، عن فضاءات جديدة وأساليب وتقنيات تسهم في تطوير القصة القصة جداً، وكذلك القصة القصيرة التي أكتبها بين الحين والآخر، ونقلها إلى ذرى جديدة، لا يقبل بغيرها الفن الطامح إلى التناغم مع إيقاعات حياتنا المتجددة باستمرار.
فيما يتعلق بالجزء الثاني من سؤالك، المتعلق بإدارة ظهر كاملة للاحتلال عن الحكاية اليومية والعادية! فإنني لا أجد إجابة عن ذلك أبلغ مما ورد في المقدمة التي كتبها الناقد د. فيصل دراج لكتاب "مرور خاطف" إذ يقول: "يحضر الفلسطيني في قصص خاصة به، قوامها التحدي الظالم والمقاومة العادلة، ويحضر في القصص جميعاً، ذلك أن منظور القصص المفعم بالدفء والمحبة والإنسانية، التي لا تفارقها كآبة ملتبسة، ينطوي على تجربة إنسانية كثيفة شاسعة، هي صورة عن القدر الفلسطيني المخلوق من التراجيديا والبطولة".
وهذا يقودنا مباشرة إلى ما ورد في سؤالك حول المنفى والهواجس. فقد دفعني المنفى، علاوة على ما يشعر به المنفي من غربة وضياع وشوق وحنين إلى الوطن، إلى رؤية الوطن من زوايا جديدة مختلفة، لعل من أهمها تلك الرغبة الإنسانية في حياة طبيعية يعيشها الفلسطيني في وطنه تماماً مثل أي كائن إنساني آخر يعيش في وطنه مستقراً آمناً، ودونما حاجة إلى اجتراح بطولات يومية أو التعرض لممارسات تعسفية من جيش أجنبي محتل، ولذلك، يصبح من المبرر تماماً للمبدع الفلسطيني أن يلتقط شخوصه من قطار أو مقهى أو مكان عابر، لأن في ذلك شهادة على رغبة الفلسطيني في الاندماج بحياة العصر تماماً مثل أي كائن إنساني آخر، ولأن فيه توقاً إنسانياً إلى ما هو عادي في حياة البشر، حيث ليس المفروض أن يظل الفلسطيني مصلوباً تحت وطأة المدفع والدبابة وعنجهية العسكر.

س. أحسست أن في كتابك الأخير "مرور خاطف" تعبيراً للفرد الفلسطيني عن نفسه. هل برأيك بدأ المبدع الفلسطيني يطرح تصوراً خاصاً عن الذات الفردية للفلسطيني يوازي تصوره عن جماعة تتعرض لإبادة يومية ومحو؟
ج. إحساسك صحيح تماماً، وأنا أوافقك عليه. وإذا كان صحيحاً أن الأدب هو في أجلى صوره تعبير عن الضعف الإنساني، وهو صحيح من وجهة نظري، فإن من حق الفلسطيني أن يتعامل مع ذاته باعتباره حضوراً بشرياً مشخصاً فوق أرض وطنه. لم يعد مقنعاً بأي حال التعامل مع الفلسطيني وأرضه باعتبارهما حالة مجردة يمكن التعبير عنها بالرموز. الذهاب إلى التجربة المشخصة ضروري لإعطاء الفلسطيني حقه الكامل في الحياة، ولتأكيد إنسانية الفلسطيني الذي تقوم أجهزة الإعلام الصهيونية والأمريكية بتقديمه إلى العالم بصفة كونه إرهابياً، وذلك للوصول إلى نتيجة مؤداها أن الفلسطيني لا يستحق الحياة ولا يستحق أن يتعاطف معه أحد. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن بعض أجهزة الإعلام العربية، وبالذات بعض الفضائيات، تقع في خطأ قد يكون غير مقصود، حينما تتحدث عن الفلسطينيين بمناسبة انتفاضتهم الأخيرة، باعتبارهم أبطالاً لا يشق لهم غبار! أرجوك، لا تصدق هذه المبالغات الضارة. نحن شعب من لحم ودم، فينا قدر من البطولة، وفينا من الضعف والحزن والأسى مثل غيرنا من شعوب الأرض وربما أكثر قليلاً. إن أدباً مشخصاً منطلقاً من الذات ومنصباً عليها، وعلى ما فيها من إنساني نبيل، هو الكفيل بفضح الممارسات الإسرائيلية العنصرية التي تعذبنا صبح مساء، وهو الكفيل بإشهار حقنا في الحياة وحقنا في وطن متحرر من قيود الغزاة.

س. لا أحب أسئلة أطرحها وتدور في الأفق الشخصي، غير أن لدي فضولاً تجاه تجربة المرض. هذه التجربة مررت بها أخيراً، هل من أسئلة محددة طرحتها عليك؟ أسئلة تمس الجانب الوجودي ربما! ما هي هذه الأسئلة وهل من بينها سؤال الموت؟ أقول الموت وأتذكر مشهداً قصصياً في كتابك الأخير عن عجوزين، يحتسيان الشاي في بيتهما مساء، والموت مثل كلب هرم يقعي على العتبة، وعندما يناديان: من هناك؟ فإنه لشدة مكره لا يجيب. هل لهذا النص أيضاً علاقة بالأسئلة ذاتها كما لو أنك كنت تستبق شيئاً ما تحسه ولا تعيه؟
ج. هذا النص له علاقة بأبي الطاعن في السن، الذي يصارع المرض منذ عام، دون أن يتمكن منه المرض حتى الآن. ملازمتي الدائمة لأبي خلال هذا العام جعلتني متخوفاً من أمر واحد: السقوط في هوة العجز البدني جراء سكتة دماغية أو أي مرض آخر. هذا الأمر يخيفني أكثر مما يخيفني الموت، أو على الأقل هذا ما أشعر به حتى الآن. قبل أسابيع توفي أحد أبناء حي مجاور لحينا دون أن يعاني من أي عجز أو مرض، توفي بالسكتة القلبية حينما كان ينام في فترة القيلولة. قلت لمن حولي: هذه ميتة من درجة خمس نجوم. وتمنيت لنفسي ميتة مشابهة. المرض الذي ألم بي، كان سكتة دماغية جاءت خفيفة فلم تترك أثراً، وربما كانت ستجعلني مشلولاً لو أنها جاءت أقوى قليلاً. فكرة العجز هي التي تؤرقني، وصراع أبي مع المرض يجعلني أشعر بأن حياتنا ما هي إلا رحلة سريعة عابرة، إنها مرور خاطف، وعلينا أن نترك خلفنا ما يدل علينا إن قدرنا على ذلك، لذلك، فقد دفعتني تجربة المرض، إلى نوع من العزلة الاختيارية وإلى رغبة جامحة في استثمار الوقت للكتابة. هذه الأيام مثلاً، أتحمس كثيراً لترك العمل الوظيفي وللتفرغ للكتابة. أشعر بوطأة الموت وأنا أعاين تشبث أبي بالحياة، لكنني لا أخشى الموت حتى هذه اللحظة. في السنوات القليلة الماضية مات عدد من أعز أصدقائي ورفاقي. مات بشير البرغوثي بعد حالة من الشلل الكامل استمرت ثلاث سنوات، ومات سليمان النجاب بعد صراع مع المرض استمر عدة أشهر، ومات مؤنس الرزاز وعزت الغزاوي على نحو مفاجئ. كتبت عن موت أصدقائي وسخرت من الموت ووصفته بأبشع الصفات. أشعر أحياناً أن الموت يسن أنيابه للانتقام مني، أتخيله يقول لي كلما كتبت نصاً أرثي فيه صديقاً مات: أنت تتدخل في شغلي، أنت تلعب بدمك! لكنني لا أخشى الموت حتى هذه اللحظة، ربما لإحساسي أنه لا يقف لي بالمرصاد عند العتبة كما يفعل مع أبي. ومع ذلك، فإنني أشعر بين الحين والآخر أنه قادم ذات يوم، لذلك، أحاول استباق موعده معي بما أمكن من كتابة قد يظفر بعضها بفرصة للبقاء.

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME