مايكل جاكسون في حيِّنا

مايكل جاكسون جاء إلى حيِّنا وغنى عدداً غير قليل من أغنياته القديمة، غنى بعض أغنياته الجديدة أيضاً.
الفكرة نبتت أصلاً، في رأس ابن عمي الذي تعرف على مايكل جاكسون، أثناء حفل غنائي صاخب في نيويورك. قال لنا ذات مساء، كمن يحلم : سأحضر مايكل جاكسون إلى هذا الحي بالذات، سأجعله يغني أغانيه العذبة أمام فتيان الحي وفتياته، وأنا أشهدكم جميعاً على ما أقول.

صدقنا ابن عمي، وقلنا: يبدو أن له سطوة بالغة على الأمريكان، وإلا لما تحدث بمثل هذا اليقين. بدا واضحاً، أن هذه السطوة تعززت، بعد أن أرسلته المنظمة غير الحكومية التي يعمل فيها، إلى أمريكا، للمشاركة في دورة للإدارة الحديثة مدتها ستة أشهر. عمي الكبير بدا معنياً بشيء واحد وهو يودع ابنه لحظة السفر: ألا يعود إلى البلاد ومعه زوجة أمريكية! لعمي رأي متطرف تجاه الزواج من أجنبيات، وله حكمة يرددها باستمرار: من طين بلادك لُطّ اخدادك. ولم يُبد عمي اهتماماً بأي شيء آخر.
ابن عمي عاد من أمريكا بأفكار متناثرة، يتسم بعضها بقدر من العبث. قال إنه سينقل الحي، حيّنا، إلى عصر ما بعد الحداثة. عمي لم يفقه شيئاً مما يقوله ابنه، اكتفى بالقول: الله يرضى عليك يا إبني. أسس ابن عمي لجنة للحي تولى هو رئاستها، وقال إنه سيحضر مايكل جاكسون إلى الحي، بدا واثقاً من نفسه وهو يقول ذلك، تهامس بعض أهل الحي: الولد مسنود. بعد ذلك أثيرت الشكوك حول ابن عمي، قال بعض الناس: إنه مرتبط بوكالة المخابرات المركزية، حدث ذلك أثناء إقامته في أمريكا، بعضهم الآخر قال: إنه مرتبط بها قبل سفره بوقت معقول. وابن عمي لم يحظ بالسفر إلى هناك، إلا بعد أن تأكدت وكالة المخابرات المركزية من نظافة سجله الأمني، ومن أنه مقبول لديها تماماً. لم تتوقف الشكوك عند حد، بعضهم قال إن جورج تينيت لم يزر منطقتنا ولم يضع وثيقته التي تنص على توفير بعض الترتيبات الأمنية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلا بعد الاستئناس برأي ابن عمي والتشاور معه في كل صغيرة وكبيرة.
ابن عمي لم يلق بالاً لكل هذا الكلام، قال: سأحضر مايكل جاكسون للغناء في الحي، لكي أسري عن أهل الحي ولأخفف من معاناتهم جراء رؤيتهم مناظر الدماء البريئة التي تسيل في بلادنا كل يوم. قال: سأحضره لكي أثبت للقاصي والداني أننا لسنا إرهابيين! لأن من يستمع إلى مايكل جاكسون لا يمكن أن يكون إرهابياً. لاحظنا أنه مصر على التلفظ بهذه الجملة الأخيرة، كأنه معني أن تسمعه جهة ما. يتلفظ بها بمناسبة وبغير مناسبة، أو كلما دق الكوز في الجرة، كما يقول عمي الكبير.
عمي الكبير أبدى معارضة مبدئية لقدوم مايكل جاكسون. عمي لا يحب الغناء ولا يشجع عليه، يقول إنه ينشر الميوعة في نفوس الشباب، ويغري البنات بالإقدام على أفعال يندى لها الجبين. عمي، منذ أن دخل التلفاز الحي، وهو يشن حرباً شعواء عليه. يقول: أبعدوا صندوق الشر هذا من داخل بيوتكم! عمي لا يعرف شيئاً عن صندوق باندورا، غير أن المشترك في التجارب الإنسانية يلهمه بعض أقواله كما يبدو، يقول: صندوق الشر هذا سيحول نساءنا إلى عاهرات! يجد عمي بطبيعة الحال من يصدقه ويشد على يديه، ويجد من يهزأ منه ويتهمه بأنه مخرخش، منقطع عما حوله منذ سنوات.
ابن عمي أعد لمجيء مايكل جاكسون إعداداً حسناً. حوّل قاعة الاجتماعات في المدرسة الثانوية إلى مسرح، خصص صندوقاً للرسائل التي يرغب المعجبون بمايكل جاكسون، وكذلك المعجبات به، في إيصالها إليه، أكد على رؤوس الأشهاد أن أحداً لن يطلع على الرسائل سوى مايكل جاكسون نفسه. تشجع عدد من الفتيان المعجبين بالمغني الشهير، وكتبوا له رسائل قذفوا بها في الصندوق، فعلت الشيء نفسه كثرة من الفتيات المعجبات به، كتبن رسائل وقعت كلها في يد ابن عمي، الذي أخل بالوعد، فضّ الرسائل واحدة بعد أخرى، بشهوانية واضحة، قرأها بإمعان، وأخبرني بكل ما فيها من أسرار. قال إنه فعل ذلك لكي يعرف اتجاهات الجيل الجديد، وطريقة تفكيره ونوعية نظرته إلى الحياة. قال: وجدت السطحية متفشية في تفكير الفتيان، أو على الأقل، هذا ما تشي به عقلية الشريحة المعجبة بمايكل جاكسون، مثلاً: يسألون المغني الشهير عن وجبة الطعام التي يشتهيها، يسألونه عن آخر نكتة سمعها، يسألونه عن اللون المفضل لديه. قلت لابن عمي مقاطعاً: هذا من تأثير التلفاز، دون أن يعني هذا أنني أوافق عمي الكبير على موقفه منه. أبديت رغبة في معرفة كيف تفكر الفتيات، لم أنتظر كثيراً، قال ابن عمي: الملعونات يعانين من كبت مسعور، تصوّر، تسع عشرة فتاة من أصل أربع وعشرين يعرضن على المغني، الزواج. قلن له إنهن يرغبن في الزواج منه! هكذا بكل صراحة ووقاحة! واحدة فقط، اقترحت عليه أن يتخذ منها أختاً له، لتمنحه شيئاً من الحنان الذي افتقده لدى أخته التي نشرت عنه كلاماً غير لائق في وسائل الإعلام. واحدة أخرى، وجهت إليه سؤالاً لا ينبئ بأي احترام: لماذا قمت بتغيير لون بشرتك بحيث تبدو بيضاء؟ وماله اللون الأسود يا حبيب أمك؟ قال ابن عمي: ثلاث فتيات سخرن من المغني، قلن في رسائلهن إنه ولد مائع ولا يقبلنه مجرد ماسح لأحذيتهن.
ابن عمي أغلق الرسائل بطريقة محكمة، أعادت إلى ذهني الشكوك التي يثيرها حوله بعض أبناء الحي، أعاد الرسائل إلى الصندوق، وراح يواصل الاستعدادات، لتنظيم استقبال يليق بمايكل جاكسون، الذي لبى دعوة ابن عمي له وجاء ليغني في الحي.
عمي الكبير قرر مقاطعة الحفل. قال إنه سيجلس في المضافة التي خصصها لضيوفه الكرام، سيغني لهم على أنغام ربابته أشعاراً شجية من أيام زمان. تراجع عن قراره أمام ضغوط طفيفة من بعض أهل الحي، تراجع حينما فكر في مصلحة ابنه الذي له سطوة واضحة، كما يبدو، على الأمريكان، قال مخفياً موقفه الأناني: أحضر الحفل من أجل مصلحة الحي. عمي ليس سيئاً بوجه الإجمال، وهو لا يؤذي أحداً، طوال تاريخه لم يقم بإيذاء أحد، غير أنه يجيد الزوغان حينما تهب على المنطقة رياح شريرة. كان قريباً من معظم الهزات السياسية التي وقعت في البلاد، غير أنه لم يكن مندمجاً فيها على نحو يجعله عرضة لمساءلة أو مخاطرة، إنه من النوع الذي يحب أن يظل على الشط، هذه هي فلسفته التي اختطها لنفسه خلال السنوات الخمسين الماضية، لولا بعض النـزوات العابرة التي قد تنفع حيناً وتضر في بعض الأحيان. لذلك، قرر أن يحضر الحفل مع أنه غير راض عن ذلك في قرارة نفسه. ازداد عدم رضاه حينما رأى النساء والفتيات يتقاطرن إلى القاعة، دون خشية أو خجل، للاستماع إلى المغني الغريب.
مايكل جاكسون ظهر على خشبة المسرح مثل غزال، شعر عمي الكبير بالخزي: كيف يسمح لنفسه بحضور حفل لمغن يطيل شعره مثل النساء ويضع حلقة فضية في إحدى أذنيه! جاشت شاعريته، نهض عن كرسيه، أنشد بصوت جهير شيئاً من الشعر العامي اعتاد ترديده على أنغام ربابته في ليالي السهر: ليت المنايا ال تجي يا سلامة/ تدور ع الظالمين دار بدار! جوبه عمي باحتجاجات صاخبة، لم يستجب أحد من جمهور القاعة لإنشاده، ما جعله حانقاً حنقاً أنساه مصلحة ابنه ذي السطوة القوية على الأمريكان، قال: تفوه على هذا الزمان، رجل مثل المرة، مثل المرة والله!
ابن عمي أسقط في يده، كاد الحفل ينتهي قبل أن يبدأ بسبب الحنق الذي تلبس عمي الكبير. مايكل جاكسون، وهو ابن الدولة التي تحكم العالم، لم يتوقع هذا التطاول من عمي الكبير، شعر أنه مهان حتى العظم، (سبحان الله، كأنه يفهم العربية!). أخرج هاتفه النقال من جيبه، قال كلاماً أترجمه الآن إلى العربية: سأتصل بوزير دفاعنا رامسفيلد، سأطلب منه أن يرسل في الحال طائرة من نوع شبح أو طائرتين. عمي الكبير انتفض مثل المجنون وهو يهز عصاه، في وجه المغني الشهير: تهددني يا داشر! أنت تهددني! (سبحان الله، كأنه يفهم الإنجليزية!). مايكل جاكسون أدرك أن شرف الدولة الكبرى لن يسلم من الأذى إن لم يقدم على فعل كبير، ويبدو أنه كان محتاطاً لمثل هذا الأمر، أخرج من تحت ثيابه مسدساً من نوع برابيللو، يتسع مخزنه لأربع عشرة رصاصة، صوّب فوهة المسدس نحو رأس عمي الكبير، سحب عمي عصاه من فوق رأس المغني، قال بهدوء ملتبس وهو يتجه نحو الباب: سأذهب لأداء صلاة التراويح.
مايكل جاكسون ابتهج للنصر المؤزر الذي أحرزه، تحول وجه ابن عمي من الأصفر الفاقع إلى الأحمر المشوب بصفرة مؤسفة. انطلق المغني يغني ويرقص مثل مهر جامح، جمهور القاعة يصفق ويهتز طرباً، وابن عمي يؤكد لي وهو يبرأ من اضطرابه: سأنقل هذا الحي إلى عصر ما بعد الحداثة!
عمي الكبير لم يغب طويلاً. استغرقه الأمر بضع دقائق، تمكن خلالها من خلع شباك المبنى، بمعونة من بعض مريديه المخلصين. دخل من خلف خشبة المسرح، اقترب من مايكل جاكسون ولم يشأ أن يضربه من الخلف ضربة غادرة، لأنه يحترم أصول المشاجرات، صاح في المغني صيحة هادرة: دافع عن نفسك يا ولد. مايكل جاكسون قفز مبتعداً مثل قرد مذعور، حاصره عمي في زاوية المسرح، أهوى بالعصا على رأسه، زاغ المغني عنها في اللحظة الأخيرة، لم يفطن، بسبب الرعب كما يبدو، إلى المسدس الذي خبأه تحت ثيابه. عمي الكبير أمره بحزم: ارفع يديك.
المغني امتثل لكلام عمي الكبير، (سبحان الله، كأنه يفهم العربية!) اقترب منه عمي، انتزع المسدس من تحت ثيابه بحركة بارعة من يده. أقر المغني بهزيمته أمام عمي، عيناه قالتا ذلك بكل وضوح، عمي اكتفى بما قالته عينا المغني، ألقى بالمسدس بعيداً، ثم مضى وهو مرفوع الرأس معتداً بالنصر الذي أحرزه، عمي الكبير غادر القاعة دون أن يقول شيئاً، فالنصر الذي أحرزه غني، كما يبدو، عن أي كلام.
مايكل جاكسون تناسى كل شيء وعاد إلى مواصلة الغناء، صفق له الجمهور بحماس. خرجت بعض فتياتنا إلى خشبة المسرح، رقصن مع المغني الشهير وهن في أتمّ انبساط، رقص الفتيان كذلك بابتهاج، وظل مايكل جاكسون يترنم بالأغنية تلو الأخرى في حينا البائس حتى مطلع الفجر، إي والله، حتى مطلع الفجر!
من كتاب "صورة شاكيرا" المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت 2003

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME