محمود شقير.. قصصُ أَخرجَ مشاهِدَها المنفى

الكاتب الفلسطيني محمود شقير من مواليد القدس عام 1941
الخميس, 15 يوليو, 2010,
غزة- هدى بارود
"في العيد الأخير، الذي جاء بعد المذبحة الأخيرة، نجلس في الصمت الثقيل نهدهد الأحزان، يدخل الشهداء علينا واحداً واحداً، ولا يسلمون علينا.. يجلسون على المقاعد وهم في الأكفان.
تدخل المرأة الثكلى مملوءة بالسواد، تصب القهوة المُرة من إبريق النحاس، يتصاعد البخار من فناجينها الكئيبة، ترتعش منا الأيادي والقلوب.. نشرب القهوة ونحن نتمتم بكلام خافت حزين، والشهداء قابعون هناك في أكفانهم، كأنما لا يعنيهم الأمر، ثم، فجأة، يغيبون"...


قصة قصيرة جدا، يُبدع "المختزلون" في صياغتها، فهي في كل أول جملة تحمل بداية، وفي آخرها "خُلاصة".. لا يتقن كتابتها الكثير، ولكن من يجيدها "متميز".. ومن أولئك الكاتب الفلسطيني محمود شقير والذي يُعد من رواد القصة القصيرة و"القصيرة جدا" في الوطن العربي، ولدَ في جبل المكبر شرقي القدس قبل 69 عاما، نشأ فيها "عمره الأول" وتخرج في مدرستها الثانوية ثم انتسب إلى جامعة دمشق لدراسة الفلسفة والاجتماع وتخرج فيها في العام 1965 وظل يعيش في القدس حتى أبعدته سلطات الاحتلال الإسرائيلي منها في العام 1975 حيث قضى ثمانية عشر عاماً في المنفى، ومن ثم عاد إلى القدس "مدينته في العام 1993 وما زال يعيش فيها حتى الآن.

وفي القدس كتب أول مجموعاته القصصية، وتدرجت معرفته و"ثقافته" -تطورا-، مارةً بعدد من المراحل التي عمل فيها في مجال الإعلام، وكانت له تجربته "الجيدة" في التحرير وكتابة المقالات، إلى أن أصبح الأديب الأول في مجال "أدب الطفل"، إضافة إلى تميزه كما سبق وأشرنا في كتابة القصة القصيرة.
"هاتفياً" استضافته "فلسطين" متوقفة معه كما "القطار" في محطات "حياتية" صنعت منه "أديباً" يناقش شؤون المرأة والطفل على وجه "الاهتمام"..

الخيال والواقع "تحالفا"..
ما عايشه شقير في حياته "المقدسية" كان له تأثير ملحوظ على كتابته، خاصة الاختلافات السياسية "والحزبية"، والتحركات الصهيونية "الواضحة" تلك الفترة، يقول :" ولدتُ عام 1941 وهي السنة الثالثة للحرب العالمية الثانية، لذلك عايشت في بداية حياتي الآثار السلبية التي انعكست على فلسطين إثر هذه الحرب، ونشأت واعياً بالسياسة، ومطلعاً على الوضع غير الطبيعي في القدس نتيجة اعتداء القوات الصهيونية على الفلسطينيين هناك"..
يعود الفضل في اقتراب شقير من الأحداث الفلسطينية الواقعية في المدينة المُقدسة إلى والده الذي كان يصطحبه منذ سن مبكرة إلى المسجد الأقصى، خاصة وأن جبل المكبر الذي كان متناثر السكان، يُطل على القدس..

في خضم "المصائب" التي أحاطت بالمدينة آنذاك، لفتت انتباه شقير الطبيعة، فخلبته "بسحرها" وعششت بلا استئذان في مخيلته، يقول :" كنت أقطع المسافة من جبل المكبر إلى الأقصى مشياً، والطريق التي أسيرها عَلمت بقوة في نفسي، إذ إني مررت بالطبيعة الفلسطينية الساحرة، كبركة سليمان، وباب الخليل اللذين كانا بالبساطة شديدي الجمال، فتركا - بالتفاصيل الصغيرة- دهشة داخلي وحُباً..".

كتب شقير القصص عن النساء متطرقاً إلى الظلم الذي يتعرضن له، بعد حادث صادفه في طفولته لامرأة تُضرب أمام الناس، يقول :" كان الرجل ينهال على زوجته ضرباً، وهي تبكي ويحجب دموعها "نقاب"، والدتي وصديقاتها لما رأينها تُهان في الشارع منعن الزوج.. ذلك المشهد ترك أثره العميق في نفسي، حتى أني كتبت عنه فيما بعد".

لم تكن الأحداث التي يعيشها شقير، هي وحدها التي ساعدته على تجميع مفردات الكتابة، وتفاصيل "الخيال"، إذ إن الحكايات الشعبية التي كانت ترويها له والدته وجدته ساعدته "كثيرا" على رسم لوحات فنية "مُختزلة" وجزلة في قصصه القصيرة.

يقول :" كل كتاباتي نبعت من تجارب واقعية وشخصية، استكملتُ تفاصيلها من عملي وعلمي في الحياة ومن خلال تجاربي العامة، وبعض القصص للأسف لم ترق لدي إلى المستوى المطلوب، ربما لأني كتبتها على عجالة، وهي قصص لم أنشرها، فالافتعال في المعالجة الفنية فيها لم يكن هو ما أريده".

"...أديب مُلم بالعربية"..
بعمر الثامنة عشرة بدأت تتفتح "براعم" الكتابة لدى شقير، بتعزيز من مدرسيه في المرحلتين الإعدادية والثانوية، يقول :" كانت أبرز تجاربي في الكتابة خلال طفولتي، موضوع إنشائي طلب فيه أستاذي بالمرحلة الإعدادية أن نكتب قصة عن قِرش يتكلم، فأخذني الخيال وحولت القرش قرصانا ينتقل من يخت ليخت، ومن جيب لجيب، الأمر الذي أعجب المُدرس، وشجعني على الاستمرار، ونبهني إلى أن ملكة الكتابة عندي يُمكن تطويرها وتحسينها".
أبرز تجاربي في الكتابة خلال طفولتي، موضوع إنشائي طلب فيه أستاذي بالمرحلة الإعدادية أن نكتب قصة عن قِرش يتكلم، فأخذني الخيال وحولت القرش قرصانا ينتقل من يخت ليخت، ومن جيب لجيب، الأمر الذي أعجب المُدرس، وشجعني على الاستمرار، ونبهني إلى أن ملكة الكتابة عندي الكاتب شقير

بعد "القِرش" اعتنى شقير بموهبته وطورها بالقراءة الأدبية خارج المنهاج الدراسي، حتى أنه كان يطمح بأن يكون كواحد من أساتذته المميزين"..، قال :" أستاذي أحمد الطيب كان يتحدث اللغة العربية الفصحى بطلاقة، وكم تمنيت أن أصبح مثله، حتى أني كتبت على الرفّ الخشبي الخاص بكتبي أثناء دراستي الثانوية: "كم أتمنى أن أصبح أديباً ملماً باللغة العربية"، وساعدني على ذلك أولئك المدرسون المميزون، والذين كان بينهم الأستاذ المصري محمود حسين الذي اعتمد النكتة والأمثلة الواقعية في تدريس اللغة العربية".. وهكذا وضع شقير قدمه على أول طريق الكتابة.

نضجت الموهبة الأدبية لشقير خلال تلك الفترة "المتشقلبة" فكان من أول من يكتب القصة القصيرة، ومع بداية كتابته عملَ مُدرساً في قرية من قرى رام الله.. طبيعة القرية المُتقاربة بيوتها، وقلوب سكانها، رغم حالة الفقر المتزايدة تلك الفترة، جعلت عمله الفني يزخر بالتجارب الشخصية، وحفزته الحياة التي عاشها 4 سنوات فيها على الكتابة حول المرأة والفقر.

وكما ذكرنا سابقاً، لم تكن الحياة غير الطبيعية في القدس، والحراك السياسي يمرّ مرّ "الكرام" على شقير، إذ إن التغيرات السياسية بعد "النكسة" جرفته في تيارها، حيث إنه في بادئ الأمر كان ناصرياً – يتبنى أفكار عبد الناصر ودول عدم الانحياز- ومن ثم تقرب من حزب البعث الذي سطع نجمه في سوريا والعراق وكان يدعو لتوحيد الأمة العربية "اشتراكيا".

تغيرت توجهات شقير السياسية بعد ذلك، ليكون على مقربة أكثر من حزب التحرير الإسلامي والذي يدعو لإقامة خلافة إسلامية في الوطن العربي.. والإخوان المسلمين فيما بعد، واستقر به الحال في نهاية المطاف عضواً في الحزب الشيوعي.. وتلك الفترة "بالتأكيد" كان لها نصيب من تجربته الكتابية.

المنفى.. صنعَ "القصيرة" جداً
لم تكن الكتابة الأدبية هي وحدها التي شغلت شقير، فالعمل في مجال الإعلام والصحافة أخذ نصيبه منه، إذ كانت أولى تجارب المصادقة بين "الصحافة والأدب" يخوضها بتعامله مع مجلة "الأفق الجديد" المقدسية والتي كانت تصدر في القدس أوائل الستينات، " وقد تركت أثراً كبيراً عليَّ، فلولاها لما تقدمت على طريق الكتابة، ولما نشرت قصصي وكتاباتي"، قال شقير مُضيفا :" بعد ذلك شغلتني الصحافة عن الكتابة، فبعد أن أصحبت محرراً في صحيفة "الجهاد" المقدسية أدركت أن الهرم الصحافي العريق يشغل الكاتب عن إبداعه، لذلك اكتفيت بمقالات، تاركاً الصحافة ومتوغلاً في الأدب".

كتب شقير المقالات الأسبوعية للصحف اليومية، حتى أدرك أنها تأخذ وقت "إبداعه" فتوقف عنها، مُصدراً عدداً من الكتب والمجموعات القصصية، على رأسها "خبز الآخرين، طقوس للمرأة الشقية، صمت النوافذ، و ظل آخر للمدينة".. وهذا الكتاب الأخير أنجزه بعد عودته للقدس من المنفى الذي "أقصته" إليه (إسرائيل).
غيرات السياسية بعد "النكسة" جرفته في تيارها، حيث إنه في بادئ الأمر كان ناصرياً – يتبنى أفكار عبد الناصر ودول عدم الانحياز- ومن ثم تقرب من حزب البعث الذي سطع نجمه في سوريا والعراق وكان يدعو لتوحيد الأمة العربية "اشتراكيا

وعن القصة القصيرة جدا، والتي برع في كتابتها في منفاه الذي استمر ثمانية عشر عاماً يقول :" في المنفى افتقدت المكان الأول الذي شهد ولادة قصصي القصيرة باعتبارها تعبيراً عن المكان وأهله، وعن علاقتي بالمكان وأهله. وأدركت وأنا في المنفى كم أنا بحاجة للتعبير عن الذات وعن إيقاع الحياة السريع في الغربة وعدم الاستقرار، لذلك فتشت عن كتابة لا تأخذ وقتاً طويلاً في كتابتها، ولا تحتاج إلا إلى بعض تفاصيل المكان، أي مكان قادر على احتضان لحظة إنسانية ما، لذلك أوجدت القصة القصيرة جداًً، وهي تلك التي يُميزها لونها الشعري الممتزج باقتصاد اللغة، وبضرورة توافر حدث قصصي يُعبر عن جزء من تفاصيل الحياة".

ولكن لماذا لم يلجأ شقير للرواية، وهل طبيعة الحياة التي عاشها هي التي فرضت عليه "مُرحبا" هذا اللون؟!.. سألناه، فأجاب :" لم تكن الحياة في المجتمع الفلسطيني على ذلك القدر من التعقيد الذي يدفعني لكتابة الرواية ذات العقدة والحبكة، ولأني بدأت الكتابة صغيرا في العمر كانت القصص القصيرة الأقرب لذاتي، إذ إن الروايات تحتاج لثقافة أكبر من تلك التي عشتها في بداية حياتي في قرية على تخوم المدينة، إضافة إلى أن المجلات التي كانت تصدر تلك الفترة لم تكن صفحاتها تتسع لرواية، إضافة إلى أن الاهتمام بالقصة القصيرة كان كبيراً تلك الفترة"..

في النهاية "صدمة"
"الكاتبُ يتميز بحساسيته وقدرته على الاستشفاف والرؤية، ولهذا يكون غير راضٍ عن الظروف المحيطة به ومن حوله، أو ساخطاً، ومن حقه أن يطمح لما هو أفضل وأجمل لمجتمعه، لذلك تكون كتاباته "محفزة على التغيير، ونقدية، كمحاولة للوصول إلى الأفضل"، قال شقير عن تجربته، متابعا :" من أهم شروط القصة القصيرة جداً أن تصدم نهايتها القارئ، فيعود إلى قراءتها من جديد، وأنا ضد المباشرة التي تأتي على حساب فنية العمل الأدبي، حيث يعمد بعض الكتاب إلى توصيل رسائل سياسية أو فكرية بطريقة مقحمة إلى القراء"..
من أهم شروط القصة القصيرة جداً أن تصدم نهايتها القارئ، فيعود إلى قراءتها من جديد الكاتب شقير

حاول شقير الذي كان شاهداً على واقع سيئ عاشته المرأة الفلسطينية وما زالت تعيشه، وعانى منه الأطفال وما زالوا يعانون منه، إضافة إلى تجربة الفقر التي اقترب منها حد الملاصقة لفترات طويلة من حياته، ومعايشته للأحداث المتواترة على القدس، والتخريب "الصهيوني" فيها، أن يكتب من وحي حياته وحياة شعبه، وبوسع القارئ أن يلمس انعكاس هذه الحياة في قصص شقير القصيرة جداً، تلك القصص التي تعتمد التقشف في اللغة والانتهاء بما يشبه المفارقة أو الإدهاش أو الصدمة.

الجدير ذكره أن شقير كتب القصة القصيرة التي بالإمكان قراءتها في عشر دقائق، وكتب القصة القصيرة جداً التي بالإمكان قراءتها في دقيقة واحدة، واستخلاص النتائج منها رغم قصرها الشديد، وكتب النصوص السردية الطويلة مثل كتابيه "ظل آخر للمدينة" و "قالت لنا القدس" ، وهو حتى الآن لم يكتب الرواية، حيث يحب القراء الروايات التي تتمتع أحداثها بخيال واسع"..
المصدر: صحيفة فلسطين
تاريخ الإدراج: 6 / 8 / 2010

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME