تتمحور هذه النصوص القصصية في مجملها حول الأرض والذاكرة وقيم النضال والاستشهاد في سبيل الوطن.

ويبدو حكم بلعاوي في نصوصه هذه معنيًّا بالدرجة الأولى بمضامينها أكثر من اهتمامه بالأشكال الفنية لكتابة القصة القصيرة التي يكتبها منذ عقود عدّة، وهو يكتفي في الغالبية العظمى من هذه النصوص باتباع أسلوب السرد القصصي الكلاسيكي الذي يتولاه سارد عليم ملمٌّ بتفاصيل كثيرة لها علاقة بالشخصيات التي يقدمها للقارئ، والكثير من هذه الشخصيات كما تشير بعض القرائن هي شخصيات حقيقية منتزعة من البيئة الشعبية الفلسطينية، ولها أدوارها المميزة في الكفاح الوطني الفلسطيني ضد الغزوة الصهيونية والاحتلال.
وقد لاحظت وأنا أقرأ هذه النصوص، كيف أن السياسي في حكم بلعاوي لم يفارق الأديب فيه، أثناء كتابته لنصوصه التي حمّلها كثيرًا من الصفات الإيجابية التي تليق بمناضلين شعبيين أوفياء لذاكرتهم الوطنية، متمسكين بأرضهم مستعدّين للتضحية بأرواحهم في سبيلها، وهم في الوقت نفسه محبّون لأبناء شعبهم الذين تجمعهم بهم وفرة من القيم النبيلة التي تتوافر بكثرة لافتة للانتباه في نصوص حكم بلعاوي، كما لو أنها تعبير عن رغبته في البحث عن كل ما هو إيجابي في مسيرة شعبه، لتسليط الضوء عليه والاحتفاء به، ليكون زادًا للأجيال الشابة تستلهمه وهي تسير على درب النضال الوطني الطويل، وليكون النقيضَ الذي يواجه الخواء واليأس والتردّد والتراجع، وغير ذلك من القيم السلبية التي تطبع بعض جوانب حياتنا الراهنة، بسبب صعوبة المرحلة وما فيها من إحباطات ومحاولات لفرض الاستسلام على شعبنا، وكأنني بالكاتب يشهر كتابته ضدّ السلبية والتردّد والخنوع معلنًا دور الأدب الذي لا بدّ منه في مرحلة التحرّر الوطني من أجل الحرية والاستقلال.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن إدراك السرّ الذي يكمن خلف هذه النصوص المكتوبة بحرارة لافتة للانتباه، وبمنطق يتجلى تقريبًا في الغالبية العظمى منها، حيث لا وجود فيها كلّها إلا لشخصية واحدة سلبية، وأما بقية الشخصيات فقد جاءت منسجمة مع الهدف الذي وضعه الكاتب نصب عينيه وهو يكتب كتابه هذا، الذي يجيء بعد سلسلة من الكتب التي ألفها حكم بلعاوي على امتداد السنوات الخمسين المنصرمة.

فالحاج أبو خاسر هو الشخصية الوحيدة التي تتسم بالسلبية. إنّه قروي متسلّط على الناس، يدّعي أنه حاج وهو ليس كذلك، إنما يتخذ من هذا اللقب غطاء لأفعاله الخسيسة من غشّ واحتيال وطمع وتسلّط واستغلال، وهو بخيل إلى حدّ لافت للانتباه، فلا يشعل سيجارة من علبة كبريت تخصّه. غير أنّ حقيقته تنفضح على أيدي الجيل الجديد ذي التحصيل العلمي المتملّك لناصية الوعي، وعلى أيدي هذا الجيل يضطر أبو خاسر إلى الكفّ عن نهبه لفقراء الفلاحين.
هنا نرى بوضوح كيف يعتني السرد الكلاسيكي بالمضمون، وكيف يلتزم الكاتب بقضايا الناس محرّضًا إياهم على رفض الظلم والاستغلال.

وفي منحى كتابيّ مختلف، تعتمد قصة "الحاجز وزوامير السيارات" على الحوارات المطوّلة التي تشبه المونولوجات، التي تكشف ما في دواخل الشخوص من مواقف ومشاعر وأفكار. تدور هذه الحوارات داخل سيارة أجرة، حيث يتحدّث ركّاب السيارة وسائقها عن معاناتهم من الحواجز العسكرية الإسرائيلية. ويبرز عبر هذه الحوارات الصراع بين الفلسطينيين والجنود المرابطين على الحواجز، ويبرز في الوقت نفسه إصرار الفلسطينيين على تحمّل الصعوبات، وعلى تحدّي خطط المحتلين الرامية إلى تيئيس الناس وفرض الاستسلام عليهم ودفعهم إلى الاستكانة، غير أن الناس يحبطون هذه الخطط العنصرية ويواصلون تحدّيهم رغم المعاناة.
وحينما يطلق الجنود رصاصة يطلق سائقو السيارات زوامير سياراتهم بشكل جماعي على سبيل الاحتجاج. إنه الصراع اليومي الذي تتجدّد فيه حياة الفلسطينيين فيما يظلّ جنود الاحتلال رهينة للملل ولممارسة القمع الذي لا جدوى منه ولا طائل من ورائه، بسبب الصمود الأسطوري للفلسطينيين في أرض وطنهم.
تبدو مفردات الصراع في هذه القصة مقنعة من غير مبالغة ولا تهويل، وفيها اعتماد على التفاصيل الصغيرة التي يمارس الفلسطينيون من خلالها حياتهم اليومية، ويمارسون في الوقت نفسه تحدّيهم للاحتلال بأبسط الوسائل والأشكال.

وأما في قصة "الفقيه أبو عباس" فإن الراوي العليم هو الذي يتولى زمام السرد، لتقديم أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الشخصية القصصية. نتعرف في هذه القصة على شخصية أبي العباس الذي يسهم في مداواة الناس اعتمادًا على الطب الشعبي وعلى القرآن. وهو الذي كان يساعد الثوّار في زمن الثورة على الانتداب البريطاني، وهو الذي كان يفلح أرضه ويرفض الهجرة من الوطن طلبًا للرزق، وهو الذي أحبه الناس وبكوه بمرارة بعد أن مات.
هنا تتقدّم نزعة الإخبار على أي شيء سواها، لتقديم شخصية فلسطينية نموذجية مسكونة بحب الوطن وبالإخلاص له.
ويتكرّر تقديم مثل هذه الشخصية الإيجابية غير مرّة. فأم فارس هي مثال آخر على ذلك، وفي هذه القصة تقع الأرض في مركز الاهتمام. ثمة إصرار من الفلسطينيين رجالاً ونساء وأطفالاً على التعلّق بالأرض، وثمة في القصة كلّ ما يدلّ على هوية هذه الأرض وعلى الطبيعة الفلسطينية: الأشجار، النباتات، الطيور والأغاني الممتزجة بعرق العاملين في الأرض من أهلها. وثمة في الجهة المقابلة من يسرقون الأرض الفلسطينية ويقيمون عليها البيوت الاستيطانية.
والقصة من أول كلمة فيها حتى آخر كلمة تحريضٌ على الصمود ومقاومة عمليات مصادرة الأرض وقلع الأشجار بالجرافات، ولذلك تعلو فيها نبرة التفاؤل التي تتوزّع بالتساوي على أمّ فارس وأبي فارس والابن الطفل فارس، وعلى نماذج بشرية أخرى من أهل القرية. وفي حالة كهذه يصبح متوقّعًا أن يتصدّى فارس وأهل قريته للجرافات التي تنتهك الأرض، ويصبح متوقّعًا استشهاد فارس الذي مهّد له الكاتب بطريقة ذكية، ويصبح عنوان القصة دالاً على المرأة وعلى الأرض في وقت واحد باعتبار كلّ منهما أمًّا لفارس.

ويتواصل جهد الكاتب لتقديم شخصيات إيجابية حقيقية من البيئة الشعبية الفلسطينية، وللإحاطة بجوانب متنوّعة من التجربة النضالية الفلسطينية خلال شتى فترات التاريخ الفلسطيني المعاصر، ففي قصة "انفجار قلب الخال محمد" يعود بنا الكاتب إلى ما قبل النكبة وإلى أيام الانتداب البريطاني على فلسطين وبدايات الهجرة الصهيونية والاستيلاء على الأرض الفلسطينية، لنرى كيف كان الناس متحابين متعاونين، ثم كيف وقعت النكبة وشرّدتهم من قراهم ومدنهم، وهو يتخذ من قرية أم الزينات القريبة من حيفا أنموذجًا لذلك.
ونرى خلال ذلك، الخال محمد أبو علي في أحواله كلها: في تفانيه من أجل أهل قريته، في أيام صفائه وهدوء باله، وفي أيام غضبه من الانكليز، وفي أيام بؤسه وشقائه وتشرّده الذي أسلمه إلى الموت، وفي الوقت نفسه نعجب بذاكرته التي ظلّت حية متوقّدة مشدودة إلى الوطن، وكأن الكاتب يريد أن يوصل الرسالة التي لا بدّ منها: ذاكرة الخال محمد ينبغي أن يوثّقها الأدب، لكي تتوارثها الأجيال الفلسطينية جيلاً بعد جيل، إلى أن تتحقّق العودة إلى الوطن.

وينطبق هذا الأمر بوضوح على شخصية "أبو الحبايب"، هنا يبرز النص التسجيلي المتداخل مع السيرة لتقديم أحد أبطال الانتفاضة الذي كان يعمل في الكويت حينما وقعت هزيمة حزيران 1967، فلم يطق البقاء بعيدًا من وطنه. وهكذا عاد إلى الوطن بطريقة ما، وأصبح قدوة للشباب بما كشف عنه من حبّ للعمل ومن تنوّع في أشكال هذا العمل، وبما أبداه من شجاعة ورفض لتعليمات سلطات الاحتلال، ورغبة في مقاومة المحتلين والتخلص من احتلالهم. وكانت زوجته تساعده في ذلك وتسهّل له وللمنضوين معه تحت لواء المقاومة، سبل الاختفاء والتحرّك بعيداً من رقابة الأعداء.
يبرز هنا بوضوح النص التسجيلي الذي يقول على لسان الراوي العليم تفاصيل كثيرة تتمحور حول الوطن ومعاناته من الاحتلال، وحول علاقة أبو الحبايب بذلك كلّه وموقفه منه ودوره فيه. وهو، أي النص، مكرّس لبثّ روح التفاؤل ولحفظ الذاكرة ولمواصلة النضال ضد الاحتلال. ونعرف من الإهداء المثبّت تحت عنوان النص أننا أمام بطل حقيقي قضى شهيدًا من أجل الوطن، بعد أن ضرب للأجيال مثلاً يحتذى به في التضحية والفداء.

ولا يكتفي حكم بلعاوي باستحضار شخصيات إيجابية حقيقية في نصوصه القصصية، بل إنه يعمد إلى خلق شخصيات فنية تجمعها الروابط الوطنية والقيمية نفسها التي تلتزم بها الشخصيات الحقيقية.
ففي "تحت شجرة الزيتون الرومية" تحضر القصة بما تحتمله من شاعرية في السرد، ومن لحظة ملائمة للسرد يقتنصها السارد لكي يعمّق حضورها، أي حضور اللحظة القصصية، بمزيد من محاورتها ومداورتها وتقليب النظر فيها للتعرّف إلى أسرارها، تحضر القصة بشخصياتها القصصية المحدّدة ذات الملامح التي يتفنن الكاتب في وصفها مع الإبقاء على شيء من الغموض المحبّب فيها. إنه يتحدّث عن فتاة جميلة تسيطر على قلب السارد الذي هو بطل القصة، وتظلّ بعيدة بعض الشيء عنه، لا تنفر منه لكنّها لا تكلمه ولا تبوح له بما في أعماقها، ويزداد فضوله تجاه الفتاة.
ثم يأخذ هذا الفضول في التراخي حينما يرى الفتاة واسمها هيفاء مع شاب اسمه حسان. ونعرف مما يلي من تفاصيل، أن السرّ الكامن في قلب الفتاة والشاب له علاقة بالتنظيم الثوري، وبما يمنحه هذا التنظيم لأعضائه من معنى ومن سموّ في حياتهم. ولا يبقى سوى أن يعلن رشدي، وهو السارد في القصة، التحاقه بالتنظيم، مع نهاية فيها من التبشير الثوري ما فيها، وفيها من بثّ الروح الكفاحية في النفوس ما فيها كذلك، ولكن على نحو قد لا تحتمله القصة القصيرة بكل هذا الانكشاف. غير أن ما له دلالته أن يجري الإعلان عن هذا الانتماء وعن القَسَم الخاص بذلك، تحت شجرة الزيتون الرومية التي تدلّ على العلاقة التاريخية التي تربط الفلسطيني بأرضه وبوطنه.

ويعود الكاتب إلى تقديم شخصياته الحقيقية المحبّبة إلى نفسه، حيث تحضر السيرة من جديد في "رئيسة الجمعية الخيرية... ماتت" التي تتحوّل فيها اللغة السردية إلى لغة خبرية غايتها نقل التفاصيل الحياتية الخاصة بأم حكيم، التي كان لها دورها في إشاعة قيم المحبة والتفاهم والتعاون ورعاية الأطفال ومساعدة الفقراء، ويحضر رجل وامرأة في فضاء هذه السيرة المختصرة للسيدة المكافحة التي نجحت في تشكيل جمعية خيرية في قريتها، هما ابن السيدة وزوجته اللذان وعدا السيدة بالعودة إلى البيت بعد حضور اجتماع لا يمكن تأجيله في رام الله، لتناول طعام الغداء معها.
يعودان من رام الله بالفعل، لكنّ المفاجأة تأتيهما عبر الهاتف وهما في طريق العودة إلى البيت: ماتت رئيسة الجمعية الخيرية. بالطبع، يعمّ الحزن كل القرية لما بذلته هذه المرأة الرائدة من جهود لمساعدة الفقراء ولرد الظلم عنهم، وتكون العبرة الكامنة في هذه السيرة: استذكار سيرتها في لحظة مغادرتها للحياة بعد سنوات من الكفاح والتضحية.

ينطبق هذا الأمر أيضًا على "رشيد الوطني"، وهو الاسم الذي أطلقه الناس على رشيد سليمان عبد الهادي، أحد الأبطال الشعبيين لانتفاضة الحجارة. وحينما مات عن ست وتسعين سنة بكاه الناس، لما اتصف به من أخلاق حميدة ومن سعي إلى الإصلاح بين الناس، ولما تميز به من مواقف وطنية ومن مشاركة فعلية في الانتفاضة، ومن تعويل على جيل الشباب الذي عليه أن يواصل النضال لطرد المحتلين الإسرائيليين.
هنا أيضًا يتولى الراوي تسجيل سيرة شخصية حقيقية، مبرزًا ما في هذه الشخصية من سمات أخلاقية ووطنية وإنسانية لكي تكون مثلاً تحتذي به الأجيال.
وضمن هذا السياق تبدو قصة "زفاف البطل" واضحة الدلالة. فالجيل الذي يعلّق عليه حكم بلعاوي الآمال، لا بدّ له من حصّة في نتاجات قلمه وإبداعاته، ليس من باب رفع العتب ومجاملة هذا الجيل، وإنما لتأكيد استعداده للتضحية وتقديم ما يمليه عليه الواجب الوطني من التزامات.
تدور أحداث هذه القصة من خلال وعي الأم التي علمت أن ابنها رايق أصيب برصاص المحتلين، وهو الآن في المستشفى يعاني من جراح خطيرة. تستعرض الأم ما تحويه ذاكرتها من مواقف وأحداث لها علاقة بالابن الذي لم تتعب أثناء حملها به، ولهذا أطلقت عليه اسمه "رايق"، وتمضي في رحلة التذكّر، فترسم لوحة جميلة للقرية بأعراسها وبالأغاني التي تنطلق في ليل الأعراس، وتتوقّف عند "مليحة" الشابة التي أحبها رايق. غير أن ما كانت تخشاه الأم قد وقع، فقد قضى ابنها نحبه متأثرًا بجراحه تاركًا خلفه سيرة كفاحية عطرة تستحق أن تفرد لها الصفحات في سجل النضال الوطني الفلسطيني.
في القصة ملامسة ذكية لبعض تفاصيل القرية الفلسطينية وطقوسها في الأفراح والأتراح. وفيها إبراز للنواحي الإنسانية في حياة المرأة الفلسطينية، وفي علاقتها بابنها وهو يكبر أمام عينيها، وكذلك وهو يغرم بفتاة شابة لكي يكوّن معها أسرة تعيش في وطن حر سعيد، غير أن رصاص المحتلين يقتل هذه الرغبة الإنسانية البسيطة المشروعة، والأمّ التي تابعت ابنها وهو يكبر يومًا بعد يوم، تابعته وهو يمضي شهيدًا في عزّ الشباب.

وتحية للأديب حكم بلعاوي الذي ما زال يعلن حضوره في عالم الكتابة.

*مقدمة ل "شجرة الزيتون الرومية" مجموعة قصصية للكاتب الفلسطيني حكم بلعاوي/ الطبعة الأولى 2010
تاريخ الإدراج 18 / 4 / 2010

Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME