على هامش الذكرى:
لا بد من تشخيص صحيح للأوضاع

محمود شقير

تحلّ الذكرى الحادية والستون للنكبة الفلسطينية، وسط مجموعة من التطورات، لعل من أبرزها: استمرار الانقسام الفلسطيني الذي بات يهدد مشروعنا الوطني، وصعود اليمين المتطرف في إسرائيل على نحو غير مسبوق، وظهور مؤشرات على دور جديد قد تضطلع به الإدارة الأمريكية لحل القضية الفلسطينية.


لم تصبح النكبة ذكرى بعيدة غابرة مثلما توقعت أو خططت الدوائر الصهيونية، فهي ما زالت حية في ذاكرة الأجيال الفلسطينية المتعاقبة، ما دفع تسيبي ليفني حينما كانت وزيرة للخارجية الإسرائيلية إلى المطالبة بشطب كلمة النكبة من قاموس التداول، كما لو أنها أمر عابر لا يستحق أي اهتمام!
والنكبة الفلسطينية بتجلياتها المختلفة ما زالت متصلة حتى الآن، تدلل عليها حالة الشتات الفلسطيني الممتدة منذ سنوات، وممارسات حكام إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في شتى المواقع والأمكنة. وهي ممارسات تشي بعدم الرغبة في التوصل إلى سلام حقيقي يعالج آثار النكبة على نحو صحيح، ويعترف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ويضعها موضع التنفيذ.
حكام إسرائيل لا يريدون سلاماً ولا دولة إلى جانب دولة إسرائيل، وهم يستخدمون المفاوضات كلما وجدوا من هو مستعد للمشاركة فيها، من باب المناورة لكسب الوقت، ولخلق وقائع جديدة على الأرض، ممثلة هذه الأيام في التوسع الاستيطاني وفي تهويد القدس، وفي محاصرة شعبنا في قطاع غزة. والحكومة الإسرائيلية الراهنة بقيادة نتينياهو وليبرمان تعلن موقفها من كل ذلك صراحة وبلا مواربة!
قبل هذه الحكومة، كان ثمة رأي يقول إن إسرائيل ما زالت غير ناضحة للتوصل إلى تسوية عادلة وإلى سلام دائم. والسؤال: متى تنضج إسرائيل للتوصل إلى تسوية عادلة؟ وهل الأمر متعلق بالنضج وبالمدى الزمني المطلوب للوصول إليه، أم أن فكرة النضج غير واردة أصلاً، وأن ما يشكل العنصر الحاسم في السياسة الإسرائيلية الرسمية، هو التصميم المسبق على تبديد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وتحويل الفلسطينيين إلى هنود حمر مرشحين للانقراض!
بالطبع، فإن فكرة الانقراض هذه غير واردة لأسباب كثيرة، من أهمها حيوية الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته، وإثباته لوجوده على غير صعيد وعلى أجندة العالم المعاصر وفي ضمير شعوبه. غير أن هذه الحقيقة الساطعة لن تمنع عنصرياً مثل ليبرمان من محاولة فرض أجندته الخاصة على الفلسطينيين، للتوصل إلى صيغة عنصرية غير مؤهلة للحياة اسمها: نقاء الدولة اليهودية.
أمام استعصاء التوصل إلى تسوية في المدى المنظور، فإن من واجب الفلسطينيين أن يعيدوا النظر في سياساتهم وفي مواقفهم، ليس انصياعاً لغطرسة اليمين الإسرائيلي المتطرف، وإنما لتعزيز فرص مواجهته وعزله. ومن أول العوامل المؤدية إلى ذلك: وقف الانقسام المخجل في الساحة الفلسطينية. ولكن كيف؟ حماس مستميتة في التحيز إلى حماس، حتى لو تمّ ذلك على حساب الوطن ومصيره ومستقبله، وفتح التي قادت الثورة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، مستميتة في التحيز إلى فتح، وفي البحث عن حصتها من السلطة في مواجهة حماس أو بالتوافق معها (التوافق الذي يبدو بعيد المنال)، دون انتباه جدي لبقية أطراف الطيف السياسي الفلسطيني! ودون حساب دقيق لما يتهدد الوطن من أخطار!
ومع الأسف، فاليسار الفلسطيني يعيش حالة من التشرذم رغم ما لديه من فرص وإمكانات، والمستقلون يحاولون التأثير في المشهد الفلسطيني، بفاعلية قليلة في أغلب الأحيان. وهذا الوضع الانتقالي المربك بحاجة إلى من يُحدث فيه اختراقاً حقيقياً لمصلحة الوطن والناس. والاختراق المهم قد يتمثل في الخروج من هذه التجربة المرة بحصيلة تعزز الديموقراطية الفلسطينية، وتوصلنا إلى برنامج سياسي مرن لا يفرط في حقوقنا الوطنية ولا يعزلنا عن العالم من حولنا.
هل ينفعنا التفكير في تجربة مناضلي جنوب إفريقيا أثناء الحكم العنصري هناك؟ هل يمكن جذب انتباه العالم إلى ما جربه العالم من عزل ومحاصرة ونبذ للعنصريين حتى لحظة إسقاطهم من سدة الحكم هناك! هل يمكن الاقتصار على الأساليب النضالية السلمية ضد الاحتلال الإسرائيلي، القادرة دون غيرها على نزع الذرائع من أيدي اليمين المتطرف في إسرائيل! أي وقف كل أشكال العنف التي تستهدف المدنيين الإسرائيليين! وتؤدي في حال استمرارها، إلى مزيد من التفاف المواطنين الإسرائيليين حول أعتى العنصريين في إسرائيل، وتستثير في الوقت نفسه شهوة القتل والإبادة في نفوس هؤلاء العنصريين ضد الشعب الفلسطيني، تحت شعارات مقاومة الإرهاب، ومحاولة كسب المعركة الإعلامية على الصعيد الدولي، عبر التمويه وقلب الحقائق وخلق البلبلة في الأذهان، والادعاء بأن ما يجري ضد الشعب الفلسطيني من قتل ودمار، إنما هو حلقة من حلقات تصفية "الإرهاب"!
هل يمكن القيام بجهد فلسطيني وعربي منسق ومنهجي ومنظم على الصعيدين الداخلي والخارجي، لنزع الذرائع من أيدي حكام إسرائيل، وفي الوقت نفسه العمل من جديد على تقديم فرصة لقوى السلام الإسرائيلية، لتفعيل دورها من أجل معركة السلام العادل والدائم، وفي الوقت نفسه تعزيز أسلوب الانتفاضة الشعبية السلمية في الأرض الفلسطينية المحتلة، على غرار ما يجري الآن في قرية بلعين وغيرها، ضد جدار الفصل وضد بقاء المحتلين جملة وتفصيلاً، ومن أجل الحرية والاستقلال!
هل يمكن فرض أسلوب جديد، يجربه الفلسطينيون والعرب، مبني على لغة المصالح واستخدامها لتعزيز المواقف السياسية، في التعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة! ما يضطرها إلى تغيير التعاطي الأمريكي المنحاز دوماً لصالح إسرائيل، وإلى التدخل الفاعل، بالتعاون مع روسيا والصين وأوروبا والرأي العام العالمي وقواه ومؤسساته المدنية، لإجبار حكام إسرائيل على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية الخاصة بحقوق الشعب الفلسطيني، وبالانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967!
في الذكرى الحادية والستين للنكبة، لا تبدو الصورة مشرقة أو مطمئنة. ثمة بصيص أمل للتوصل إلى تسوية عادلة، لكنه أمل ضئيل حتى هذه اللحظة. ولا يبقى أمامنا نحن الفلسطينيين سوى مزيد من الصمود فوق أرضنا، ومزيد من بناء حضورنا وتماسكنا الوطني أينما كنا، في الوطن أو في الشتات، وذلك بالاستمرار في النضال والتضحية، وفي مراكمة الإنجازات الحضارية والثقافية والفنية، وغير ذلك مما يعزز مقومات الصمود والبقاء والحق في الحياة الحرة الكريمة.
تاريخ الإدراج: 15 / 5 / 2009

Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME