حينما تختال قصائد محمود في ميادين رام الله

محمود شقير

في احتفالية بلدية رام الله التي ابتدأت في اليوم الأول من هذا الشهر، احتفاء بالذكرى المئوية لتأسيسها، تعبير أكيد عما في رام الله من عراقة، ومن رغبة في التعاطي بجدية مع العصر الحديث ومنطقه الذي لا يعرف الجمود أو المراوحة في المكان.


وانطلاقاً من ذلك، كان من المنطقي والمتوقع، أن تبدأ احتفالات الذكرى المئوية، بأمسية شعرية لمحمود درويش، لأن في هذا تعبيراً عن لحظة حضارية تعلن فيها المدينة انحيازها إلى جانب الشعر، ولأن في هذا أيضاً تعبيراً عن علاقة المدينة المتميزة بمحمود، تلك العلاقة التي توطدت منذ أن عاد محمود إلى الوطن، واستقر به المقام في رام الله.
وفي رام الله، أقام محمود غير أمسية شعرية، وفيها كذلك ومنها واصل إصدار مجلة الكرمل، التي أضافت إلى الثقافة الفلسطينية والعربية الشيء الكثير، منذ انطلاقتها الأولى في المنفى ولدى مواصلة صدورها في الوطن. وفي رام الله كان لمحمود حضور ثقافي لا ينقطع، تمثل بعض منه في توقيعه عدداً من دواوينه الشعرية التي صدرت في السنوات القليلة الماضية، وفي رئاسته للجنة جوائز فلسطين في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية. وتمثل بعض منه أيضاً، في استقباله في مكتبه في مركز خليل السكاكيني وفي خارج مكتبه، للكثيرين من الأدباء الفلسطينيين والعرب والأجانب، وفي مشاركته الفعلية في مناسبات سياسية وثقافية عديدة، شهدتها وتشهدها المدينة باستمرار.
وأن تحتفي بلدية رام الله بشعر محمود، وتجعله في طليعة احتفالاتها بذكراها المئوية، وأن تعد له الشاشات الكبيرة في ميادينها لكي تتجول عرائس شعره بكامل بهائها هناك، وأن يلتقي الناس بالشعر ليس في قاعة قصر الثقافة وحسب، وإنما كذلك في المواقع التي يتنقلون فيها لقضاء أجمل أوقاتهم في ساعات المساء، فذلك تعبير عن مدى ما تتسم به رام الله من انفتاح وسعة أفق، ومن رغبة في إعلاء شأن الثقافة، وتحويلها إلى واحدة من مستلزمات حياتنا الراهنة، تلك المستلزمات التي لا بد منها لكي نكون في قلب الحياة المعاصرة لا خارجها، ولا بد منها في صراعنا المتعدد الأوجه مع عدو، لا يزال يحرمنا من أبسط حق لنا في الحرية والكرامة والسيادة والاطمئنان.
وأن تحتفي رام الله بشعر محمود، وأن تحتضنه بكل هذا الحب، فهو الأمر المتوقع دون زيادة أو نقصان. وبذلك يصبح من حق رام الله أن تزدهي بشعر محمود وبمحمود نفسه الذي أضافت إقامته في رام الله إلى رام الله كل ما هي جديرة به من حب وتكريم، ومن مساندة لما تمثله من تسامح وتعددية وتنوع وامتلاء.
في أمسيته الشعرية، أدخل محمود البهجة إلى قلوب أعداد غفيرة من محبي شعره الذين تابعوه في قاعة قصر الثقافة، وفي ميادين رام الله وشوارعها، وعبر شاشات التلفزة على امتداد هذا العالم.
وإلى قصر الثقافة، جاءت حشود غفيرة من الرجال والنساء، من الشخصيات الرسمية وغير الرسمية، من المثقفين والصحافيين، من السياسيين وقادة الأحزاب، من الناس العاديين وربات البيوت والطلبة والطالبات والشباب. جاء محبو محمود ومحبو شعره، وفي أذهانهم ما يؤكد أن أمسية شعرية لمحمود درويش هي حدث له فرادته وتميزه، وأمسية كهذه هي فرصة سانحة للتسامي على الهموم اليومية والانشغالات العادية، وهي فرصة للتحليق في أجواء من البهجة والتأمل والإحساس الفعلي بأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".
في أمسيته الشعرية، أثبت محمود أنه قادر على تجاوز منجزه الشعري باستمرار، وعلى مفاجأة الجمهور بقصائد جديدة مدهشة. بدت الأمسية مثل عرض فني متكامل متناسق الأبعاد. ابتدأ هذا العرض منذ أعطى محمود إشارة البدء لسمير جبران وأخويه كي يقدموا معزوفة أولى، ثم مضى يقرأ أول قصيدة من مجموعة قصائد، فيها تناول جديد لمفردات التجربة ولطريقة صياغتها والتعبير عنها، التعبير الذي يضاعف حيز الاحتمالات، ويفسح في المجال للتأمل ولإعادة النظر في كل شيء، ولتوسيع مجال الرؤية، والاستعانة من أجل ذلك بالسخرية التي تلفت انتباهنا إلى ما فينا من هشاشة، وتعمل في الوقت نفسه على تجديد إحساسنا بالحياة.
ولكي يتحقق للمشهد اكتماله الصحيح، فقد اندرجت قصائد محمود التي ألقاها على الجمهور وفق خطة مدروسة لا مكان فيها للقراءة العشوائية. ضمن هذا السياق، بدا واضحاً كيف كان إيقاع هذه القصائد يتصاعد حيناً ويهدأ حيناً آخر، وكيف كان هذا الإيقاع يضع المتلقي في حالة من التوحد والانسياق مع الحالات الشعورية التي تزدهي بها القصائد، وكيف ظل هذا الإيقاع متصلاً حتى النهاية المرسومة له بعناية وذكاء، ولا بأس في هذه الحالة من الاستعانة بقصائد سابقة، تأتي في مكانها الطبيعي في لحظة الإلقاء، محققة للشاعر ما يسعى إليه من توصيل حالة متكاملة من متعة التلقي، ومن ثم ترسيخ هذه الحالة في وجدان الجمهور المشدود إلى إلقاء الشاعر المتقن الرصين، وإلى ما يضفيه العزف الراقي لسمير جبران وأخويه من بعد جمالي على مجمل الحالة المعنية في ذلك المساء.
ومحمود لا يتوقف نبع إبداعه عند حد. في قصائده الأخيرة التي قرأها على أسماع أعداد غفيرة من الناس، ثمة تحولات نوعية راقية على صعيد التناول الفني للتجربة وعلى صعيد التعاطي مع هذه التجربة. ثمة استعانة ببعض جوانب السيرة الذاتية وبمخزون الذاكرة على نحو يسهم في إثراء العلاقة بالمكان الفلسطيني، وثمة تأمل عميق في الحياة وتقليب لشتى احتمالاتها، وثمة سخريات عميقة وأسئلة تنفتح على عالم من التأملات والتفلسف الذي ينطلق من أبسط التفاصيل اليومية، ليحلق عالياً في فضاء لا يحد. وثمة قدرة خارقة على حيازة الشعر عبر التعاطي مع أكثر التفاصيل عادية وبساطة وهامشية.
في أمسيته الشعرية، واصل محمود درويش كما هو دأبه باستمرار، تألقه الإبداعي الذي يفاجئ دون تهيب أو مساومة، الذائقة الجمالية لقطاعات واسعة من محبي شعره، يعززها ويعزز معها قيمة الأدب عموماً والشعر خصوصاً في حياة الناس. في تلك الأمسية تأكدت من جديد المكانة الراسخة لمحمود في قلوب الناس، وتأكدت حقيقة كونه الرمز الذي يوحد مشاعرنا ويؤججها في لحظة تسامٍ فريدة نحو ذرى عالية، تجعلنا أكثر قدرة على استيعاب ما في حياتنا من بؤس وعادية وتخلف، وأكثر قدرة كذلك على النظر إلى المستقبل بشيء من التفاؤل وبقدر من الأمل.
ملحق "وين ع رام الله"/ جريدة الأيام/ رام الله
الثلاثاء 22 / 7 / 2008

Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME