حوار مع محمود شقير حول الوضع العربي الراهن وتطورات القضية الفلسطينية

أجرى الحوار: طلال حماد/ تونس



ـ ما هي قراءتك للواقع العربي الحالي بشكل عام؟
* توجد حالة غير مسبوقة من التردي والانحطاط في الوضع العربي، سببه الأنظمة الحاكمة أو الغالبية العظمى منها، حيث تقوم القوى الطبقية المتنفذة القابضة على زمام الأمور، بتغليب مصالحها الخاصة الضيقة على مصالح الأكثرية المغلوبة على أمرها، وعلى حساب حاضر الأوطان ومستقبلها. ولكي تواصل هذه القوى هيمنتها على مجتمعاتها فإنها ترتبط بتبعية مكشوفة للولايات المتحدة الأمريكية، وتتزايد الفجوة بينها وبين هذه المجتمعات بسبب ممارساتها الضارة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما يتسبب في ضعضعة مفهوم الدولة باعتبارها بنية حديثة لتنظيم شؤون المجتمع والناس.

وتأتي هذه الضعضعة عبر ثلاثة عناصر متشابكة: القمع الذي تمارسه السلطة المتنفذة على الجماهير وقواها السياسية، تعدي المليشيات التابعة لبعض القوى السياسية على صلاحيات الدولة والظهور كما لو أنها دولة داخل الدولة، وعدم ثقة الجماهير بالدولة التي لا تخدم هذه الجماهير ولا تسعى إلى التخفيف من معاناتها.
في الجهة المقابلة تعيش القوى اليسارية والديمقراطية والقومية والوطنية حالة من التشتت والتبعثر والعزلة عن الجماهير، سببها ضعف الموقف النقدي والممارسة الكفاحية السلمية ضد نهج القوى الحاكمة، وابتعاد هذه القوى عن العمل اليومي بين الناس لتبني همومهم والتعبير عن احتياجاتهم، والاكتفاء بالعمل النخبوي الذي يكتفي بالتنظير والتوجيه والإرشاد من مسافة ما، وهذا بحد ذاته هو الذي أكسب القوى الأصولية صدقية وانتشاراً بين الناس، حيث ظهرت بمظهر القوى التي لا تهادن القوى الحاكمة، علاوة على تبنيها لهموم الناس والتصدي لحل بعض مشكلاتهم عبر المؤسسات الخيرية والتعليمية والصحية التابعة لهذه القوى، وبسبب ما يتوفر لها، أي القوى الأصولية، من مصادر دعم مالي غير قليلة من جهات عديدة.
لذلك، تبدو الصورة مشوشة. وتبدو السياسة بمعناها الصحيح وبوصفها أداة لنشر الوعي وممارسته، خارج السياق المجتمعي في أغلب أقطار البلدان العربية. يبدو العقل غائباً مغيباً في حالات غير قليلة، وتتفاقم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وتمارس ضغطاً على قطاعات واسعة من الناس، وتشهد القيم النبيلة انهياراً وتحل محلها قيم الفهلوة والشطارة والنصب والاحتيال والعزلة والفردية والأنانية والتباغض والعدوان.
غير أن تلك ليست هي نهاية المطاف. لا بد لقيم العقل من يقظة متجددة، حيث لا يمكن أن تستمر حياة الناس على هذه الشاكلة. لا بد من طمأنينة ومن حماية لكرامة الناس، ومن مستقبل يحفظ للناس أمنهم ورخاءهم، ولا بد من حياة عصرية تصان فيها القيم وتتجدد فيها قدرات الناس. وفي هذا الصدد أعتقد أن الخيار الأكثر جدوى للقوى الأصولية في المجتمعات العربية، هو أن تخطو نحو الاعتدال ونحو ممارسة السياسة وتداول السلطة بعيداً عن أوهام إقامة دولة دينية شمولية. كما أن قوى اليسار مطالبة بالتنسيق الفعلي في ما بينها على طريق وحدة قوى اليسار المتجدد النشط الحيوي في علاقاته اليومية بالناس.
وفي كل الأحوال، فثمة في الغالبية العظمى من مجتمعاتنا العربية أرصدة غير قليلة لاستئناف مسيرة الحداثة والحياة العصرية التي تواكب ما وصلته البشرية الآن من تقدم وحضارة ورقي وعمران.

ـ والقضية الفلسطينية؟

* القضية الفلسطينية تجتاز الآن أخطر مراحلها، حيث تتحول المفاوضات الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية إلى مهزلة، وحيث تمعن إسرائيل عبر توسيع الاستيطان، في إغلاق الأفق نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة، والاستعاضة عن ذلك بالبحث عن حلول إقليمية لمشكلة السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة عبر الأقطار العربية المجاورة. وما يشجع على ذلك حالة الانقسام التي يعيشها الشعب الفلسطيني بعد انقلاب حماس العسكري واستئثارها بالحكم في قطاع غزة. ورغم هذه المخاطر، فإن بالإمكان التصدي لها عبر استعادة الوحدة الوطنية وتوحيد شطري الوطن، والتوافق على برنامج كفاحي قادر على وقف الفوضى التي تتبدى في عمل الميليشيات، وقادر في الوقت نفسه على إشراك الجماهير في المقاومة الشعبية السلمية ضد الاحتلال ومخططاته. ولعل ما تقوم به قرية بلعين والمتضامنون معها ضد الجدار، يقدم مثلاً حياً على أهمية المقاومة السلمية التي بوسعها أن تجتذب تأييداً للشعب الفلسطيني من شتى أنحاء العالم ومن داخل إسرائيل كذلك.
ما يلفت الانتباه، أن انسداد أفق التسوية وصعوبة تحقيق شعار الدولة المستقلة على الأراضي المحتلة العام 1967، يدفع بعض النخب الثقافية والسياسية الفلسطينية إلى إحياء شعار الدولة ثنائية القومية لكي يكون هو شعار المرحلة الجديدة من المجابهة.
أعتقد أن رفع هذا الشعار في هذا الوقت بالذات لن يقدم لنا أي نفع، وسوف يسهم في طمس التأييد الممنوح لشعار الدولة المستقلة على أصعدة كثيرة عربية ودولية، ولن يجد هذا الشعار قبولاً رسمياً أو شعبياً لدى الإسرائيليين، حيث يشهد المجتمع الإسرائيلي الآن تصاعداً في المشاعر العنصرية ضد الفلسطينيين، وقد كشف استطلاع للرأي أجري في إسرائيل مؤخراً، أن نسبة المشاعر العنصرية ضد الفلسطينيين سجلت ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بما سبق، حيث وصلت النسبة 55 % من نسبة المشاركين في الاستطلاع. ثم إن الحركة الصهيونية وحكام إسرائيل الحاليين يطمحون إلى جعل إسرائيل دولة نقية لليهود (ما يهدد بقاء الأقلية الفلسطينية داخل إسرائيل) فكيف يتخلون عن شعارهم هذا لكي يقبلوا بدولة ثنائية القومية؟ ذلك غير متوقع وغير ممكن في المدى المنظور.
ويبقى، أنه رغم الصعوبات التي يكدسها حكام إسرائيل أمام حل الدولتين، بما يضمن حق العودة واعتبار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة، فإن النضال المتعاظم من أجل فرض هذا الحل، سوف يؤدي إلى إزالة كل العوائق المادية والسياسية أمام تنفيذه، وبحيث يكون التخلص من الاحتلال شرطاً أساسياً من شروطه، وأما في ما يتعلق بحل الدولة ثنائية القومية، فيمكنه أن يبقى مطروحاً باعتباره احتمالاً لمستقبل العلاقة بين الدولتين، ولكن ليس الآن.

ـ اعتبر القرن الماضي (العشرون) في حينه، قرن انتصار الشعوب والثورات الكبرى والتحرّر من الاستعمار المباشر. إلى أيّ مدى في نظرك، كان ذلك صحيحاً؟ وماذا تعتقد أن يكون عليه القرن الحالي( الواحد والعشرون)، في ظلّ هيمنة القطب الإمبريالي الأوحد، الأمريكيّ بالتحديد؟

* كان ذلك صحيحاً في مرحلة أولى ثم انقلب الحال. فلقد كان النصف الأول من القرن العشرين بالفعل قرن انتصار الشعوب والثورات الكبرى والتحرر من الاستعمار المباشر. غير أن عوامل كثيرة تدخلت لتوقف هذا المد الكفاحي المتعاظم، من بينها تحول الاستعمار المباشر الذي تجسده وتعبر عنه جيوش الامبراطوريات المستعمرة، إلى نفوذ غير مباشر يتمثل في الهيمنة الاقتصادية والتحكم في الثروات الطبيعية وبالذات البترول، وفرض التبعية على أغلبية الأنظمة الحاكمة التي صعدت إلى سدة الحكم بعد إنجاز الاستقلال الوطني في البلدان العربية على سبيل المثال لا الحصر، ثم غرقت وأغرقت بلدانها في التبعية وما تعنيه من إفقار للبلد، ومن حرمان للناس من الحريات العامة والديموقراطية، ومن قمع وعسف واستبداد.
ويمكن ملاحظة ما جرى على الصعيد الدولي، حيث أخذ يتراجع الزخم الذي مثلته ثورة أكتوبر في روسيا، وفي الاتحاد السوفياتي ودول ما سمي بالمنظومة الاشتراكية بعد ذلك. حيث استفحلت البيروقراطية في المجتمعات المعنية وفي الأحزاب الشيوعية الحاكمة، وحيث أدى سباق التسلح المبرمج والمقصود بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، إلى إنهاك هذا الأخير وإلى إضعاف اقتصاده، ما أدى أخيراً إلى انهياره، وترك الميدان متاحاً أمام سياسة القطب الأوحد، التي جعلت من الولايات المتحدة الأمريكية وما زالت تجعل منها، شرطياً متعسفاً لعصرنا الراهن.
من الصعب التكهن بما ستؤول إليه الأوضاع في عالمنا الراهن، غير أن الأزمات المتلاحقة التي يتعرض لها الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي، وصعود دول أخرى ذات قدرات اقتصادية غير قليلة مثل الصين، والتحول نحو اليسار الذي تشهده بلدان أمريكا اللاتينية، وتعاظم الكفاح السلمي الذي تقوم به حركات شعبية على امتداد العالم وفي الولايات المتحدة نفسها، ضد العولمة الأمريكية وسياساتها الاستغلالية التي تستهدف البشر والبيئة والموارد الطبيعية للشعوب الأخرى وثقافاتها الوطنية، ستجعل من الصعب استمرار سياسة القطب الواحد، والتحكم بالعالم كما لو أنه مزرعة.


ـ ما الخطأ وما الصواب في صعود(الإمبراطوريّة) الأمريكية الجديدة نحو نهايتها السريعة؟

* من المؤكد أن السياسة الأمريكية الراهنة التي ينفذها المحافظون الجدد، في بقاع شتى من العالم تواجه صعوبات هنا وهناك، وهي تمنى كل يوم بهزائم جديدة، وأوضح مثال على ذلك ما يواجهه الاحتلال الأمريكي لكل من العراق وأفغانستان. والسياسة الأمريكية اليوم بتحيزها الصارخ لإسرائيل وما تمثله من عنصرية وعدوان، وبتظاهرها بالدفاع عن الديموقراطية فيما هي تدعم نظماً غير ديموقراطية وتنشر الفوضى في غير بلد في العالم، أصبحت مكروهة ومفضوحة أكثر من أي وقت مضى.
غير أن هذا شيء، والقول إن الامبراطورية الأمريكية الجديدة تصعد نحو نهايتها السريعة، شيء آخر يحتاج إلى تدقيق وإعادة نظر. ذلك أنه رغم هذا الإخفاق في السياسة الأمريكية، ورغم عدم شعبيتها لدى شعوب العالم الثالث على وجه التحديد، فما زالت أمامها، أي السياسة الأمريكية، فرص كثيرة للاستمرار، وما زالت أمام الولايات المتحدة كدولة إمبريالية متنفذة، فرص لمواصلة هذه السياسة، بسبب مجموعة من العوامل، بينها قوتها العسكرية المتفوقة وتشبثها بالهيمنة الاقتصادية على البترول والمواد الخام، وهي الهيمنة التي لم تضعف حتى الآن، بل إنها تشهد تصاعداً وإصراراً على التحكم، ومن أجل ذلك، وخوفاً من الأزمات التي تضرب النظام الاقتصادي الرأسمالي بين الحين والآخر، فإن النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة وفي المراكز الرأسمالية الأخرى في أوروبا، يزداد توحشاً وبربرية وميلاً إلى العدوان، وتخلصاً من العقلانية لمصلحة نزعات لاعقلانية مدمرة، تنصب في الأساس على شعوب العالم الثالث لتسليط مزيد من الاستغلال والنهب لمواردها وللهيمنة على أسواقها وعلى العمالة الرخيصة فيها، لضمان بقاء المركز في حالة من بحبوحة العيش والرخاء.

ـ ما هي قراءتك لإسرائيل بعد 60 سنة على قيامها فوق فلسطين.. وعلى حسابها؟

* بعد ستين سنة على قيامها فوق فلسطين وعلى حسابها، ما زالت إسرائيل قوة عدوانية عنصرية قادرة على إلحاق المزيد من الأذى بالشعب الفلسطيني وبغيره من الشعوب العربية.
صحيح أن الزمن تبدل نوعاً ما، ولم تعد إسرائيل قادرة على تحقيق انتصارات سريعة كما كان الحال إبان حرب حزيران 1967 ، غير أن إسرائيل لم تستنفد إمكانات القوة حتى الآن، وهي ما زالت تعتبر هذه الإمكانات العنصر المقرر في أمر بقائها واستمرارها، باعتبارها قوة إقليمية مهيمنة متواطئة مع النزعات الإمبريالية للولايات المتحدة الأمريكية وخادمة لها. وهي ما زالت تعتبر أن من أهم مقومات بقائها، إبقاء المحيط العربي والإسلامي المحيط بها ضعيفاً مفككاً غير قادر على المبادرة أو على التقدم على طريق الحداثة والعصرنة، شأنه في ذلك شأن بقية شعوب هذا الكوكب. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: إلى أي مدى سيظل هذا المحيط ضعيفاً مفككاً؟ وهل بوسع حكام إسرائيل أن يستمروا في حالة عداء مع هذا المحيط؟ وهل لو نجحت إسرائيل في إبرام اتفاقيات جائرة مع بعض دول هذا المحيط ومع دول أخرى ستمضي على هذا الطريق، هل لو استسلمت الأنظمة العربية الحاكمة كلها لإرادة أمريكا وإسرائيل، هل سوف يستمر مثل هذا الاستسلام إلى الأبد؟
هذه الاسئلة وغيرها يمكن أن تخطر بالبال ونحن نعيش الذكرى الستين للنكبة، وحيث تظهر تنبؤات تتحدث عن قرب انتهاء دولة إسرائيل بسبب ما يعتورها من ضعف وعوامل تفكك داخلية بدأت تظهر للعيان. أعتقد أن ثمة تسرعاً في الحديث عن مثل هذه التنبؤات والترويج لها في وسائل الإعلام، لأن ماكنة الإعلام الإسرائيلي تحاول الاستفادة من ذلك، حيث تتظاهر بالضعف أمام العالم الغربي، وبالأخطار التي تتهددها من المحيط البشري الذي يحيط بها، ومن ثم تقوم بتسخير ذلك كله لجني المزيد من الأموال والمعدات العسكرية، ولتحقيق مزيد من الدعم والتعاطف الغربيين وللتهرب من استحقاقات السلام العادل.
مع ذلك، ثمة حقائق ظل حكام إسرائيل يتكتمون عليها، أخذت في الظهور تباعاً عبر الوثائق المفرج عنها من الأرشيف الإسرائيلي نفسه ومن الأرشيف البريطاني كذلك، وعبر جهود نبيلة لمؤرخين كثر بينهم عدد من المؤرخين الإسرائيليين الجدد، فأقاموا الدليل على قيام المنظمات الصهيونية المسلحة بممارسة تطهير عرقي ضد الفلسطينيين، وعلى قيامها بعمليات تهجير قسري وارتكابها مذابح جماعية، قبل حرب 1948 وأثناءها وبعدها، ما يشكل ضربة للدعاية الصهيونية التي ظلت تدعي كذباً بأن الفلسطينيين اختاروا الخروج من وطنهم طوعاً لا كرهاً.
مثل ذلك وغيره كثير، يمكن توظيفه في إطار برنامج واسع ومتعدد الجوانب لفضح الدولة الصهيونية، ولعزلها باعتبارها دولة عنصرية شبيهة بدولة جنوب إفريقيا العنصرية، التي أسهمت العزلة الدولية التي فرضت عليها آنذاك، في تعجيل سقوط سلطتها وفي كنس العنصرية من هناك.

ـ كانت النهضة فيما مضى تعني الخروج من العجز والضعف ومقاومة التخلّف والانحطاط في العقل واكتساب العلوم والمعارف التنويريّة المواكبة لتطوّر العصر. ما الذي تحقّق للعرب، في رأيك، من ذلك كلّه، وماذا تعني النهضة اليوم لمؤرّخ(لباحث/باحثة ودارس/دارسة، لشاعر/شاعرة ومبدع/مبدعة، لكاتب/كاتبة، لإعلاميّ/إعلاميّة، لأديب/أديبة، فنّان/ فنّانة، ومثقّف/مثقّفة( مثلك؟

* للأسف، فإن القوى الاجتماعية التي حملت لواء النهضة في الوطن العربي قبل قرن ونصف من الزمن، واستمرت في ذلك حتى مشارف القرن العشرين، لم تستطع إنجاز مهمتها النهضوية بسبب نزعتها التلفيقية التوفيقية بين ثنائيات الأصالة والمعاصرة، والدين والدولة، والشريعة والقوانين المدنية، وغير ذلك من ثنائيات، بحيث بقيت مجتمعاتنا في منتصف الطريق، لا تعرف كيف تقوم بالقطيعة مع ماضيها بعد التخلص من كل حمولاته التي لم تعد تتلاءم مع روح العصر الحديث، وبعد تبنيها لكل ما في هذا الماضي من عناصر إيجابية قادرة على الاستمرار، ولا تعرف في الوقت نفسه كيف تقوم بالتعايش مع العصر الحديث ومنجزاته وعلومه ومعارفه وأخلاقياته على نحو متوازن معقول.
نحن ما زلنا نتخبط في متاهة البحث عن طريق عصري يعكس حقيقتنا، وييرز ما لدينا من مزايا، ويساعدنا على تقديم إسهامنا في الحضارة الإنسانية المعاصرة. وما يزيدنا تخبطاً هو ردة الفعل السلبية للكثيرين منا، تجاه الثقافة الغربية وما فيها من عناصر عقلانية وديموقراطية وتنويرية، حجبتها عن عيوننا سياسة الغرب الرأسمالي الراهنة المتحيزة ضدنا، المعادية لتطلعاتنا، ما يدفع قطاعات واسعة منا إلى التقوقع ونشدان العزلة والتشبث بالماضي، لحماية الذات من الانكشاف ومن خطر التمزق أمام الرياح العاتية التي تهب علينا من كل الجهات، وهذا بحد ذاته هو خيار الضعفاء لا الأقوياء. فالعزلة ليست علاجاً وليست هي الطريق إلى الخلاص، مثلما أن الخلاص لا يكمن في التشبث بالوهم الذي يقول: إن مستقبلنا موجود بالتمام والكمال في ماضينا (وهذا القول أو ما هو قريب منه أظنه لأدونيس).
ما يطمئن قليلاً، أنه بالرغم من مظاهر العزلة والتقوقع، وبالرغم من مظاهر الضعف التي ما زالت تستبد بمجتمعاتنا، فإن تجليات الحياة الحديثة العصرية موجودة بكثرة في هذه المجتمعات، وعليها، وعلى ما لدينا من ثقافة عصرية تعبر عنها قوى سياسية تقدمية، ويعبر عنها فلاسفة ومفكرون وأدباء وصحافيون يمكن أن نبني حياة جديدة جديرة بالاحترام.
* نشر هذا الحوار على الموقع الإلكتروني "أفنان" وعلى مواقع أخرى في شهر حزيران 2008 .

تاريخ الإدراج: 24 / 7 / 2008

Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME