في الذكرى الستين للنكبة:
للفلسطينيين الحق في تقديم روايتهم

محمود شقير

المأساة الكبرى التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في العام 1948 على أيدي الآلة العسكرية للمنظمات الصهيونية المسلحة ولجيشها، ما زالت ماثلة في الأذهان وعلى أرض الواقع، ولن تمحوها موازين القوى المختلة لغير صالح الضحايا، ولن تغيبها المناورات السياسية التي يمارسها حكام إسرائيل وحلفاؤهم الأمريكان.

بل إن أي تجاوز لهذه المأساة وللآثار التي ترتبت عليها، لا يعني سوى إطالة أمد هذا الصراع الدموي الذي أصبح عمره مائة عام، وهو الصراع الذي تحمل الشعب الفلسطيني عبأه الأكبر، ووقعت عليه نتائجه الأفدح، لا لذنب جناه، وإنما لذنب جناه الغرب الرأسمالي حينما اضطهد اليهود واقترف بحقهم أبشع جريمة إبادة جماعية، فراح يكفر عنها، بخلق الظروف المواتية للحركة الصهيونية من أجل تحقيق شعارها الذي ينطوي على كذب صريح، عن أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
إن حكام إسرائيل وكل المتطرفين فيها، الذين يتنكرون لحقوق الشعب الفلسطيني في وطنه، ويمعنون في التخريب على فرص إقامة دولتين في أرض فلسطين التاريخية، وينكرون على اللاجئين الفلسطينيين، حقهم في العودة كما نص عليه القرار الدولي 194 ، وتصوير مجرد الحديث عن هذا الحق كما لو أنه تهديد مباشر لدولة إسرائيل، هم الذين لا يريدون وقف شلال الدم الذي يسيل كل مساء وكل صباح، وهم الذين يخططون لمزيد من إلحاق النكبات بالشعب الفلسطيني، عبر مصادرة الأرض وبناء المستوطنات عليها، وعبر جدار الفصل الذي يراد له أن يكون حدوداً سياسية، وكذلك عبر مئات الحواجز العسكرية التي لا تهدف إلى حماية أمن الإسرائيليين، وإنما إلى إلحاق الإهانات اليومية بالفلسطينيين، لإذلالهم وكسر معنوياتهم والحط من كرامتهم الوطنية، ولقمع تطلعاتهم المشروعة نحو الحرية والاستقلال.
إن من حق الفلسطينيين أن يحموا ذاكرتهم من النسيان، ومن محاولات المحو والتذويب أو التزوير والتشويه. من حقهم أن يقدموا روايتهم الكاملة عن تفاصيل الصراع وعما وقع من مجازر وعمليات قتل وإبادة، ومن حقهم أن يقدموا روايتهم عن علاقتهم التاريخية بهذه البلاد، لأن الظلم التاريخي الذي لحق وما زال يلحق بهم، لا يتم حله حلاً صحيحاً عن طريق إملاء المواقف وتلفيق الحلول وفقاً لميزان القوى المختل لصالح المحتلين الممسكين بزمام القوة.
إن الحل الصحيح هو الذي يعترف بالمسؤولية عن الظلم الفادح الذي لحق بالشعب الفلسطيني، وبضرورة التوصل إلى الحل الوسط المتوازن، والمصالحة التاريخية بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، على أساس من العدل والاحترام المتبادل والعيش المشترك والنظر إلى المستقبل من منظور أن السلام العادل وليس إجراءات الأمن وبناء الجدران وتكديس أسلحة الدمار، هو الذي يحقق الأمن للجميع، ويوفر لهم فرص الازدهار والطمأنينة والرخاء.
ولعل من أبرز مفارقات هذا الصراع، أن يجري تحميل الضحية كامل المسؤولية عما تتعرض له بلادنا من قتل وبلاء. ويبدو المنطق القاصر متمثلاً في مطلب المحتلين بضرورة تسليم الفلسطينيين بالاحتلال وبما يفرضه من اشتراطات، ومن ثم فسوف يوقفون القتل والاغتيال والعسف والاضطهاد. تلك مقولة مقلوبة لا تستقيم في الحاضر مثلما لم تستقم في الماضي مع شعوب أخرى ابتليت بالاحتلال، وكان من الطبيعي ألا تقبل به، بل قاومته حتى تحررت من وطأته.
إن تعنت حكام إسرائيل تجاه المفاوضات الراهنة التي تجري مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وتحويلها إلى مجرد مسرحية هزلية، وتساوق الإدارة الأمريكية مع المنطق الإسرائيلي الرسمي الذي كانت ذروته الأقبح زيارة بوش الأخيرة إلى إسرائيل وخطابه الممجوج في الكنيست، إن هذا كله، لن يقود إلا إلى مزيد من المعاناة ليس فقط للشعب الفلسطيني وإنما كذلك للشعب الإسرائيلي، الذي يدفع هو الآخر ثمن تطرف حكامه وتعنتهم. بل إن هذا التطرف الإسرائيلي هو الذي يشجع في شكل مباشر وغير مباشر على ظهور نزعات التطرف لدى الضحية، حيث يسهم تطرف الضحية وما يرافقه من أساليب عمل خاطئة ضد المدنيين، في تملص حكام إسرائيل من استحقاقات السلام، ووضع المسؤولية عن ذلك على عاتق الضحية نفسها، وهو يشجع كذلك على إنعاش الاتجاهات الشعبوية التي تعتمد التهييج العاطفي والمبالغات ونثر الشعارات ذات اليمين وذات الشمال، لسد الطريق على السياسات الواقعية العقلانية التي ترفض التطرف، وترفض في الوقت نفسه التفريط في المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني باسم واقعية ليست من الواقعية في شيء، وذلك استجابة للضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
ولمزيد من التملص من استحقاقات السلام هذه، فإن حكام إسرائيل يسعون جاهدين إلى إضعاف المعتدلين الفلسطينيين، لكي يظهروهم أمام شعبهم بمظهر العاجزين عن تحقيق أي إنجاز فعلي ملموس جراء اعتدالهم، وبحثهم عن حلول سياسية ممكنة للصراع.
أمام استشراء سياسات التطرف في إسرائيل، وأمام النزعات الشعبوية التي تروج لها في الساحة الفلسطينية وعلى الصعيد العربي بعض الأوساط، وتغذيها أجهزة إعلام وفضائيات، فإن قوى السلام في هذه المنطقة من العالم، مدعوة إلى مواصلة النهج المجرب في اتباع أساليب العمل ذات الطبيعة العقلانية الواقعية، التي تحترم خبرات الشعب ومشاركته في النضال الجماهيري اليومي، من أجل إنهاء سياسة التمييز القومي ضد الجماهير العربية في إسرائيل، ومن أجل دحر الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني في الشتات وفي القدس والضفة الغربية وقطاع غزة من حقه في العودة والحرية وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
وضمن هذا السياق، تستحق قوى السلام اليهودية في إسرائيل وفي التجمعات اليهودية في الخارج، التنويه بمواقفها الجديرة بالتقدير والاحترام، حيث يتزايد سنة بعد سنة عدد المفكرين والمؤرخين ورجال السياسة اليهود في إسرائيل وفي الخارج، الذين يقرون بأن ما جرى في العام 1948 ضد الشعب الفلسطيني إنما هو تطهير عرقي سافر، وحيث تمتنع شخصيات يهودية في مواقع عديدة عن الاحتفال بالذكرى الستين لإقامة إسرائيل، لأن هذه الذكرى من وجهة نظر هذه الشخصيات، تنطوي على ظلم تاريخي لحق بالفلسطينيين.
إن استمرار تجاهل معاناة الشعب الفلسطيني، ومحاولات طمس ما تعرض له من مذابح وتشريد في العام 1948 ، وإن نفاق بعض الدول الأوروبية، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية، واحتفاءها بالذكرى الستين لإقامة إسرائيل دون التفات إلى مأساة الشعب الفلسطيني، ودون اتخاذ مواقف حازمة ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي وقع في العام 1967، إنما يفاقم معاناة الفلسطينيين ويطيل أمد الصراع، ما يتطلب تحشيد قوى السلام الفلسطينية والإسرائيلية والعربية وكل قوى السلام في العالم، لمواصلة النضال من أجل وقف العدوان الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، ولإحلال السلام العادل والدائم في هذه المنطقة التي عانت كثيراً من ويلات الحرب والعدوان.
* من وحي كلمة ألقيتها في ندوة في مدينة حيفا بمناسبة الذكرى الستين للنكبة.
21 / 5 / 2008

Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME