سأكون مساء هذا اليوم الأربعاء في حيفا، لإلقاء كلمة في مناسبة الذكرى الستين للنكبة الفلسطينية.

سأذهب إلى هناك، وسأعطي لنفسي فرصة للتأمل، فيما السيارة تقطع المسافة بين القدس وحيفا. سأرى عبر السهول المترامية وعلى التلال، قرى فلسطينية نجت من التدمير، وسأتذكر قرى أخرى كثيرة طالها التدمير. سيعيدني المشهد إلى كتاب إيلان بابيه عن التطهير العرقي الذي تعرض له الفلسطينيون في العام 1948 . سأشعر بشيء من العزاء لأن مؤرخاً إسرائيلياً يعترف جهاراً نهاراً، بأن الفلسطينيين لم يغادروا بلادهم بمحض اختيارهم، كما تزعم الدعاية الصهيونية، وبأن مذابح جماعية تعرض لها الفلسطينيون، على أيدي القوات اليهودية المسلحة عن سابق قصد وتصميم، وفقاً للخطة "دالت" التي رسمها ضباط صهاينة، تحت إشراف قائد الحركة الصهيونية آنذاك دافيد بن غوريون.
وستقفز إلى ذهني صورة "سعيد س" بطل رواية غسان كنفاني الذي حينما وصل "إلى مشارف حيفا، قادماً إليها بسيارته عن طريق القدس، أحس أن شيئاً ربط لسانه، فالتزم الصمت، وشعر بالأسى يتسلقه من الداخل، وللحظة واحدة راودته فكرة أن يرجع". كان بطل غسان يزور حيفا بعد عشرين سنة من مغادرتها في العام 1948 ، وسأتذكر أنني أنا أيضاً زرتها بعد عشرين سنة من ذلك العام، عام النكبة.
زرتها، ولم أكن أعرف عنها سوى معلومات قرأتها في الكتب، وصورة لها كانت معلقة على الحائط في مدرستي أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، وتحت الصورة كلمات: "حيفا.. عروس البحر تناديكم". كنت في تلك السنوات أشعر بالأسى للمصير المفجع الذي تعرضت له حيفا ومدن وقرى فلسطينية أخرى، وكنت أتوقع أن ثمة من يقرأ الكلمات المكتوبة تحت الصورة المنتشرة في أمكنة كثيرة، وأن ثمة من سيلبي النداء لأن حيفا كانت تنادي الجميع.
وكما يبدو من سياق الأحداث المرة التي تتالت على الفلسطينيين وقضيتهم، فإن النداء المتكرر لم يصل إلا على نحو محدود، ولن أرى حيفا للمرة الأولى في حياتي إلا بعد هزيمة حزيران 1967 ، ذهبت إليها وانبهرت بجمالها وبجمال الكرمل المطل على البحر ببهاء منقطع النظير، ثم تتالت زياراتي للمدينة، مرة لزيارة مكاتب صحيفة "الاتحاد" التي كان وما زال لي شرف الكتابة فيها، وأخرى لإلقاء كلمة في الذكرى العاشرة لرحيل إميل توما، وثالثة لزيارة قبر إميل حبيبي قبل التوجه إلى الناصرة لإلقاء كلمة في الذكرى الأولى لرحيله، وهو الذي أوصى بأن يدفن في المدينة، وبأن تُكتب على قبره الجملة الدالة التالية: "باقٍ في حيفا".
سأذهب إليها وأنا أرى الفرق بين "عائد إلى حيفا" حيث حيرة بطلها وبحثه عن جواب لما وقع، وهو ما قصده غسان لإدانة نزعة التواكل لدى قطاع من الفلسطينيين، وبين "باقٍ في حيفا" حيث الجواب الصريح الذي أربك وما زال يربك حكام إسرائيل وكل المتطرفين فيها، الذين ينادون بدولة نقية لليهود، (ما ينذر بتطهير عرقي جديد للفلسطينيين في حيفا ويافا والنقب والمثلث والناصرة والجليل) ويمارسون من أجل ذلك تعتيماً متعدد الأشكال على الرواية الفلسطينية عن علاقة الفلسطينيين بأرضهم، وعما وقع لهم في العام 1948 وقبله وبعده على أيدي الصهيونيين، ما يتطلب منا ومن أصدقائنا في العالم بذل جهود مضاعفة على نحو منهجي، لتقديم الرواية الفلسطينية بكل ما تشتمل عليه من تفاصيل على أوسع نطاق، ولإبقاء الذاكرة الفلسطينية حية غير قابلة للتشويه والطمس أو للمحو والإلغاء.
سأذهب إلى حيفا، وسأتذكر انطلاقاً مما قرأته عنها، وللرد على الأكاذيب التي ادعت أن فلسطين قبل الهجرة الصهيونية إليها، كانت أرضاً قاحلة بلا شعب، أن ثماني عشرة صحيفة فلسطينية ظهرت فيها وحدها في الفترة ما بين 1908 إلى 1946 . كان من بين هذه الصحف صحيفة "الكرمل" التي ظهرت في العام 1908 ، لصاحبها نجيب نصار، وهي التي ورثت مجلة "الكرمل" اسمها برئاسة محمود درويش، فأضافت وأضاف محمود الكثير إلى المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي المعاصر.
وكان من بين هذه الصحف كذلك، صحيفة "الاتحاد" التي أسسها في العام 1944 إميل توما وإميل حبيبي، وظلت مواظبة على الصدور حتى الآن، ما جعلها منبراً بالغ الأهمية وله دوره البارز في حماية الثقافة الوطنية الفلسطينية بعد النكبة مباشرة، وما جعلها في الوقت نفسه، الحاضنة التي تألقت على صفحاتها مواهب شعراء وقاصين وروائيين فلسطينيين، هم ونتاجاتهم الإبداعية الآن ملء السمع والبصر.
سأذهب إلى حيفا لأكون قريباً لبضع ساعات، من بحرها وبرها وجبلها وسهلها، ومن أهلها الفلسطينيين الذين ظلوا منزرعين فيها رغم التمييز القومي والاضطهاد، ولأكون قريباً من تراث ثقافي حافل لم ينقطع رغم الصعوبات.
جريدة الاتحاد/ حيفا
الأربعاء 14 / 5 / 2008

Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME