نحتفل بالذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاد غسان كنفاني، هنا فوق أرض الوطن. ونتذكر أن الأيدي الإسرائيلية التي امتدت لكي تغتال الكلمة الحرة المقاتلة، ما زالت ماضية في معركتها ضد الثقافة الوطنية الفلسطينية، بوسائل أخرى غير الاغتيال الجسدي السافر، الذي يجسد البربرية في أجلى صورها ومعانيها، وذلك تبعاً لتبدل الأحوال، ونزولاً عند لزوم ما يلزم لإدارة الصراع في ظروف غير الظروف التي كانت قبل خمس وعشرين سنة.

مثلاً، ثمة حاجة ملحة من وجهة النظر الإسرائيلية لمثقفين بلا ذاكرة، ولأجيال فلسطينية وعربية جديدة بلا ذاكرة، بحيث تقيد الجرائم الصهيونية الباهظة التي ارتكبت ضدنا على امتداد العقود الثمانية الماضية ضد مجهول. بل لماذا تقيد أصلاً! ما دام المطلوب الآن التهيؤ للدخول في عصر "جديد" تتسيد فيه إسرائيل بالتناغم مع الولايات المتحدة الأمريكية، على كل مقدرات المنطقة للاستمرار في نهب ثرواتها القومية، ولمسخ ثقافتها الوطنية بامتداداتها العربية والإسلامية، وبأفاقها الإنسانية التقدمية، واستبدالها بثقافة استهلاكية زائفة، يمكن تسميتها، للمزيد من التعمية، بعد تطعيمها بالمقولات الإسرائيلية المتهافتة حول آفاق حل الصراع في المنطقة: ثقافة السلام! أليس مثل هذا الأمر شبيهاً بالقتل والاغتيال!
إزاء ذلك، نأخذ الدرس الأكثر بلاغة من غسان كنفاني. ففي حين كان يراد للقضية الفلسطينية أن تندثر في ملفات النسيان، فقد أخذ غسان على عاتقه مهمة التنديد بالمنفى، الذي أراده المسؤولون عن خلق المأساة بديلاً للوطن، وراح يحرض في وقت مبكر على دق جدران الخزان، مبشراً بيقظة وطنية فلسطينية تتأبى على كل احتواء من أي نوع كان.
وعلى صعيد الإبداع الروائي بالذات، فقد كان غسان كنفاني، كما قال الناقد الفلسطيني يوسف اليوسف: "أول كاتب عربي استطاع أن ينقل الكارثة الفلسطينية إلى حيز الرواية التي يتحقق لها تكامل الشروط الفنية، وفي أنه كان أول من قدم فهماً تطبيقياً عميقاً للتراجيديا".
حينما يتزايد الكلام المشبوه عن ثقافة السلام، وتتأكد في الوقت نفسه المخاطر على قضيتنا الوطنية بسبب الأطماع الإسرائيلية التوسعية، يصيح من الضروري التوقف عن الإتكاء الخارجي على القضية لكتابة النص، ويصبح من واجبنا، نحن الكتاب، تجاه الوطن من جهة ومتطلبات الفن الإنساني الصادق من جهة أخرى، نقل القضية الفلسطينيتة كما فعل غسان كنفاني من خلال الكتابة الإبداعية، إلى آفاق جديدة، لرصد ما فيها من زخم إنساني، ولتعرية عدوانية الآخر المنافية لأبسط القيم الإنسانية، وللتهيئة لسلام حقيقي قائم على العدل.
وسلام على غسان في الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاده.
مجلة دفاتر ثقافية/ العدد 11 تموز 1997
رام الله
تاريخ الإدراج: 18 / 7 / 2008

Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME