بدأ كتابة القصة القصيرة مطلع الستينات وكان واحداً من مجموعة كتاب قدمتهم مجلة ''الأفق الجديد'' المقدسية، انقطع عن الكتابة في الفترة التي قامت فيها الدولة الصهيونية بنفيه خارج الوطن، وعاد في الثمانينات بكتابة القصة القصيرة جداً وأصدر عدداً من المجموعات في هذا الإطار، وحين عاد إلى مدينته ''القدس'' مع العائدين بموجب اتفاق أوسلو خصص للمدينة الكثير من قصصه وكتاباته النثرية، وتجاوزت كتبه العشرين ما بين قصة وروايات قصيرة للفتيان، وصدرت له مؤخراً مجموعة ''احتمالات طفيفة''، وحول هذه المجموعة وتجربته عموماً كان هذا الحوار:

بداية نفتح معك ملف القصة القصيرة جداً التي خصصت لها عدداً من مجموعاتك، ولنبدأ بتعريفك المحدد لها، وسبب اختيارك هذا اللون الأدبي لتكرس له ما كرست؟ وكيف تنظر اليوم إلى ما أنجز عربياً على هذا الصعيد، في ظل استسهال الكثيرين لكتابتها على الرغم من صعوبتها؟

؟؟ هذا ملف شائك، بسبب الفوضى واختلاط المفاهيم وكثرة الكتابات التي تدعي انتماءها إلى القصة القصيرة جداً. ولربما ساهمت كثرة المنتديات والمواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت في هذه الفوضى وفي اختلاط المفاهيم. التعريف هو آخر شيء أفكر فيه، لأن التعريفات عموماً تظل ناقصة، وكذلك فإن هذا اللون من الكتابة ما زال بحاجة إلى مزيد من التنظير النقدي وإلى تأمل أوفر في الفضاءات التي بوسعه أن يمتد نحوها. وقد يبدو في الحديث عن بعض خصائص هذا اللون من الكتابة ما يشير إلى نوع من أنواع التعريف. ولكن، دعني أنتقل إلى الحديث عن سبب اختياري لهذا اللون الأدبي. فقد نشرت حتى الآن أربع مجموعات قصصية تنتمي إلى لون القصة القصيرة جداً، وأخطط لإنجاز مجموعة قصصية خامسة. وسأذكر أن حقبة الثمانينات من القرن الماضي، كانت هي بداية اهتمامي بكتابة القصة القصيرة جداً. كانت تلك السنوات وما تلاها مربكة بسبب ما شهدته من انكسارات في المشهد الفلسطيني والعربي والعالمي. بدأت أشعر بتذمر من السرد الذي يصف المشهد بإسهاب، لأن المشهد نفسه مؤلم شديد السواد. بدأت أشعر أن إيقاع الزمن لم يعد هو الإيقاع السابق نفسه. ثمة حاجة لمشهد برقي سريع الإيقاع. وكنت آنذاك منفياً من أرض الوطن. كنت على وشك أن أدخل في مزيد من تفاصيل المنفى وما يعنيه من تشرد وتنقل في مدن عديدة عربية وأجنبية. كان المكان الأول الذي شكل أرضية قصصي الأولى والذي تلونت قصصي بألوانه، يبتعد وينأى، وكنت أشعر بأن ثمة مشاعر في داخلي وانطباعات عن العالم ورؤى، تتحفز لتتشكل على نحو جديد. كان ذلك بداية تعرفي إلى القصة القصيرة جداً.

أعترف في هذا الصدد بأن تأكيد بعض النقاد على ما في قصصي القصيرة جداً من حالات شعرية، هو تأكيد صحيح. ولمزيد من التوضيح أشير إلى أنني حينما أكتب قصة قصيرة جداً، فإنني أكتبها على الورق بالطريقة التي يكتب بها الشاعر قصيدته. هذه الطريقة تجنبني التكرار والحشو والاستطراد وتساعدني على التكثيف، ثم بعد ذلك، أعيد كتابتها على الكمبيوتر بالطريقة التي أكتب بها نصوصي النثرية.

انقطاع وعودة

؟ نسترجع معك تجربتك منذ ''خبز الآخرين'' وصولاً إلى ''احتمالات طفيفة''، فهناك نقلة كبيرة، تخلصت خلالها مما كان يعتري قصصك من الإيديولوجيا والكثير من الأوهام، كيف تبدو لك هذه المسيرة اليوم؟

؟؟ أنا أرى أن ثماني مجموعات قصصية موزعة على هذه الفترة الزمنية الطويلة، إنجاز غير كافٍ من الناحية الكمية. ربما كان لانقطاعي عن الكتابة الذي وقع بعد هزيمة حزيران بسنتين واستمر سبع سنوات، علاقة بذلك. ربما كان لانشغالي بالعمل السياسي المباشر ضد الاحتلال علاقة بذلك أيضاً. وربما كان لانعدام المنابر الثقافية في الأرض المحتلة بعد الهزيمة، ولفترة غير قصيرة نسبياً، علاقة بذلك. ثم يأتي انشغالي في العمل الصحافي وفي كتابة المسلسلات التلفزيونية الطويلة، لكي يلعب دوراً أكيداً في انصرافي عن كتابة القصة القصيرة فترات كانت تقصر أو تطول، ولم أكن قادراً على التحكم فيها على النحو الذي أريد.

وأعترف أنني واجهت مشكلة في كيفية التعبير عن نفسي إثر إبعادي القسري من داخل السجون الإسرائيلية إلى لبنان. وكانت قراءاتي المتنوعة في الأشهر الثمانية التي قضيتها في بيروت، وكذلك نبض الحياة الجديدة ووقائعها الصاخبة التي عايشتها عن قرب، تفعل فعلها في وجداني، وكانت قصة ''الوطن'' التي كتبتها آنذاك وظهرت في مجموعتي القصصية الثانية (الولد الفلسطيني)، تعتبر إيذاناً بانطلاقتي الجديدة في الكتابة. وأدعي أن حاجتي إلى تجديد أسلوبي في الكتابة بين الحين والآخر، راجعة في الأساس إلى أنني أصغي جيداً إلى إيقاع الحياة التي أحياها، وأقوم باختزان هذا الإيقاع وبتحويله فيما بعد إلى مادة كتابية لا تلبث أن تجد تعبيرها الملائم.

وأعترف أن رحلتي مع الكتابة كانت تعني لي التعبير بمختلف الأشكال عن قناعاتي السياسية والفكرية. وحينما كنت أستسلم لعفوية الفنان في داخلي كانت كتابتي تتقن التعامل إلى حد ما مع المقدار الضروري من الإيديولوجيا الذي يحتمله النص الأدبي، فلا يفسد ولا يبدو نافراً أو منفراً. وحينما كنت أستسلم لغواية الفكر المسبق، كانت كتابتي تخلي جدارتها الفنية لكي تتسيد عليها لحظة الإيديولوجيا الطاغية على النص، فتحيله إلى مادة فكرية ليس لها سوى حظ قليل من التميز الفني، وهو الأمر الذي تنبهت له في السنوات القليلة الماضية، وعملت وما زلت أعمل جاهداً للانتباه إليه، معطياً الأولوية للمنطق الداخلي الذي يتطلبه العمل الفني لكي يكون عملاً فنياً ناجحاً.

شخصيات فطرية

؟ في مجموعتك ''احتمالات طفيفة'' قمت باستحضار شخصيات من بطون الكتب. استحضرت الفارس ''دون كيخوته'' الذي خلقه ثيربانتس، والجندي الطيب ''شفيك'' الذي خلقه ياروسلاف هاتشيك، و''سعيد أبو النحس المتشائل'' الذي خلقه إميل حبيبي، ما الذي يميز هذه الشخصيات عن بعضها، وماذا ميز شخصياتك أنت؟

؟؟ هذه الشخصيات المستحضرة من بطون الكتب تتماهى مع بعضها بعضاً في أمور مشتركة، منها أنها شخصيات إشكالية غير متصالحة مع زمانها، حتى لو تظاهرت بأنها متصالحة مع هذا الزمان. وهي شخصيات تنطوي على بداهة ومشاعر فطرية وقليل أو كثير من الغفلة التي تنبئ عن مكر أو عن بله. وهي في الوقت نفسه تحارب الظلم وتسخر منه وتزدريه بالطرائق التي تراها مناسبة لها أو متناسبة مع قدراتها ومع زمانها. وما يميز هذه الشخصيات عن بعضها بعضاً، هو أن كل واحدة منها تعتبر ابنة زمانها ومكانها، ولها سماتها الشخصية التي جعلتها وما زالت تجعلها شخصيات متفردة مدهشة في عالم الأدب، وكل منها يجسد تعبيراً بالغ الروعة عن اللحظة الحضارية التي انطلقت منها وجاءت ممثلة لها أو شاهدة عليها أو فاضحة لها أو متناقضة معها. دون كيخوته يريد أن يحيي تقاليد الفروسية في زمن تمّ فيه تجاوز الفروسية وتقاليدها، ويذهب من خلال تشبثه بهذه التقاليد إلى محاربة الظلم ونصرة المظلومين بوسائل قاصرة. والجندي شفيك يشارك في حرب (الحرب العالمية الأولى التي أقحم التشيك فيها خدمة لامبراطور النمسا) وهي ليست حربه وهو غير مقتنع بها من حيث الأساس، وسعيد أبو النحس المتشائل الذي قرر البقاء في وطنه فلسطين بعد النكبة الكبرى العام ،1948 يحاول أن يبوس اليد التي لا يستطيع أن يعضها، ليظفر على الرغم من كل هذه المهانة التي تجرعها وتجرعها شعبه، بميزة البقاء في الوطن.

في ''احتمالات طفيفة'' خلقت شخصية محورية اسمها ''سعيد''. إنه الفلسطيني الذي يعيش زمن الانتفاضة الثانية. وهو يحاول الجمع بين المتناقضات، التعايش مع الفكر التقليدي السلفي مرة، المنفتح على العالم مرة أخرى، الكاره للاحتلال في كل المرات، المغادر لوطنه بعض الوقت لقضاء أيام من المتعة بعيداً من الدم المراق، غير أن وطنه يلحق به هناك في المدن البعيدة، يلحق به على شكل كوابيس مرة، وعلى شكل وقائع تحدث كل يوم ولا تجعله قادراً على التناسي أو النسيان. وهو أثناء ذلك، يعيش بالتوازي أو بالتقاطع مع هذه الشخصيات المستحضرة من بطون الكتب، التي تحمل هموماً إنسانية لا تبتعد عن همومه، بل هي في صلب همومه، فكأن التاريخ يمتد في حلقات متصلة معبرة عن معاناة البشر، ومعبرة في الوقت نفسه عن رفض البشر للظلم وعن تمسكهم بالقيم الإنسانية النبيلة التي لولاها لكانت الحياة لا تطاق.

؟ قبل هذه المجموعة أصدرت ''شاكيرا'' و''كوندوليزا''، وكانتا مختلفتين عن بقية نتاجك، ما طبيعة الاختلاف من وجهة نظرك؟ وكيف يؤثر استخدام الخفة والسخرية السوداء في بناء القصة وموضوعها؟

؟؟ مثلت ''شاكيرا'' و ''كوندوليزا'' من وجهة نظري قفزة كبيرة في كتابتي للقصة القصيرة. في هاتين المجموعتين عدت إلى أسلوبي السردي الذي يمكن تسميته بالسهل الممتنع، وعدت إلى الاستفادة من الأجواء الشعبية، وكذلك الاستفادة جزئياً من اللهجة العامية المرتبطة بمكاني الأول، الذي عدت إليه بعد نفي قسري دام ثماني عشرة سنة. غير أنني لم أستقر في إطار الأسلوب القديم. ثمة قفزة كبيرة في الأسلوب، فيها استفادة من تقنيات الكتابة القصصية الحديثة، وفيها ذلك الميل الواضح إلى السخرية من المحتلين ومن الذات. لقد جاءت هذه السخرية نتاجاً طبيعياً لمعايشة الأوضاع المرة التي نحياها في ظل الاحتلال، حيث العسف والإذلال وتهديد الأرض وتعريضها للتهويد، ومحاولات تبديد الهوية الوطنية وتعريضها للتمزق والضياع من جهة، ومن جهة أخرى ثمة التخلف الذي نعاني منه وانهيار القيم، وتراجع العقلانية وانتشار النزعات العشائرية والعائلية المقيتة، ومن ثم تعريض مجتمعنا وحياتنا إلى مصير بائس لم نشهده من قبل.

عمل يومي

بعد هذه الرحلة إلى أين تتجه كتابتك؟ وماذا تعني لك الكتابة اليوم بعد تفرغك لها تقريباً؟

أصبحت الكتابة بعد تفرغي لها بمثابة الرئة التي أتنفس منها. هذا الكلام قلته قبل أشهر في الكلمة التي ألقيتها أثناء الحفل الذي أقامه بيت الشعر الفلسطيني لتكريم عدد من المبدعين كنت واحداً منهم. الكتابة الآن هي عملي اليومي وانشغالي الدائم، وهي مبرر حياتي وجوهر وجودي. ولا أظن أنني قادر على الفكاك منها إلا بالموت. أما إلى أين تتجه كتابتي؟ فأعتقد أنني سأواصل اهتمامي بالقصة القصيرة وبالقصة القصيرة جداً. سأعمل خلال السنة المقبلة على إنجاز مجموعتي الخامسة في القصة القصيرة جداً. ستكون مدينة القدس هي التي تتردد في ثنايا هذه المجموعة. ستكون القدس بماضيها بتراثها بشخصياتها التراثية والمعاصرة، هي التي تتردد في جنبات هذه القصص. وأثناء ذلك، وكلما سمح لي الوقت، سأعود إلى رواية ''فرس العائلة'' التي طال انتظارها في أدراجي، وسأحاول الانتهاء منها وإخراجها إلى حيز النشر. وسوف أعمل حينما أجد نفسي في بطالة كاملة واسترخاء تام، على مجموعة قصص قصيرة مغايرة لصورة شاكيرا ولابنة خالتي كوندوليزا.
جريدة الاتحاد/ الإمارات العربية المتحدة
الخميس 3 / 4 / 2008

Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME