صالح سويسي/ تونس: سعداء بتجدد اللقاء في ركن "حوار" حيث نستضيف هذه المرة ضيفا كبيرا وعضوا بارزا في منتدى من المحيط للخليج.
ضيفنا اليوم هو المبدع الفلسطيني محمود شقير و الذي يعتبر أحد رواد القصة القصيرة عربيا ، لن أضيف أكثر و سأترك لضيفنا فسحة ليحيلنا إلى بداياته و ليشركنا في ذكرياته ...



لنبدأ من حديث الذكريات ، كيف كانت البداية ؟ كيف كانت بداية علاقتك بالحرف ؟ أقصد طبعا أن ننبش معا تفاصيل حميمة عن ذكرايات كثيرة....

محمود شقير: تحياتي وكل الشكر لك.

بدأت الكتابة ولي من العمر ثماني عشرة سنة. كان ذلك في العام 1959 ، حينما ابتدأت العمل مدرساً في إحدى قرى الريف الفلسطيني. كنت أمضي الوقت بعد الدوام في قراءة الكتب وفي الكتابة. حاولت أن أكتب مقالات أنعى فيها على أمتنا تنكبها طريق الأخلاق القويمة. وبالمناسبة، يبدو لي أن هذا الموضوع/ أقصد موضوع الأخلاق القويمة/ يشكل مادة خصبة لكل مراهق يدخل عالم الكتابة. وقد كتبت سلسلة مقالات تحت عنوان ثابت: أخلاقنا تحتضر. وبالطبع فقد كنت أعتقد أن مقالاتي هذه سوف تنقذ الأمة من تدهورها الأخلاقي. إنه غرور كل مبتدئ. وقد أرسلت عدداً من هذه المقالات إلى صحيفة يومية تصدر في القدس. لكن الصحيفة لم تنشر المقالات. ربما لأنها مغرقة في الوعظ والإرشاد كما هي كل البدايات السطحية. بعد ذلك، حاولت كتابة قصص قصيرة. كتبت قصصاً أقلد فيها بعض الكتاب الذين كنت أقرأ لهم. آنذاك كنت أقرأ محمد عبد الحليم عبد الله، أمين يوسف غراب. وكنت في زمن سابق قرأت لمصطفى لطفي المنفلوطي وتأثرت به. ثم أخذت أقرأ في مرحلة لاحقة لنجيب محفوظ ويوسف إدريس، علاوة على قراءتي لبعض الكتاب الأجانب: تشيخوف. هيمنغواي، وشتاينبك. كتبت سبعاً وعشرين قصة قصيرة ولم تنل واحدة منها فرصة للنشر. مع ذلك، كانت تلك القصص المخفقة هي طريقي إلى النجاح، لانني أثناء ممارستي للكتابة كنت أتعلم في كل مرة دروساً جديدة. وأعتقد جازماً أن ظهور مجلة "الأفق الجديد" في القدس العام 1961 التي كانت تعنى بالثقافة وبالأدب، كان هو المحفز الأساسي لي للاستمرار في الكتابة. أرسلت لهذه المجلة عدداً من قصصي ولم تنشرها المجلة لعدم بلوغها المستوى الفني المطلوب. اخيراً، نشرت لي المجلة قصة قصيرة في أحد أعدادها الصادرة العام 1962 . طرت من الفرح وأنا أرى اسمي مطبوعاً على إحدى صفحات المجلة مع قصتي. ومنذ ذلك التاريخ وأنا مواظب على الكتابة، وقد نشرت قصصاً ومقالات في صحف ومجلات عربية وأجنبية عديدة. كما أصدرت الكثير من الكتب، وما زلت منهمكاً في هذا الميدان التي أعتبره ميداني الرئيس في الحياة.

صالح سويسي: هل كان توجهك لكتابة القصة القصيرة عن اختيار بمعنى ما علاقتك بالأشكال الأخرى للكتابة ؟

محمود شقير: يبدو أن مجموعة من العوامل جعلتني أختار القصة القصيرة من بين كل الأجناس الأدبية الأخرى للتعبير عما يضطرم في نفسي من مشاعر. وعما يعتمل في المجتمع من قضايا. ولعل أبرز هذه العوامل مرتبط بظهور مجلة "الأفق الجديد". من جهة قرأت فيها قصصاً قصيرة لكتاب كثيرين، ومن هؤلاء، كتاب جدد يدخلون عالم الكتابة لأول مرة مع مولد هذه المجلة. لذلك صرت أكثر رغبة في كتابة قصص قصيرة ونشرها على صفحات المجلة مثلهم، ثم إن الحيز المتاح في المجلة يفرض متطلباته، وفي هذه الحالة تصبح القصة القصيرة هي الشكل الأنسب لذلك.
ثمة عامل آخر له علاقة باشتغالي في الريف الفلسطيني، بحيث انبهرت بالقرية الفلسطينية وأصبحت أكتب عنها بشغف، ولعل ذلك يظهر في مجموعتي القصصية الأولى "خبز الآخرين".
بعد ذلك، نشرت مقالات نقدية في مجلة "الأفق.."، لكنني لم أفكر إطلاقاً في كتابة الشعر لأنني كنت أتهيب الشعر ، وأنا أتهيبه حتى هذه اللحظة. أقرأ الشعر وأستمتع به لكنني أتهيب نقد الشعر أو الكتابة عنه.
بخصوص الرواية، خطر ببالي وأنا في مطلع الشباب أن أكتب رواية، وقد كتبت بالفعل بضع صفحات ثم توقفت عن ذلك، لقناعتي بأن كتابة الرواية تحتاج إلى تجربة حياتية واسعة وإلى ثقافة راسخة. لذلك، أصبحت معروفاً باعتباري كاتباً قصصياً، لأن أكثر انتاجي الذي ظهر في كتبي الخمسة والعشرين هو قصص للكبار وقصص للأطفال.

حسن الراعي/ كاتب سوري/ غيمة عابرة: سعيد جدا بهذا الحوار مع المبدع الجميل محمود شقير

وساركز في سؤالي على القصة القصيرة جدا والتي يكتبها الأديب محمود شقير بروعة مدهشة

حدثنا عن تجربتك في هذا المجال .. كيف ولماذا ولجت عالم ( ق . ق . جـ ) وما هو التحدي الذي

تنتظره منها .. وما هو المشهد الراهن برأيك لهذا الفن الحديث نسبيا ..

محمود شقير: كل الشكر لك على هذا السؤال المهم، وهو سؤال مركب في الوقت نفسه يطال عدداً من القضايا.

* ابتدأت كتابة القصة القصيرة جداً أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، ونشرت آنذاك مجموعتي القصصية "طقوس للمرأة الشقية" التي حظيت في حينه برواج كبير نسبياً. كنت في تلك السنوات أعيش في المنفى بعد أن أبعدتني سلطات الاحتلال الإسرائيلي من الوطن، محروماً من المكان الأول الذي ولدت وترعرعت فيه واستمددت منه قصصي القصيرة، وكنت أشعر بأن لا رغبة لدي للاستمرار في كتابة القصة القصيرة، ربما لإحساسي أن الإيقاع السريع لعصرنا يتطلب كتابة مكثفة قادرة على الوصول إلى المتلقي بأقصر الطرق.
ربما كانت كتابتي لستة مسلسلات تلفزيونية طويلة منذ آواخر السبعينيات حتى أواسط الثمانينيات قد استنزفت قدرتي على الكتابة ذات الشريط اللغوي الطويل، فوجدت نفسي أكتب هذا اللون من القصص التي تعتمد التقشف في اللغة والتكثيف والشاعرية، والتي تعتمد على المفارقات وتنتهي عادة نهاية مدهشة أو صادمة للمتلقي. أعتقد أن القصة القصيرة جداً تشبه طلقة الصياد التي تنطلق إلى هدفها بسرعة خارقة وتصيب الهدف دون تردد. ولا أنكر أنني أحياناً لا أوفق في إصابة الهدف، وأعتقد أن كثيراً من القصص القصيرة جداً التي كتبها قاصون وقاصات خلال السنوات الثلاثين الماضية لم يصب الهدف، لأن ثمة خوفاً على القصة القصيرة جداً من انزلاقها إلى الخاطرة الوجدانية أو إلى قصيدة النثر (وإذا كانت قصيدة نثر جميلة فلم لا! إنما لا نعود قادرين على تصنيفها على أنها ق.ق. ج.). للقصة القصيرة جداً شرط أساسي (مع جملة شروط أخرى) وهو أن يكون فيها شريط إخباري ولو مختصر جداً، بحيث نعثر على مادة خبرية يطورها القاص إلى نهاية تشكل في مجملها نقلة جديدة في مسار المادة الخبرية التي تشكل الحدث القصصي بطبيعة الحال.
وأعتقد أن أسوأ ما يتهدد القصة القصيرة جداً هو الاعتقاد بأنها فن سهل نستطيع مزاولته ببساطة ودون جهد يذكر. ثمة ضرورة لاختيار المفردات الدالة بدقة متناهية، وثمة ضرورة لأن تكون اللغة بسيطة شفافة، وكلما كانت اللغة حسية طالعة من حرارة التجربة كان ذلك أفضل للقصة القصيرة جداً.
أتفق معك في ما ذهبت إليه من أن القصة القصيرة جداً فن حديث نسبياً، وحتى الآن ثمة من يعتبرها من النقاد على أنها ملحقة بالقصة القصيرة، وعلى أنها تنويع على القصة القصيرة. وثمة نقاد لا يعترفون بها حتى الآن، وهي تواجه الجدل نفسه الذي يواجه قصيدة النثر. وثمة من يشيد بها من النقاد ويعتبرها تطويراً خلاقاً في الفن القصصي، ولا يعتبرها ملحقاً بالقصة القصيرة.
المشهد الراهن للقصة القصيرة جداً مطمئن، بالنظر إلى كثرة الإقبال على كتابتها، مع أن الكثير مما يكتب بحاجة إلى بلورة أفضل، لأن أخطر شيئ يواجه هذا اللون من الكتابة هو الوقوع في التشابه الذي يقود إلى الرتابة، وفي هذه الحالة لا بد من البحث الدائب عن أساليب جديدة لكتابة القصة القصيرة جداً، والاستمرار في التجريب القصصي بالاستفادة من الرصيد الذي كدسته القصة القصيرة جداً حتى الآن.

حسن الراعي: تحدثت في نهاية جوابك عن الرصيد الذي كدسته القصة القصيرة جدا

برأيك من هم أبرز الكتّاب الذين قدموا كمّا نوعيا لهذا الرصيد؟

محمود شقير: سؤالك هذا يعيدني إلى ما قلته في نهاية إجابتي السابقة حيث قلت: "المشهد الراهن للقصة القصيرة جداً مطمئن". وهنا أود التأكيد على ان الاطمئنان ليس لجهة تحقق المستوى الفني الرفيع، وإنما لجهة إثبات الوجود بسبب الانتشار الواسع وكثرة الكتاب والكاتبات. القصة القصيرة جداً أصبحت اليوم حقيقة مؤكدة على خريطة الإبداع العربي. أما عن سؤالك حول أبرز الكتاب الذين قدموا كماً نوعياً لرصيد القصة القصيرة جداً، فإن أول اسم يتبادر إلى ذهني هو زكريا تامر الذي كتب عدداً من القصص القصيرة جداً قبل سنوات عديدة. كذلك فإن جمال أبو حمدان كتب عدداً من القصص القصيرة جداً. ومن بعده كتبت بسمة النسور قصصاً قصيرة جداً ضمنتها مجموعتها القصصية "قبل الأوان بكثير" وكتبت بسمة فتحي قصصاً قصيرة جداً ضمنتها مجموعتها القصصية "شرشف أبيض" وأصدر كل من د. فاروق مواسي وتيسير محيسن مجموعة قصص قصيرة جداً. وكنت قرأت مخطوطة قصصية لأحلام بشارات فيها وعد بكاتبة لديها ما تقوله في هذا المضمار مع ضرورة الانتباه لبعض الهنات في هذه القصة أو تلك من قصص المخطوطة.
وأعتقد أن ثمة رواجاً للقصة القصيرة جداً في سوريا حيث يبدو الاهتمام بهذا اللون من الكتابة بارزاً على نحو لافت للانتباه، حيث تقام هناك الندوات الدراسية لمتابعة هذا الفن الإبداعي، و قد قرأت قصصاً متميزة لوليد معماري وطلعت سقيرق وغيرهما. ثم إنني قرأت مجموعتين قصصتين لمحمود على السعيد، ورغم لغته الجميلة فإن قصصه كانت أقرب إلى الخواطر الوجدانية منها إلى القصص القصيرة جداً. كما قرأت مجموعة قصصية للكاتب العراقي محمود البياتي فيها قدر من التميز.
بقي أن أشير إلى أنني قرأت قصصاً قصيرة جداً لكاتبات ولكتاب كثيرين يصعب تعداد أسمائهم لكثرتهم، وكنت أعثر باستمرار على قصص مميزة لهم، وفي الوقت نفسه أعثر على قصص غير مميزة لهؤلاء الكتاب أنفسهم.
والرهان الآن يقوم على هذه النماذج الجيدة من القصص القصيرة جداً التي تشكل هذا الرصيد الذي تحدثت عنه وينبغي البناء عليه بمسؤولية واجتهاد.

مصطفى مراد/كاتب فلسطيني/ من المحيط إلى الخليج: ارحب بالاستاذ محمود شقير، المبدع الفلسطيني الكبير.
استغل جوابه هذا لاقول:
1. احد ابرز كتاب القصة القصيرة جدا في المنتدى هو عبد الرزاق جبران، وهناك اخرون طبعا ولن اسميهم حتى لا اقع فيخطأ اغفال احدهم. وهذه دعوة مني على العام بلاطلاع على بعض قصصه المتميزة.

2. موضوع القصة القصيرة شائك.. ولانه في بدايته يصيبه الان ما اصاب قصيدة النثر في بدايتها. يعني: يحاولها الجميع.. ويدعيها الجميع.. ولانه طويل فسوف اعود اليه لاحقا ببعض الملاحظات (كقارىء مشاكس).

3. ذكرت زكريا تامر، وهو رائد في هذا المجال، ولكن اعذرني، سأسألك سؤالا محرجا: ألا تحس بالملل بعد قراءة بضع قصص من مجموعة له؟ الا تحس انه يعيد كتابة نفس القصة كثيرا.. وكثيرا جدا؟!

محمود شقير: شكراً لك على هذه المداخلة حول كتاب المنتدى الذين يكتبون قصصاً قصيرة جداً. وأنا تعمدت ألا أذكر اسم أحد منهم لأن الاقتصار على ذكر بعض الأسماء دون أسماء أخرى يوقع في الحرج، ولأن رأيي في عدد منهم موجود هناك في المنتدى. وأنا أقر بوجود قصص قصيرة جداً متميزة على صفحات المنتدى. وقد أعود بعد وقت إلى كتابة دراسة مطولة عن القصة القصيرة جداً كما ظهرت في هذا المنتدى، وآنذاك لن يكون ثمة حرج من ذكر الأسماء ومن الإشادة بمن يستحقون الإشادة من كتاب القصة القصيرة جداً. وما دمت قد أشرت إلى هذه المسألة، فأنا أقر بأنني نسيت في إجابتي السابقة ذكر اسم كاتب أردني هو سعود قبيلات الذي أصدر مجموعتين فيهما قصص قصيرة جداً على قدر من التميز والابتكار.
أما بخصوص زكريا تامر فلا ينكر أحد دوره الريادي في كتابة القصة القصيرة ذات المنحى التعبيري. وهو أحد المجددين الكبار في مسيرة القصة القصيرة على النطاق العربي. أما بخصوص القصة القصيرة جداً فإنه لم يكتب سوى القليل من القصص، ثم لم يتابع هذا اللون من الكتابة الإبداعية. وأما بخصوص الملل الذي قد يصيب القارئ لدى قراءة بعض قصص زكريا تامر، فإن هذا الملل لم يحدث معي شخصياً، لكنني أشير إلى شيء واحد: زكريا تامر أبدع شكلاً قصصياً مبتكراً ومثيراً للتأمل، لكنه لم يستطع مع الزمن مغادرته إلى سواه، لقد ظل أسيراً لإبداعه الذي ظهر في الستينيات من القرن الماضي ولم يتجاوزه، ربما لأن الشكل القصصي الذي ابتدعه ما زال قابلاً للتداول حتى الآن.

أحلام بشارات/ فلسطين: مساء جميل لأستاذي الرائع محمود شقير؛
ليس في كتابة القصة وحسب، بل على المستوى الانساني أيضا، وهذا ما يقرّ به كل من يعرفه، لذا أحببت أن يعرف هذا من يقرأ قصصه ، أو هذا الحوار معه ، على صفحات المنتدى
سؤالي أستاذي؛ يعود بك الى بداية الحوار حين تحدثت عن فكرتك الأولى حول تلك المقالات ذات الطابع الأخلاقي؛ اذ ذاك كنت تعتقد بدور الأدب في التغيير على المستويين الانساني والعروبي؛
أريد أن أعرف كيف نظرت للأدب بعد أن اكتشفت خفوت ذلك الدور، وعما اذا كنت قد توافقت مع ذلك الاكتشاف أم لا ؛ وفي ضوء هذا كيف يبدو لك دور الأدب الآن ، بعد أن قطعت ذلك الشوط الطويل من الزمن والكتابة؛ فما ألاحظه هو أننا أصبحنا في زمن اللاممنوع الى حد ما، وكأن الكلام فقد سطوته، ما جعل كثيرين يميلون نحو الذاتية، وهي، الذاتية، أصبحت بمثابة الهنة التي قد تؤخذ على هذا الكاتب أو ذاك؛ فأين محمود شقير من هذا ؟
هو سؤال حول دور الأدب التغييري بعموم ، وما هو مطلوب من التزام في الأدب الفلسطيني على وجه الخصوص؟

محمود شقير: سؤالك يطرح مجموعة من القضايا المتشابكة. وأنا أعتقد أن ثمة ضرورة لإعادة النظر في الموقف من الأدب الملتزم، خصوصاً في ساحة الأدب الفلسطيني بالذات، وذلك لأن لدينا قضية وطنية ما زالت تنتظر الخلاص المشرف، ولأن لدينا عدواً محتلاً يتطلب حشد كل القدرات، ومنها قدرات المثقفين، وعلى الأخص قدرات المبدعين من شعراء وروائيين وقاصين. كنت في زمن سابق أفهم الالتزام في الأدب فهماً حرفياً ضيقاً، بمعنى أن على الكاتب أن يلتزم التعبير عن هموم الوطن وهموم الطبقات الكادحة، على نحو يعلي من شأن المضمون على حساب الشكل الفني.

كنت متأثراً بالأفكار التي طرحها كل من محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس في كتابهما "في الثقافة المصرية" الذي لم يفهم الواقعية الاشتراكية في معناها العميق والإنساني، وإنما في معناها الضيق الذي يحيلها إلى مجرد تعاليم مبسطة ينبغي الركون إليها لكي تصبح خلفية للعمل الادبي، وكان هذا يعني آنذاك: الإشادة بالطبقة العاملة وسائر الكادحين، ورسم شخصيات قصصية أو روائية قادرة على اجتراح المعجزات، وإنهاء القصة نهاية متفائلة. واتهام أي نص أدبي لا يخضع لهذه المعايير بأنه نص بورجوازي لا يخدم النضال من أجل غد أفضل.

ومن حسن الحظ أن محمود أمين العالم، بما عرف عنه من ثقافة واسعة ومن سعة أفق ومن بحث دائم عن الحقيقة قد طور نظرته إلى الواقعية الاشتراكية ولم يعد يحصرها في مجموعة مقولات ينبغي التقيد بها حرفياً.

وأنا بدوري لم أتوقف طويلاً عند الفهم الضيق لما ينبغي أن يكون عليه العمل الأدبي. ربما كانت مجموعتي القصصية الأولى "خيز الآخرين" ومجموعتي القصصية الثالثة "صمت النوافذ" تعبران بهذا الشكل أو ذاك في بعض قصصهما، عن موقف مسبق من النص القصصي وشخوصه، محكوم بنظرة إيديولوجية مسبقة، ما جعل حظ هذه القصص من النجاح والبقاء والتأثير في القراء محدوداً.

ذلك لأن للنص الأدبي منطقاً داخلياً ينبغي على المبدع أن يحترمه وأن يخضع له لكي يعطينا عملاً إبداعياً ناجحاً، غير مكبل بمواقف جاهزة مسبقة. وهنا يأتي دور الذات والذاتية. إن أي عمل أدبي لا يعبر أولاً وفي الأساس عن ذات مبدعه، فهو عمل لن يكون مشتملاً على قيم فنية عالية. من أبسط أسس الإبداع أن يتمثل المبدع العالم الخارجي ثم يدخل مادته التي ينوي الاشتغال عليها إلى مصهر الذات، حيث تتخمر هذه المادة في هذا المصهر، ثم تتلون بلون الذات الكاتبة ومن ثم تخرج مادة إبداعية جديدة، لا تتطابق بالضرورة مع المادة الخام التي انجبلت منها.

لذلك، لم أعد متحمساً للشعارات التي تبالغ في دور الأدب، وتفرد له دوراً تغييرياً مباشراً. الأدب هو في أبسط تعريف له: التعبير عن الضعف الإنساني. والأدب له دور في الحياة ولكنه لا يظهر مباشرة. الأدب قادر على ترقية الوجدان وصقل النفس البشرية. وهذا الدور لا يتحقق إلا ببطء وعبر تربية طويلة، وهو دور مشرف وكاف للأدب.

ضمن هذا المنظور، أنظر إلى أدب المقاومة. ولا أعتقد أن أدب المقاومة هو الذي يعلي فقط من شأن الكفاح المسلح. الاكتفاء بذلك إفقار للأدب وحصره في حيز ضيق جداً. إن كل أدب يرفض الظلم والخساسة والاستغلال، وإن كل أدب يرفع من قيمة الحب ومن قيمة الإنسان ويحض على حفظ الكرامة الإنسانية هو ادب مقاومة من وجهة نظري. يتفرع عن ذلك ضرورة التعامل مع المقاومين باعتبارهم بشراً لا ملائكة. فقد مرت فترات كان ينظر للفلسطيني المقاوم على أنه ملاك. ذلك أمر ضار بالفلسطيني لأنه يقدم له صورة زائفة. الفلسطيني إنسان مثل بقية البشر، له ضعفه وله قوته. ولذلك ينبغي التعامل معه من منظور أنه كائن بشري. بهذا يغتني الأدب الفلسطيني ويستطيع الانتشار والتأثير في قلوب وعقول ملايين البشر.

طبعاً، هناك عوامل كثيرة تحد من انتشار الأدب. علينا ألا نيأس أمام هذه العوامل، وعلينا أن نواصل الكتابة، لأننا سنجد من يقرأ نصوصنا، رغم كل عوامل التجهيل ونشر اليأس والإحباط في صفوف الناس.

صالح سويسي: هناك من عاب على مجموعتيك الأخيرتين أنهما أقلّ مستوى فنيّا طبعا مما سبق و نشرته
ما رأيك ؟

محمود شقير: في حدود ما أعلم، فإنني لا أتذكر أن ناقداً قال إن آخر مجموعتين قصصيتين لي هما أضعف من حيث المستوى الفني مما أصدرته سابقاً من مجموعات قصصية. طبعاً، من حق النقاد أن يقولوا رأيهم سواء أكان ذلك لجهة السلب أم لجهة الإيجاب، وأنا لا أضيق ذرعاً بذلك. وسأشير إلى أن مجموعتي الأخيرة "احتمالات طفيفة" حظيت بمقالات نقدية تشيد بها، وقوبلت في الوقت نفسه ببعض انتقادات سلبية من نقاد آخرين، ربما لما شابها من غموض إلى حد ما.

فقد بنيت هذه المجموعة على كتب ثلاثة شهيرة: دون كيخوته/ لثيربانتس، الجندي الطيب شفيك/ لياروسلاف هاشيك، والمتشائل/ لإميل حبيبي. وقمت باستحضار الأبطال الرئيسيين الثلاثة في هذه الروايات، ووضعهم على مسافة ما من الهم الفلسطيني، للوصول إلى نتيجة مؤداها أن هموم البشر متشابهة، وأن القضية الفلسطينية لها أبعاد وطنية وإنسانية تجعلها جديرة بالتعاطف معها على نطاق العالم أجمع. ربما جاء الغموض في المجموعة نابعاً من عدم ذكر أي شيئ في الهوامش عن الكتب الثلاثة والأبطال الثلاثة، وتركت الأمر للمتلقي لكي يعمل ذهنه في فهم إشارات النص الغامضة.

بخصوص المجموعة قبل الأخيرة، وهي "ابنة خالتي كوندوليزا" فلا أذكر أن أحداً كتب عنها أية ملاحظات سلبية. كل ما وصلني من مقالات نقدية حولها تركزت على إيجابيات هذه المجموعة التي هي امتداد بشكل أو بآخر لمجموعتي التي سبقتها "صورة شاكيرا" حيث قمت باستحضار شخصيات حية من عالمنا المعاصر مثل: كوندوليزا رايس، رامبو، رونالدو، مايكل جاكسون، نعومي كامبل الخ.. وأدخلت هذه الشخصيات إلى حي شعبي فلسطيني، و جعلت أهل الحي يتفاعلون معها سلباً وإيجاباً، بأسلوب سردي ساخر، ساخر من الاحتلال ومن بعض مظاهر سلوكنا المتخلف في الوقت نفسه.

النقاد الذين كتبوا عن قصصي الأخيرة أشاروا إلى قفزة جديدة في كتابتي القصصية، ولا أذكر أن أحداً أشار إلى هبوط في المستوى الفني لهذه القصص مقارنة مع قصصي السابقة.

صالح سويسي: أنا هنا أحاول أن أستفز من أحاوره حتى نبتعد قدر الممكن عن الحوارات العادية و المكررة
و قد قصدت في هذا السؤال تحديدا أن أبعث فيك نوعا من الإستغراب لكي نقف على ما كتب حول نصوصك الأخيرة

لذلك سأواصل في نفس السياق

كيف ترى تعامل النقد مع نصك بشكل عام ؟


2 / طبيعي جدا أن يتأثر النص بما حوله
سأسأل عن مدى حضور الهم الفلسطيني في كتاباتك ؟


محمود شقير: لا أعتقد أن لدي مشكلة مع النقد والنقاد. فثمة مقالات نقدية غير قليلة كتبها نقاد وأدباء معروفون حول كتبي. وأنا أدعي أنني أتقبل النقد الموجه لقصصي مهما كان سلبياً. ولا أكتمك أنني قبل أن أدفع بكتاب جديد لي إلى دار النشر لطباعته، فإنني أرسل مخطوطة هذا الكتاب إلى عدد من الأصدقاء الكتاب وغير الكتاب، لكي يقولوا رأيهم فيه، وأرجوهم أن يذكروا لي ما فيه من سلبيات قبل ذكرهم للإيجابيات.

أشعر بامتنان تجاه النقاد الذين يكتبون عن كتبي، وأكثر شيء يسرني المقالات التي يكتبها نقاد أو أدباء لا تربطني بهم علاقات شخصية، ولا أعرفهم شخصياً ولا يعرفونني. هذه المقالات تجعلني أشعر بأنها منزهة تماماً عما يمكن أن تتركه ظلال الصداقات من أثر على الكتابة النقدية، ذلك أنني أظل في خشية من أن أصدقائي الذين يكتبون عن كتبي، قد تأخذهم التزامات الصداقة إلى شيء من الترفق بي، أثناء الكتابة عن هذه الكتب.

وأما بخصوص سؤالك الثاني، فإن أكثر إنتاجي القصصي الذي ظهر حتى الآن مكرس للهم الفلسطيني وللقضية الفلسطينية. بالنظر إلى ما تشكله هذه القضية من تغلغل في نسيج حياتي اليومية، وفي نسيج الحياة اليومية لكل الشعب الفلسطيني بطبيعة الحال. غير أن المهم هو كيفية التعامل مع هذه القضية في الأدب. أعتقد أن مجرد الاتكاء على القضية لكتابة قصص أو قصائد أو روايات لا يكفي. إذ من الضروري أن تتوفر في العمل الأدبي شروط الإبداع، والعمل الأدبي الناجح يستمد شرعيته من قيمته الفنية، وليس من مجرد الاتكاء على القضية الوطنية. ولا بد من البحث باستمرار عن أساليب جديدة لإغناء الأدب الفلسطيني، ولضمان عدم وقوع هذا الأدب في النمطية والتكرار.

ولست أعتقد أن من واجب المبدع الفلسطيني أن يتخصص في موضوع واحد، هو القضية الفلسطينية، وما يتفرع عنها من عسف احتلالي وقمع وإذلال وتآمر على الهوية لطمسها وتبديدها، ومصادرة للأرض وتهويدها، وتهديد للمقدسات الخ.. الالتزام بالقضية مهم وضروري وهو يشكل جزءاً من واجب الإنسان تجاه وطنه وشعبه وتجاه نفسه أيضاً. غير أن للكاتب الفلسطيني كل الحق في أن يطرق أي موضوع يرغب في التعبير عنه، مثل الكتابة عن الحب وعن أية قضايا شخصية وإنسانية أخرى. لأن في ذلك إغناء للأدب الفلسطيني وليس إفقاراً له، وهو ليس تهرباً من الكتابة عن القضية، وإنما إقامة الدليل على أن الأدب الفلسطيني ذو نزعة إنسانية شاملة، وهو يتسع للتعبير عن أية قضية إنسانية، وفي ذلك شهادة على أن الشعب الفلسطيني شعب يستحق الحياة بجدارة، بالنظر إلى ما يقدمه أدب أبنائه المبدعين إلى الثقافة الإنسانية، من إسهامات إبداعية جديرة بالتقدير.

نانسي المومني/ الأردن: هل تستطيع تقييم حال القصة القصيرة في وطننا العربي؟ وهل كتابة القصة تطورت برأيك أم ما زالت مكانها؟

محمود شقير: سأبدأ من الجزء الأخير من سؤالك حول تطور القصة القصيرة. بالتأكيد، وقعت تطورات كبرى في مسيرة القصة القصيرة سواء أكان ذلك على الصعيد العربي أم على الصعيد العالمي. من يقرأ قصص زكريا تامر ومحمد زفزاف ومحمد خضير وابراهيم درغوثي وفؤاد التكرلي ويقارنها بقصص محمود تيمور ومحمود سيف الدين الإيراني التي كتبت قبل نصف قرن أو أكثر قليلاً، سيجد فرقاً كبيراً في طريقة بناء القصة وفي أسلوب السرد فيها وفي اللغة. ومن يقرأ قصص أنطون تشيخوف وجي دا موبسان وإدغار ألان بو، ويقارنها بقصص خورخي بورخيس وخوليو كورتاثار وياسوناري كواباتا، سيجد أيضاً فرقاً كبيراً في الأسلوب وفي الصياغة الفنية.

لقد انتقلت القصة القصيرة من الشكل الكلاسيكي المعروف إلى أشكال متنوعة، تعتمد السرد الحديث، وتستفيد في أحيان كثيرة من المشهدية السينمائية ومن التقطيع السينمائي. كما تحولت اللغة في القصة القصيرة من لغة خبرية تكتفي بنقل المعنى إلى لغة إيحائية محملة ببعض اللمحات الشعرية، واستخدمت الضمائر المختلفة في السرد، وتمت الاستفادة من منجزات علم النفس لاستبطان النفس البشرية عبر التداعي الحر. وتنوعت الكتابة القصصية من واقعية إلى تعبيرية إلى رمزية. ووصلت إلى نوع حديد من الكتابة يتمثل في كتابة القصة القصيرة جداً التي تشهد رواجاً في هذه الأيام.

بالنسبة لحال القصة القصيرة في وطننا العربي، فهي تشهد انتشاراً واسعاً، بسبب كثرة كتاب القصة القصيرة، وبسبب كثرة المواقع التي تتطلبها: الصحف اليومية والأسبوعية، المجلات الشهرية والفصلية، وكذلك المواقع الإلكترونية. وثمة كتاب قصة في الوطن العربي على قدر عال من الاقتدار والموهبة، ولديهم نصوص قصصية لها مستوى فني متقدم.

غير أن المعضلة التي تواجه القصة القصيرة تتمثل في تجاهل غالبية النقاد لها وانصرافهم عنها إلى الرواية. وكذلك تفضيل دور النشر للرواية على المجموعة القصصية. ربما كان القارئ ميالاً إلى قراءة رواية أكثر من ميله لقراءة مجموعة قصصية، لأن الرواية تأخذه إلى عالم واحد يتكامل بين دفتي كتاب، حيث يستطيع متابعة شخصيات الرواية بمتعة، ويستطيع التعرف إليها أكثر كلما أوغل في قراءة الرواية، فيما تأخذه المجموعة القصصية إلى عوالم صغيرة متعددة، بعدد القصص التي يقرأها، ويكون مضطراً إلى بناء علاقات مع الشخصيات في كل قصة على حدة، ما يتطلب انتباهاً أكثر وتركيزاً يتجدد مع كل قصة.

مع ذلك، أعتقد أن المجموعة القصصية الجيدة قادرة على جذب انتباه القراء، وهي قادرة في الوقت نفسه على تحويل العوالم الصغيرة المتعددة فيها إلى سبب للمتعة، ما دامت هذه المجموعة القصصية تمتح مادتها من مجتمع واحد أو من عالم واحد.

كذلك، فإن إيقاع عصرنا السريع، وتكاثر المنابر التي تتطلب القصة القصيرة بسبب الحيز القليل لها بالمقارنة مع الرواية، سيعطي للقصة القصيرة فرصاً أكيدة للبقاء وللتطور. إنما ينبغي على كتاب القصة القصيرة وعلى نقادها المخلصين، أن ينشطوا في سبيل فتح مزيد من آفاق التطور الفني أمامها، لكي تواصل الازدهار والدفاع عن حقها في الوجود.

عصام حجاج/ المغرب: سؤالي الأول يقتصر على حضور الرمزية في القصة القصيرة

هل يتطلب ذلك متلقيا خاصا حتى يستوعب أفق هذا الإنزياح ؟؟
وهل تؤمن بقول الشاعر:
كم غادر الشعراء من متردم ولرب تال بذّ شأو مقدم

وذلك في المجال السردي طبعا ؟

محمود شقير: أعتقد أن قراءة الأدب بشكل عام بحاجة إلى قارئ متمرس على القراءة، ولديه ذائقة جمالية تمكنه من تمييز الأدب الجيد من الأدب غير الجيد. هذه الذائقة لا تتكون في فراغ، بل هي نتاج تربية وتدريب وممارسة. تربية على القراءة تبدأ من المدرسة الابتدائية، وتدريب على القراءة يستمر طوال سنوات العمر، وممارسة للقراءة دون انقطاع.

وحينما يتعلق الأمر بالرمزية وعلاقتها بالمتلقي، فإن علينا أن نميز بين نوعين من الرمزية. تلك الرمزية الشفافة التي تظهر في ثنايا النص القصصي الواقعي، حيث يستخدم الكاتب رموزاً واضحة يسهل على المتلقي تفسيرها، كأن يستخدم كلمة "ثعلب" ليرمز إلى صديق غدار. أو حينما تتطرق القصة إلى امرأة يضطهدها الأغراب ترميزاً لفلسطين وما تعرضت له من اغتصاب، أو حينما ينهي الكاتب قصة تشتمل على مأساة، بولادة طفل يصرخ ليكون ذلك رمزاً للتجدد وللأمل وللمستقبل.

ولعل الترميز على هذه الشاكلة، أن يكون الأكثر تبسيطاً، مع العلم بأن ثمة أساليب متنوعة للترميز، تعتمد على التراث وعلى المخزون الثقافي للكاتب، وعلى براعة الكاتب نفسه في استخدام الرموز.

غير أن ثمة رمزية أكثر صعوبة نجدها لدى كاتب مثل زكريا تامر، حيث يكون التشكيل الفني لقصته كلها قائماً على المنحى التعبيري الرمزي، وحيث تكون القصة مليئة بالرموز التي تتطلب قارئاً قادراً على تتبع هذه الرموز وفك دلالاتها.

وللتمثيل على ذلك، أذكر بقصة زكريا تامر "أقبل اليوم السابع" حيث العنوان نفسه يحيلنا على قصة الخلق واستراحة الرب في اليوم السابع. ثم نجد رجلاً وامرأة يعتزلان الناس في غرفة لها باب واحد ونوافذ عديدة. والمرأة تريد طفلاً، يصنع لها الرجل من الطين طفلاً ترضعه من ثديها. ومنذ بداية القصة حتى نهايتها، ثمة غراب يتنقل هنا وهناك. والغراب رمز لشر ما سيقع. والرجل يغادر الغرفة إلى المدينة. وأهل المدينة كلهم من خشب. وثمة فتاة تحرض الرجل على قتل امرأة هي السبب في تحويل أهل المدينة إلى خشب. يذهب إليها ويقتلها، وإذا به يفاجأ بأنها الفتاة التي طلبت منه أن يقتل المرأة. وتعود الحياة إلى أهل المدينة، فلا ينتبه أحد منهم إلى الرجل الذي أعادهم إلى آدميتهم. والرجل يقتل نفسه في اليوم السابع، والغراب ينعب نعيباً خفيفاًُ ثم يهوي إلى أسفل.
ثمة رموز متلاحقة في القصة، وثمة إدانة لمجتمع متخشب تحكمه اللامبالاة وعدم التواصل ونكران الجميل، ما يجعل الحياة في مجتمع كهذا غير جديرة بأن يحياها الرجل/ بطل القصة، فيقدم على قتل نفسه. طبعاً، ثمة رؤية متشائمة، لكنه التشاؤم الذي يفضح السكون والرتابة.

بخصوص بيت الشعر الذي هو مطلع معلقة عنترة بن شداد العبسي:

هل غادر الشعراء من متردم / أم هل عرفت الدار بعد توهم

هل تقصد ما قصده عنترة من أن الشعراء لم يتركوا شيئاً إلا قالوه؟ هل تقصد تطبيقه على السرد القصصي؟ سأقول لك: إذا أخذنا كلام عنترة بحرفيته، أي أن الشعراء لم يتركوا شيئاً إلا قالوه، ولم يبقوا له شيئاً، فهو غير صحيح، لأن تجدد الحياة يفرض تجدد التعبير عنها شعراً ونثراً. وأما إذا أخذنا كلامه على اعتبار أنه مجرد توشية فنية دارجة في زمان الجاهلية، فعلينا ألا نلح في تتبع معنى هذا التوشية المكرسة لغاية فنية محددة.

أعتقد جازماً أن مجال السرد القصصي يتسع للكثير من التجارب الجديدة، وثمة فرص أكيدة لذلك.

عصام حجاج: البيت الذي ذكرته هو لعنترة بن شداد ولكن البيت الذي ذكرته انا هو للبارودي وهو بيت يعارضه :
كم غادر الشعراء من متردم ولرب تال بد شأو مقدم
ولكن على العموم فالمعنى قد وصل فلكل زمن تراكماته
ولكن السِؤال الذي يتبادر إلى ذهني ونحن نسمع عن موت الكاتب بعد كتابته للقصة مثلا وخاصة القصة القصيرة جدا حيث يفتح الباب للمتلقي
ألا يمكن أن يفتح باب الرمزية في نوعها التاني خاصة الباب على مصراعيه لكل من هب ودب الكتابة في القصة وإعمال العقل في استلهام رموز قد تبدو فلسفية ولكن صاحبها ليس فيلسوفا تماما مثل ما يحدث من جعجعة في مجال الشعر الحر فحينما تقل الحواجز يكثر المتطفلون ما رأيك سيدي ؟

محمود شقير: أعتذر عن جهلي، لأنني لم أكن أعرف أن للبارودي قصيدة يعارض فيها معلقة عنترة، فانصرف ذهني إلى مطلع المعلقة.

بخصوص كتابة القصة القصيرة جداً وتغليفها بالرموز المبهمة، فإن هذا أمر وارد. المشكلة في القصة القصيرة جداً أنها لم تجد انتباهاً كافياً من النقاد حتى الآن للتنظير لها ولوضع أسس فنية تنهض عليها. ثمة نقاد وكتاب اجتهدوا في وضع بعض الأسس، غير أنها ليست كافية.

وأعتقد أن أخطر شيء على القصة القصيرة جداً هو ذلك الاستسهال الذي يدفع أعداداً كبيرة من الكتاب ومن هواة الكتابة إلى امتطاء صهوتها، وكتابة نثر لا تتوفر فيه عناصر القصة القصيرة جداً، وقيام نقاد وكتاب آخرين بالتهليل لهذا النثر المكتوب، واعتباره نماذج جيدة للقصة القصيرة جداً.

حينئذ يختلط حابل الكتابة القصصية بنابلها، فلا يعود المتلقي العادي قادراً على تمييز الكتابة الجيدة من الكتابة غير الجيدة، ما يجعل الطريق إلى ازدهار القصة القصيرة جداً أكثر صعوبة، وما يجعل تكريسها والاعتراف النهائي بها مؤجلاً إلى إشعار آخر.

المسألة في هذه الحالة، تحتاج إلى جهود مكثفة من النقاد للقيام بعملية غربلة وتنظير نقدي كما أسلفت، كما تتطلب من كتاب القصة القصيرة جداً، المعترف لهم بالنجاح في هذا الفن الصعب، بذل المزيد من العطاء الإبداعي، الذي يمكن التأثر به والقياس عليه، مثلما تتطلب من الكتاب الجدد محاسبة أنفسهم بقسوة، للوصول بهذا الفن إلى مشارف جديدة.

وعلينا أخيراً ألا نخشى هذه الفوضى في الكتابة، فما ينفع الناس سيمكث في الأرض، ولو بعد حين.

عصام حجاج: جاء في أحد الأراء النقدية ما يلي :

" ومنهج ( ولسون ) منهج يمكن تطبيقه، على أية حال، في أثناء دراسة شقير، فلو وقفنا أمام قصص " خبز الآخرين " لوجدنا أنها تعكس ما انطبع في ذهن مؤلفها أيام عاش في القرية التي عانت من الفقر والتخلف والجهل، وكانت – أي القرية – تختلف عن المدينة. وليس هناك من شك في أن ثنائية القرية / المدينة ثنائيةٌ محوريةٌ في المجموعة المذكورة. وتعبر مجموعات الكاتب اللاحقة عن التطورات التي ألمت بالشعب الفلسطيني وبالكاتب أيضاً...."

إلى أي حد يمكن إسقاط هاته المقولة على كل كتابات الأستاذ محمود شقير ؟؟ وهل هي مقولة مجسدة فعلا؟؟
ولعل هذا يرجعنا الى بعض الإشكاليات ومنها علاقة الكاتب بإبداعه , إذا ما تحدثنا عن القصة القصيرة كشكل أدبي فني كيف تتأسس فنيتها وجماليتها من خلال مقاربتها بمختلف المناهج التي تدرس العمل الإبداعي في علاقته بذاته وفي علاقته بأشياء محيطة به ؟؟؟

ومن خلال هاته المقولة نفسها هل هناك مفارقة بين التوجه المنهجي في كتابات زكريا تامر وكتابات محمود شقير خاصة وأنك أشدت بالتوجه الفلسفي الحاضر في كتابات زكريا تامر ؟

محمود شقير: لا أريد أن أقوم بأي تنظير من أي نوع كان حول ثنائية القرية/ المدينة. سأتحدث انطلاقاً من تجربتي المعيشة.

في بداية شبابي، اشتغلت مدرساً في قرية نائية نسبياً من قرى الريف الفلسطيني، وقد انبهرت بجو تلك القرية وبطبيعة الحياة فيها، فكانت مجموعتي القصصية الأولى "خبز الآخرين" التي أشاد بعض النقاد بها، بالنظر إلى ما جاء فيها من تجسيد حي للقرية الفلسطينية.

في سنة 1975 قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باعتقالي لأسباب سياسية، ثم قامت بإبعادي من الوطن. عشت في المنفى ثماني عشرة سنة، وابتعدت بذلك عن البيئة الحية الملموسة التي كانت تتشكل فيها قصصي. آنذاك رحت أكتب قصصاً قصيرة جداً لا يتبدى فيها المكان إلا على نحو خاطف.

في سنة 1993 عدت من المنفى إلى الوطن. عدت إلى المكان الأول الذي شهد ولادة قصصي السردية الأولى. ومع عودتي إلى هذا المكان، عدت إلى كتابة قصص سردية تحس بالمكان فيها على نحو ملموس. ظهر هذا في مجموعتي القصصية "صورة شاكيرا" وفي مجموعتي القصصية التي تلتها "ابنة خالتي كوندوليزا". بالطبع، فإن أسلوب السرد في المجموعتين الأخيرتين، يختلف كثيراً عن أسلوب السرد في مجموعتي الأولى "خبز الآخرين" ، بالنظر إلى اغتناء تجربتي في الحياة وفي الكتابة، وبالنظر إلى التغيرات التي طرأت على المكان نفسه.

قصصي لها ارتباط أكيد بحياتي وبتجاربي الشخصية وبثقافتي، ولها ارتباط بما يتعرض له الشعب الفلسطيني من عسف ومن إنكار لحقه في الحياة الحرة الكريمة، مثلما لها ارتباط بالمكان الذي أعيش فيه، وهي تعكس بشكل أو بآخر همومي الشخصية، مثلما تعكس الهموم العامة لشعبي ولبني البشر على هذا النحو أو ذاك.

عصام حجاج: لكن ماهي أبرز تيمة اجتماعية تحفل بها إبداعات محمود شقير؟؟ وبصراحة ألا تشعر بأنك مقيد وأنت تسير بين ثنايا هذا المنهج؟؟
ثانيا: لك قصة قصيرة جدا بعنوان "الكلب" :

(الكلب لم يتوقع كل هذا الذي حدث. ظنّ في البداية أنه أمام زفة مثل كلّ الزفات التي رآها طوال سنوات، الرجال والنساء والأطفال احتشدوا في الساحة الكبيرة ثم ساروا إلى الأمام. لم يخطر بباله أنها مظاهرة، رأى الأعلام ترفرف فوق الرؤوس ، فما ظنّ إلا أنها تنويع جديد على أسلوب قديم. ارتفعت الأصوات بالهتافات، والكلب لم يميز شيئاً، بل إنه استثير للركض واللعب كما هي عادته في مثل هذه الحالات. لعب الكلب، تشمم أطراف الجمهرة الحاشدة، وانطلق يركض في كل مكان.

الجنود جاءوا في الساعة التالية. والكلب أدرك أن شيئاً ما واقع لا محالة، كشّر عن أنيابه وتصدى للجنود. الكلب لم يتوقع أنهم سيقتلون الولد بمثل هذه البساطة، فالولد هو حبيب الكلب يزوده بالخبز في ليالي الجوع.
الكلب لم يتوقع أنهم سيقتلون الولد. رآه يقذف الحجارة نحو الجنود، فازداد حماسة وأطلق النباح الغزير، حاولوا صدّه بأعقاب البنادق فلم يفلحوا في صدّه، غير أن الذي فاجأ الكلب هو صوت الرصاص، تلك معركة لم يخضها الكلب من قبل ولم يفكر أنه سيخوضها. أطلق الجنود الرصاص، فانطلق الكلب هارباً إلى حظيرة الدواب، هناك اختفى وهو منكمش على نفسه متوقعاً الخطر في كل حين.
الكلب لم يتوقع كل هذا. حينما غادر حظيرة الدواب بعد ساعات كان كل شيء قد انتهى. قتلوا الولد وجعلوا دمه يتناثر في الطرقات. الآن يسير الكلب في جنازة الولد، تفصله عدة أمتار عن آخر المشيعين، يسير خافضاً رأسه نحو الأسفل، طاوياً ذنبه بين رجليه، متمنياً لو أنه لم يُخلق بتاتاً، ولم توهب له الحياة.)


السؤال هو ما علاقة محمود شقير بالثرات ؟؟ وبابن المقفع خاصة ؟؟

محمود شقير: بعد مجموعتي القصصية الأولى "خبز الآخرين"، اعتبرني النقاد واحداً من كتاب الواقعية. بعضهم قال إنها واقعية تسجيلية، وبعضهم قال إنها واقعية نقدية، فيما ذهب آخرون إلى اعتبارها واقعية اشتراكية أو حديثة. وبغض النظر عن التفاصيل، فقد كنت معنياً بتصوير البؤس الواقع على الطبقات الفقيرة في المجتمع، وتوجيه النقد غير المباشر إلى القوى المستغلة التي تتسبب في هذا البؤس.

لاحقاً، ومع توسع تجربتي في الكتابة، واهتمامي بالكتابة عن الهم الفلسطيني وعن المعاناة الفلسطينية تحت الاحتلال، لم أعد مشدوداً بشكل حرفي لمفاهيم التناقض الطبقي وصراع الطبقات. صارت نظرتي للمجتمع وللحياة أشمل وأوسع، وصرت معنياً بتصوير شقاء الناس ومعاناتهم من منظور أوسع وبشكل أكثر رحابة. وقد لاحظت في معرض تقييمي لتجربتي في الكتابة، أن انشدادي إلى موقف إيديولوجي وإسقاطه بشكل مسبق على مادة الكتابة، إنما يقلل من القيمة الفنية لهذه الكتابة ولا يرفع من مستواها.

وأعتقد أن الواقعية باعتبارها مدرسة أدبية، قادرة على التطور باستمرار، وعلى إغناء مفاهيمها الأساسية بتفاصيل جديدة، وهي قادرة على الاستفادة من المدارس الأدبية الأخرى، واستعارة بعض منجزاتها، وتطويعها ضمن مسارها الفكري العام، وانا لا أتورع عن تطعيم كتابتي القصصية الواقعية ببعض منجزات المدارس الأدبية الأخرى.

بخصوص التراث، فأنا دائم الاطلاع على الكتب التراثية، ولا أشعر أنني قمت بواجبي تماماً في هذا المضمار الواسع. وأما بخصوص سؤالك عن علاقتي بابن المقفع، فقد استفدت من أسلوبه في كتابه "كليلة ودمنة" أثناء كتابتي لبعض قصصي، وبالذات في بعض القصص التي كتبتها للاطفال وللفتيات والفتيان.

عصام حجاج: سأعرج معك وبشكل بسيط على مسألة التطبيع في مجال القصة طبعا القصة العربية في علاقتها بالأجنبية؟؟؟
وعن الشخوص في هذا الميدان ماهي الحمولة التي تميزهم ؟؟؟
ثم سؤال حول الترجمة فهناك صعوبة تكتسي ترجمة الشعر أو الروايات الطويلة مثلا فهل هاته الترجمة ممكن أن تتخد طابعا بسيطا في مجال القصة القصيرة ؟

محمود شقير: أنت تعلم أننا نقرأ القصة القصيرة الأوروبية منذ مطلع القرن العشرين أو قبل ذلك بسنوات، ولقد تأثرت القصة القصيرة التي كتبها الأدباء العرب، بالقصة الأوروبية وكذلك بالقصة الروسية، وبالذات على يدي أنطون تشيخوف، تأثراً كبيراً.

ومما يؤسف له، أن اهتمام دور النشر وبعض الهيئات الثقافية العربية، منصرف هذه الأيام إلى ترجمة الرواية أكثر من غيرها من الأجناس الأدبية، علماً بأن ثمة تجارب قصصية أجنبية، بالذات في أمريكا اللاتينية، تستحق مزيداً من الترجمة والمتابعة والاهتمام.

وبشكل عام، فإن حجم الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية لا يزال محدوداً إذا ما قورن مع بلدان أخرى.

فقد أشار أحد تقارير التنمية التي تصدرها الأمم المتحدة، وهو يتحدث عن الفجوة المعرفية التي تفصل العرب عن العصر الحديث، بأن إسبانيا وهي من أفقر بلدان أوروبا، تترجم في سنة واحدة من اللغات الأجنبية إلى اللغة الإسبانية، عدداً من الكتب يساوي ما ترجمه العرب من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، منذ عصر المأمون حتى الآن.

عصام حجاج: أولا : تحدثت عن مشكل الترجمة في بعدها الكمي
ماذا عن الجانب الفني وخاصة إن لكل لغة خصوصياتها فحتى ما إذا تحدثنا عن الحمولة التي يعكسها مصطلح واحد في لغة ما فهو يختلف عن حمولته في لغات أخرى بل إن الترادف لا يوجد حتى في اللغة الواحدة ...طبعا هذا جانب بسيط من المشاكل التي تعتري الترجمة ناهيك مثلا إذا ما تحدثنا عن المواقف والتعبيرات والإستعارات ...فذلك يرتبط بثقافة شعوب ؟؟؟؟؟

ثانيا : وفي ظل هذا التصور كيف يجد الأستاذ ترجمة كترجمة المنفلوطي مثلا ؟؟؟
ثالثا :وفي إطار القصة القصيرة كيف يرى الأستاذ إنجاز فيلم سينمائي في دقيقة واحدة , ماهي اللغة التي ينبغي أن تسود هل لغة الكلام والحكي أم لغة الصورة ؟؟؟؟
رابعا : هل يمكن أن يكتب الأستاذ سيرته الذاتية مثلا في صفحة واحدة أم إن ذلك غير ممكن بالنسبة لهذا الجنس الأدبي (السيرة ) ؟

محمود شقير: بخصوص سؤالك عن الترجمة، فأنا لست خبيراً في الترجمة، والأولى أن يوجه هذا السؤال إلى المشتغلين في الترجمة. ثم إن في سؤالك جزءاً من الجواب. وإضافة إلى ما ذكرته أنت، فأعتقد أن ثمة مشكلات تثيرها الترجمة من لغة إلى أخرى، وهي موضع تداول بين المترجمين، خصوصاً مترجمي الشعر، الذين يطالبون بهامش أوسع في عدم التقيد بالترجمة الحرفية بسبب ما تتميز به لغة عن أخرى في أساليب التعبير.

وأما بخصوص المنفلوطي، فهو لم يكن يترجم من لغة أجنبية إلى اللغة العربية. كان أصدقاؤه يترجمون له بعض الكتب الأجنبية، ثم يقوم هو بالاشتغال على النص المعرب، يتصرف فيه ويصوغه بلغة جديدة قد تعطي المعنى المقصود ولكن ليس بالدقة المطلوبة، لأن المنفلوطي كان معنياً باللغة وبالإنشاء أكثر مما ينبغي.

وأنا أيضاً لست خبيراً في السينما، لكنني أعرف أن لغة السينما هي الصورة أو المشهد السينمائي، وللمخرج الحق في استخدام كلمات أثناء تنفيذه فيلماً من دقيقة واحدة أو الاكتفاء بالمشاهد، والأمر بالطبع منوط بطبيعة الفيلم، و بطبيعة القصة التي يستقي الفيلم مادته منها.

وأما سيرتي الذاتية، فإن نبذة منها موجودة في أحد أركان هذا المنتدى، وثمة نبذة موسعة في موقعي الشخصي، ويمكن العودة إليها في هذين الموقعين أو في أحدهما.

عمر علوي ناسنا/ المغرب: محمود شقير ربح كبير للمنتدى للقصة وللنقد
دمت متوهجا صديقي.

محمود شقير: أخي العزيز عمر علوي ناسنا

تحياتي/ وكل الشكر والتقدير لك/ دمت وسلمت.

محمود شاهين/ كاتب فلسطيني/ دمشق: تصفحت الحوار وهو جيد جدا . أظن أن الزملاء قد تطرقوا إلى ما كان يمكن أن يخطر ببالي من أسئلة ، خاصة وأنني لم أكتشف الحوالر إلا هذا اليوم .. لأنشغالي .
أحببت أن أتطرق إلى زكريا تامر ، فقد قرأت له الأسبوع الماضي عشر قصص قصيرة جدا في صحيفة الثورة السورية ، وهي حقا مدهشة وفي غاية الإبداع ، ويا ليت الصحيفة بحوزتي الآن
لأرفق واحدة منها . زكريا كعادته يفاجئنا في نهاية قصصه بسوداوية مغرقة !!

محمود شقير: بحثت في الانترنت عن قصص زكريا تامر في جريدة الثورة السورية، وعثرت على أربعة عشر نصاً منشورة تحت عنوان "يا ليتني كنت تراباً". إذا كانت هذه القصص هي المقصودة بكلامك، فإنني أوافقك الرأي على ما فيها من تكثيف ومهارة في السرد وميل إلى السخرية المرة والهجاء. لدى زكريا تامر قدرة فائقة على السخرية، وهو يستخدمها في قصصه وفي مقالاته، لتصبح عنصراً فنياً أساسياً من عناصر كتابته.

بقي أن أشير إلى ما ذكرته في هذا الحوار، حول توقف زكريا تامر عن كتابة القصة القصيرة جداً، ورغم أنه لم يشر بأن نصوصه المذكورة أعلاه، المنشورة في جريدة الثورة، هي قصص قصيرة جداً، إلا أن شكلها الفني وأسلوب صياغتها، يجعلنا نحكم عليها بأنها قصص قصيرة جداً.

ويتعين علي في هذه الحالة، أن أسحب رأيي الذي ذكرته حول هذا الأمر، مع الاعتذار من كاتبنا الكبير ومن القراء.

محمود شاهين: أجل عزيزي محمود إنها هي . وهي فعلا أربع عشرة قصة وكنت قد نسيت عددها .
هذا ( الجوجل ) فظيع ، فما أن وضعت العنوان الرئيسي للقصص فيه حتى ظهرت على الفور .

عصام حجاج: في أحد الحوارات قال الأستاذ محمود شقير :

"حتى الآن مازلت أتهيب الدخول إلى عالم الكتابة الروائية بسبب قناعتي أن الرواية فن يتطلب الكثير من الاستعدادات الثقافية والفنية، علاوة على التجربة الواسعة في الحياة، لقد مارست كتابة الرواية مرة وشعرت أنني لم أنجز شيئاً مقنعاً وسحبت تلك الرواية بعد أن أرسلتها إلى مجلة شؤون فلسطينية في بيروت أواخر السبعينيات من القرن الماضي. وكان الشاعر محمود درويش يرأس تحريرها آنذاك وأرسلت له رسالة أخبـرته فيها أنني لم أعد راغباً في نشر هذه المخطوطة الروائية على صفحات المجلة. وقام مشكوراً بسحبها من قائمة المواد المرشحة للنشر في المجلة. كتبت تجربة أوائل الثمانينيات ونشرت فصولاً منها في مجلة أفكار الأردنية لكنني لم أجرؤ طوال السنوات الماضية على نشر هذه الرواية لعدم قناعتي بها. نشرت رواية للفتيات والفتيان بعنوان «أنا وجمانة» وقد قوبلت باهتمام من بعض النقاد، ولكن هذا الأمر لم يحفزني للتفكير بكتابة الرواية، ومازلت متردداً حتى هذه اللحظة، ويبدو أن القصة القصيرة مازالت تأسرني تماماً وتأخذ كل تفكيري خصوصاً وأن لدي إحساساً أنني مازلت قادراً على إنجاز مفاجآت جديدة في ميدان القصة القصيرة. ...."

ماعلاقة الأستاذ بالشاعر محمود درويش , وهل تؤمن بما يسمى الأب الروحي في ميدان الشعر أو القصة أو غير ذلك ؟

ثم هل سيظل هذا الخوف حاضرا , رغم أن الأستاذ أطال الله عمره , له من التجارب ما يمكن من كتابة مليون رواية أو أكثر ؟ (هذا ان لم يكن الأستاذ قد نشر أية رواية طبعا )

ما هي التطورات التي يتوقعها الأستاذ للقصة القصيرة؟

محمود شقير: تربطني بالشاعر الكبير محمود درويش علاقة طيبة، تعززت أثناء عملنا المشترك في الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين. فقد كان محمود رئيساً للاتحاد وكنت أنا عضواً في الأمانة العامة للاتحاد مدة سبع عشرة سنة.

كذلك، كان محمود رئيساً للجنة جوائز فلسطين للأداب والفنون والعلوم الإنسانية، وكنت أنا أمين السر للجنة ومنسقاً بينها وبين وزارة الثقافة. ثم إنني نشرت عدداً غير قليل من قصصي في مجلة الكرمل، التي يشغل محمود درويش موقع رئيس التحرير فيها.

بخصوص الأب الروحي في الشعر أو في القصة، وفي الأدب بشكل عام، فأنا أعتقد أننا لا نكتب كتابتنا في فراغ. نحن نكتب كتابتنا على الكتابة. بمعنى أن ما نقرأه يترك أثراً فينا، وحينما نكتب فإن حصيلة ما قرأناه، تلعب دوراً أكيداً في تشكيل رؤانا وفي تلوين ما نجترحه من تجديد وابتكار. لذلك، يصح القول إن للكاتب عدداً من الآباء الروحيين، وقد يكون أحدهم هو الأكثر تأثيراً لأنه الأكثر قدرة وتميزاً.

وفي ما يتعلق بكتابة الرواية، فقد أفزعني ما ذكرته عن تجربتي في الحياة التي تؤهلني لكتابة مليون رواية أو أكثر. هذا الرقم مفزع حقاً، وأرجو أن ترحمني من أمر رهيب كهذا. ولا أكتمك أنني أفكر بين الحين والآخر بكتابة رواية، لكنني حتى الآن لم أكتب رواية واحدة للكبار، في حين أنني أنجزت مؤخراً كتابة رواية جديدة ثانية للفتيات وللفتيان، سوف تنشر قريباً.

أعتقد أنني أجبت في سؤال سابق عن التطورات المتوقعة للقصة القصيرة.


عبد الله البقالي/ المغرب: حوار شيق وعميق يتطلب التوقف عند كل عبارة على حدة قصد استشراف بؤره و افاقه.



هل حقا نحن نكتب في الزمن الضائع من زمن الحروف المطبوعة؟ وهل الصورة تحل محل الحروف في عالم الثقافة الالكترونية؟
في ظل هذا العالم ذا المعطيات الغير مسبوقة. كيف يعرف الأستاذ محمود الثقافة؟ وما هي المهام الموكولة اليها في ظل انحسار المقرو ء؟ وهل هو متفائل بهذا الوضع؟

محمود شقير: هذه أسئلة مهمة تحتاج إلى قدرة كبيرة على التأمل والتنبؤ والاستبصار. ولعل أول ما يتبادر إلى ذهني في معرض تعريف الثقافة القول: إن الثقافة هي التي ميزت العنصر البشري عن الطبيعة وعن عالم الحيوان، و جعلت للبشر تاريخاً، ومكنتهم من مراكمة التجارب والقيم وأنماط السلوك والمواقف، المرتبطة بمستوى معين من الوعي ومن التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

غير أن ما يدعو إلى القلق اليوم، ونحن نتحدث عن الثقافة، هو طغيان الثقافة اللاعقلانية التي تعلي من شأن الغرائز والنزعات البيولوجية. ويتعزز هذا الميل اللاعقلاني لدى قطاعات واسعة من البشر، بسبب هيمنة أجهزة الإعلام الحديثة التي تخدم قوى طبقية مستغلة (بكسر الغين) مستفيدة من تأثير ثقافة الصورة ورواجها وانتشارها الكاسح، ووصولها إلى كل بيت في العالم تقريباً.

في زمن سابق، من تطور قوى الرأسمال العالمي، كانت العقلانية مطلوبة لخدمة التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي كانت تجد فيه هذه القوى تعبيراً عن مصالحها في فترة صعودها. اليوم، مع العولمة والشركات متعدية الجنسيات، وجشع رأس المال وركضه وراء الربح السريع، تتحول الثقافة إلى سلعة، ما يفقدها طابعها العقلاني، ويحولها إلى أداة مبتذلة لتغذية نزعات الجنس التجاري والعنف والقتل وإذكاء النعرات الطائفية والإقليمية التي تدفع إلى الاقتتال والحروب المحلية، والتي تحتاج من أجل ذلك إلى أسلحة، تنتجها الشركات الاحتكارية التي لا مصلحة لها في استتباب الأمن والمساواة والسلم في العالم.

من هنا، تصبح مقولة "الفوضى الخلاقة" هي الوصفة السحرية التي تدر مزيداً من الأرباح إلى جيوب أصحاب شركات الأسلحة وغيرها، ولا تعود على مختلف بقاع العالم، وبالأخص منها العالم الثالث، إلا بالخراب والبؤس.

غير أن ثمة قوى أخرى في العالم تدعو إلى العقلانية المستندة إلى ثقافة التنوير والعدالة والتسامح والحب والسلام، ورغم أنها ما زالت أضعف من تسجيل انتصارات حاسمة على قوى الظلام، إلا أنها تشكل حاجة بشرية ضرورية لا بد منها، لأن الناس في نهاية المطاف، لن يشعروا بالطمأنينة وهم منصرفون إلى إشباع رغباتهم البيولوجية وحسب. ثمة جانب روحي في البشر، لا بد له من غذاء يومي، يتمثل في سماحة الأديان وقيمها الصحيحة البعيدة عن التطرف والمغالاة، ويتمثل في منجزات الثقافة الإنسانية التي تعلي من شأن الإنسان، وتسعى إلى الحفاظ على كرامته وإلى تعزيز قيمه الإنسانية الراقية. والمسألة لن تحسم بسهولة، وهي تحتاج إلى جهود مثابرة ومبادرات.

لا أعرف حتى الآن مدى التأثير الذي ستمارسه ثقافة الصورة على الثقافة المكتوبة. لثقافة الصورة تأثير مذهل على عقول الناس، والقراءة تشهد بالفعل انحساراً مؤسفاً. غير أنني لا أستطيع تصور أن الكتاب المقروء، سوف يصبح مع الزمن، مثل الرمح والسيف والقوس والسهام، حيث لم يعد أحد يفكر باستخدامها في الحروب المؤسفة التي تندلع هنا وهناك هذه الأيام. ومع ذلك، من يدري ماذا تخبئ لنا التقنية المتطورة من مفاجآت!

وتبقى مسألة أساسية، وهي أن الإبداع البشري، لن يتوقف ما دامت هناك حياة بشرية على الأرض، ومن الضروري في هذه الحالة، أن يجري التكيف مع وسائط التقنية وتطويعها لخدمة الإنسان، المحتكم إلى ما كدسته البشرية من إنجازات عظيمة جديرة بالتقدير والاحترام.

ورغم ما في حياتنا المعاصرة من شرور وانتكاسات وفقر وبؤس وعدم استقرار، فثمة فسحة للأمل لا يجب أن يستهان بها، لأن استمرار هذا الحال الراهن، الذي تتحكم فيه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وغيرهما من قوى الشر، يعني أننا نسير نحو الهاوية، ولا أعتقد أننا جميعاً قد فقدنا عقولنا، إلى حد التسليم بالذهاب طواعية إلى الهاوية.

سعاد علس(ريم البان)/ اليمن/ ألمانيا: سؤالي الأول


السوداوية هي انكماش نفسي يؤدي إلى ذهول في الأحكام وهي كآبة وقلق أصبحت مظهرا من مظاهر العصر ونفسيات كثير من الفنانين شديدي الحساسية


ما أثر هذه السوداوية على العمل الأدبي ( كاتب القصة على وجه الخصوص )


السؤال الثاني

القصة مرآة متعددة السطوح وكل قارئ يلقي بناظريه على السطح الذي يعكس صورته بأمانة ودقة

من هذا المنطلق كيف ترى أستاذ محمود هذا التعريف ؟


السؤال الثالث

يقول المقدسي : للقصة في كل بلدٍ عربي صبغتها الإقليمية التي تكتسبها مما ينعكس عليها من أحوال ذلك البلد وحياة سكانه ..... فهل محمود شقير مازال ملوناً بصبغة بلده.

محمود شقير: بخصوص سؤالك الأول، فلنتفق أولاً على أن كل أديب وفنان هو شخص شديد الحساسية، ربما بسبب تكوينه الخاص، وربما بسبب ظروفه الاجتماعية والنفسية، وهو لذلك أكثر ميلاً من الإنسان العادي للإحساس بالخلل الموجود في بنية المجتمع، وهو في الوقت نفسه أقدر من الإنسان العادي على كشف هذا الخلل، تساعده على ذلك قراءاته المكثفة وعمق ثقافته، وهذه بدورها تسهم في إرهاف حسه إلى درجة كبيرة، ما يدفعه إلى مزيد من الإبداع، لفضح السائد وللوصول إلى حالة من التوازن النفسي التي تمكنه من مواصلة العيش.

أما السوداوية أو الكآبة، فهي مرض نفسي، وليس شرطاً أن يكون كل أديب أو فنان مصاباً بها. غير أن عصرنا المليء بالفوضى والقلق، قد يدفع الكاتب إلى نوع من التشاؤم والرؤية السوداوية التي تظهر في أدبه، إما تعبيراً عن يأس من أي أمل في الإصلاح، وإما تعبيراً عن احتجاج مبطن ودعوة مضمرة إلى بني البشر كي يتنبهوا إلى ما يتهددهم من خراب، وأضرب مثلاً على الحالة الثانية: قصص زكريا تامر وروايات خوسيه ساراماغو.

وأنا أتفق معك حول التعريف الذي أوردته في سؤالك الثاني، وأضيف إليه أن نجاح العمل الأدبي رهن بالمدى الذي يرى المتلقي نفسه فيه، ومن ثم فهو يعيد خلقه وفقاً لتصوراته الشخصية أثناء عملية التلقي. وهنا يصح القول إن التلقي الواعي هو عملية خلق جديد للعمل الأدبي.

بخصوص السؤال الثالث، أعتقد أن المحلية في الأدب، وأقصد هنا المحلية غير المنغلقة على ذاتها، هي السبيل الصحيح لخلق أدب صادق متميز منفتح على البعد الإنساني. ومن هذا المنطلق، ليس ثمة غضاضة في أن تظهر سمات البيئة المحلية في العمل الأدبي. تظهر هذه السمات في المضمون أو في بعض جوانبه، وتظهر في بعض أساليب السرد المستند إلى موروث شعبي أو تراثي، وفي اللغة، حينما يلجأ الكاتب إلى تطعيم سرده وحواره القصصي أو الروائي ببعض مفردات من البيئة المحلية، لإضفاء نكهة خاصة على فضاء القصة أو الرواية.

غير أن ثمة نتاجات أدبية، لا تظهر فيها سمات البيئة المحلية، بسبب ما فيها من تجريد أو اقتصاد في اللغة. وأضرب مثلاً على ذلك، بعض نماذج القصة القصيرة جداً، التي تصف حالات إنسانية معينة، قد تصدق على أي إنسان أو أية امرأة في هذا العالم، وعلى أي مجتمع دون أن تقتصر على مجتمع واحد بعينه.

عصام حجاج: جاء في كلامكم أستاذي ما يلي : "وهنا يصح القول إن التلقي الواعي هو عملية خلق جديد

للعمل الأدبي"

بهذه المناسبة ماهو رأي الأستاد في كلا النقدين :الإنطباعي , والأكاديمي (المنهجي) , وما هو

النقد الأقوى؟؟؟؟

كيف هي نظرة الأستاذ الى أدب المغاربة خاصة ؟

محمود شقير: بالطبع، فإن النقد الأكاديمي هو الأكثر جدارة من النقد الانطباعي، لاستناده إلى نظريات ومناهج نقدية معترف بها ولها حضورها، وهو الذي يتوقع منه أن يدلل على ما في النتاجات الأدبية الجيدة من تميز وإبداع، وهو الذي يرصد ما هو جديد في حركة الإبداع، ويقوم بابتداع التنظيرات النقدية الجديدة انطلاقاً من هذا الجديد، الذي يولد في خضم النشاط الإبداعي للمبدعين المجددين.

وكما هو معروف فإن الجامعات ينبغي أن تكون هي المقر الرئيس للنقد الأكاديمي، وهي التي ينبغي عليها أن تنهض بتفعيل الحياة الثقافية في بلداننا العربية، غير أن نظرة سريعة على واقع الحال في الغالبية العظمى من هذه الجامعات، ترينا مدى العزلة التي تخيم على هذه الجامعات. ثمة عزلة عن حركة المجتمع وعن حركة الثقافة والنقد، ربما بسبب الأوضاع غير السوية في بلداننا، حيث الافتقار إلى مناخ الحرية، وعدم تشجيع البحث العلمي، والتضييق على حرية الاجتهاد، وحيث كثرة الممنوعات والمحظورات التي تقود إلى التحجر والجمود. إزاء ذلك، فإن الدور الذي تلعبه الجامعات في هذا الميدان محدود للأسف الشديد.

ومن باب الإنصاف، فلا بد من الإشارة إلى أنه في ظل عجز الجامعات عن النهوض بدورها المتوقع منه في هذا الميدان، فثمة نقاد عرب كبار لهم مناهجهم ورؤاهم النقدية، و هم يضطلعون بأدوار فردية بارزة في ميدان النقد الأدبي، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: محمود أمين العالم، فيصل دراج، عبد الرزاق عيد، ومحمد برادة.

بخصوص أدب الأخوة المغاربة، فأنا أقرأ كل ما يقع تحت يدي من الأدب المغربي، وأنا معجب بمستوى هذا الأدب، وأشعر أن ثمة فضاءات ممتعة ومدهشة وجريئة في الأدب المغربي، وثمة حراك ثقافي لافت للانتباه هناك، خصوصاً في مجال الفكر والفلسفة والنقد الأدبي، والتجريب المستمر في الكتابة الأدبية.

ربما كان لاهتمام أدباء المغرب بأدب المشرق العربي المعاصر، ولعنايتهم الأكيدة بالتراث العربي، ولقربهم من أوروبا، واطلاعهم المباشر على ما لديها من إنجازات في الأدب والفلسفة، علاقة بذلك الحراك الثقافي اللافت للانتباه.

أكثر كاتبين مغربيين قرأت لهما، هما محمد زفزاف ومحمد شكري، لهما الرحمة والخلود.

ريم البان: السؤال الأول


القصة القصيرة جدا


كجنس أدبي أين يمكن تصنيفه ؟


ما علاقته بالخبر ؟

لماذا يعتبر من أكثر من فنون السرد صعوبة ؟

السؤال الثاني


الاشكالية الدائمة للتمييز بين القصة القصيرة والرواية


هذا التداخل وصعوبة التمييز بينهما


هل الطول هو المقاياس الوحيد ؟


إذا كانت القصة تحمل نفس عناصر الرواية من حيث الصيغة والشكل والتعامل مع الحدث


ماهي التقنية التي تفصل بينهما ؟

السؤال الثالث


الروائي


هل بالضرورة أن يمرّ القصة القصيرة كي يصل للرواية ؟

محمود شقير: في ما يتعلق بتصنيف القصة القصيرة جداً، فمن المناسب أن أعود إلى التذكير بما نشرته الكاتبة الفرنسية من أصل روسي، ناتالي ساروت، العام 1938 تحت عنوان "انفعالات"، حيث نشرت مجموعة من النصوص المكثفة، دون أن تحدد لها جنساً أدبياً محدداً. غير أن النقاد في ما بعد مالوا إلى تصنيف هذه النصوص على أنها قصص قصيرة جداً. وهي مكتوبة بلغة جميلة قادرة على ملامسة وجدان المتلقي، وما زالت هذه القصص وعددها أربع وعشرون قصة، تكتسب حيويتها الطازجة حتى اليوم.

لدي قناعة بأن القصة القصيرة جداً تنتمي بشكل أو بآخر إلى القصة القصيرة، وهي تندرج في إطارها، حيث إن عناصر القصة القصيرة جداً من حيث ضرورة توفر الحدث والشخصيات ولغة السرد، هي نفسها التي تتوفر في القصة القصيرة، إنما تكون هذه العناصر مضغوطة ومكثفة في القصة القصيرة جداً إلى أبعد حد ممكن، وبما يشبه الومضات الخاطفة.

وتعتبر القصة القصيرة جداً من أكثر فنون السرد صعوبة، بسبب ما تتطلبه من دربة ومن تبصر باستخدام الكلمات في مواضعها الصحيحة، بحيث يخلق الكاتب فضاء واسعاً بأقل كلمات ممكنة، وبأكثر إدهاش ممكن.

أما بخصوص سؤالك حول التمييز بين القصة القصيرة والرواية، فلم يعد ثمة التباس أو غموض في العلاقة، بعد أن أشبع النقاد هذه العلاقة بحثاً وكتابة.

وأما بخصوص سؤالك الثالث، فليس شرطاً للروائي أن يبدأ كاتباً للقصة القصيرة قبل كتابته للرواية، غير أن كثيرين من كتاب القصة القصيرة، يتحولون إلى كتابة الرواية بعد كتابتهم للقصة القصيرة، ربما لرغبتهم في التعبير عن رؤاهم، في حيز أكبر من إمكانات التعبير التي تتيحها لهم الرواية، وربما بسبب الضيق من كتابة القصة القصيرة، التي تحتاج إلى صبر وأناة واقتصاد في اللغة وفي المواقف، وربما بسبب رواج الرواية هذه الأيام على حساب القصة القصيرة.


إدريس اليزامي/ المغرب: سأعرج قليلا بك عن الأسئلة الخاصة و الروتينية عن تقنيات السرد و القصة على وجه الخصوص



إلى مايرتبط بالإبداع الفلسطيني عموما..



أيها العزيز..أجدني منذ طفولتي عاشقا للأدب الفلسطيني و قرأت لأ سماء كثيرة و أعجبت




بتجارب لها حضورها...و قد أثرت في كثيرا..




سِؤالي كالآتي:



كلما قرأت إنتاجا فلسطينيا إلا و شعرت به يلج إلى قلبي دون أستئذان..و هذه ليست شهادتي

وحدي و إنما هي لغيري كذلك.هل لصدقه أم التزامه ....أم أشياء أخرى؟

محمود شقير: أنا أعتبر الأدب الفلسطيني جزءاً لا يتجزأ من الأدب العربي، فيه المزايا نفسها التي يشتمل عليها هذا الأدب، وفيه كذلك، أو في بعض نماذجه، العيوب والنواقص نفسها، التي يشتمل عليها الأدب العربي أو بعض نماذج هذا الأدب.

ربما كانت معاناة الشعب الفلسطيني من الاحتلال الإسرائيلي، وانعكاس هذه المعاناة في الأدب الفلسطيني، سبباً من أسباب التعاطف مع هذا الأدب، وربما كان التشرد الذي فرض على الفلسطينيين ومعايشتهم لثقافات شتى في الوطن العربي وبلدان الشتات الأجنبية، وتأثرهم بهذه الثقافات، سبباً من أسباب التميز الذي ذكرته في سؤالك.

ثم إن مشاعرك الوطنية النبيلة تجاه ا لشعب الفلسطيني وقضيته، مثلما هي مشاعر الكثيرين من المثقفين العرب، وكذلك مشاعر الشعوب العربية الشقيقة، هي التي تؤدي إلى هذا التعاطف مع الأدب الفلسطيني وإلى الإعجاب به.

يوسف الحربي/ السعودية: ما لاحظته حين العبور بأسطر كثير من القصص القصيرة المنتشرة هذه الأيام هو الانغلاق داخل النفس وترك الخواطر تتداعى كيفما اتفق ..هل الانزواء بعيداً عن مساحة المجتمع الممتدة بشخوصها وهمومها هو عجز من الكاتب عن التعبير عن نبض الشارع أم هي حالة نفسية عربية متفردة ؟

محمود شقير: لا أعتقد أن ثمة مشكلة حينما يذهب الأدب، ومنه القصة القصيرة بطبيعة الحال، إلى تقصي هموم النفس البشرية. لأن تجسيد الهم الفردي في الأدب ليس عيباً أو نقيصة كما أعتقد، ما دام هذا التجسيد قابلاً للتعميم بحيث يصدق على أفراد كثيرين.

ربما كان الانغلاق الذي تحدثت عنه، الذي لا يفضي إلى أفق إنساني أشمل، هو الذي لا يعني أحداً سوى كاتبه، وهو في هذه الحالة، في حالة الانغلاق، والاكتفاء بالتعبير عن ذات فردية معزولة، قد لا يجد من يتعاطف معه أو يجد فيه مساحة إنسانية مشتركة تستدعي التعاطف.

وأما في ما يتعلق بالتعبير عن المجتمع وهمومه، فإن الأدب الصادق الذي يعبر عن المجتمع، لن يكون صادقاً ومؤثراً إلا إذا انصهرت هموم المجتمع داخل ذات المبدع، بحيث يتمثلها وينفعل بها، ثم يلونها بما لديه من مشاعر ورؤى، وبعد ذلك يصوغها لكي تعبر عنه وعن مجتمعه في آن واحد.

لدي قناعة بأن الكثير مما يكتبه الأدباء العرب من قصة وشعر ورواية، منغمس في الهموم العامة لمجتمعاتنا إلى حد كبير، ولا ضير من توفر قصص وقصائد وروايات تذهب إلى ما هو فردي مثل الحب، الذي هو عاطفة إنسانية سامية أيضاً، ففي ذلك إغناء لأدبنا وتوسيع لفضاء الكتابة، التي ينبغي ألا تنحصر في مجالات محددة لا تتعداها إلى سواها.

عصام حجاج: السؤال الأول : هل يمكن للحكاية المتداولة في بعض الأوساط والمجامع الشعبية أن ترتقي

لمستوى النص السردي بضوابطه العامة (الحكواتي ) ؟

السؤال الثاني :ألا يرى الأستاذ ان غياب تيمة "التشويق" (ان لم تكن هناك وجهة نظر مخالفة تجعله حاضرا)

في القصة القصيرة يعد خسارة لهذا النوع الأدبي ّّّ؟

محمود شقير: بالطبع، ثمة فرق بين الحكاية والقصة القصيرة. القصة القصيرة ليست حكاية، إنما يمكنها أن تستفيد من الحكاية بتضمينها أو بتضمين بعض أجزائها في السرد القصصي، كما يمكن الاستفادة من أسلوب الحكواتي في السرد القصصي، واستخدام بعض مفرداته التي يبدأ بها سرد حكايته.

بخصوص عنصر التشويق في القصة القصيرة، ينبغي بالطبع توفير هذا العنصر في القصة، وإلا لانعدمت متعة القراءة. والقاص المتمكن هو الذي يستطيع عرض مادته القصصية بطريقة ذكية، بحيث يعرف متى يكشف معلومة ما وبأية طريقة، وبحيث يكون التشويق حاضراً في القصة منذ لحظتها الأولى.

منتدى "من المحيط إلى الخليج"/ آذار – نيسان 2007
www.menalmuheetlelkaleej.com






































Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME