الجدار



قال سعيد: ذهبنا، أنا وأخواتي الأربع إلى مبنى الشركة التي تقع خارج المدينة. أنا أتحدث عن أخوات أصغرهن في الخمسين وأكبرهن في السبعين. المطر يبلل الطرقات، ونحن نمضي إلى شأننا، والوالد هو الذي كان السبب. ترك لنا بضع مئات من الأسهم في إحدى الشركات. ونحن نذهب في الصباح الماطر لاقتسام هذه الأسهم التي لا تشكل ثروة ذات بال.


ركبنا السيارة، وتحدثنا عن الطقس دقيقتين. قلنا إن هذا المطر جاء على غير ميعاد. قلنا: إنه مطر خفيف لا يعطل المواعيد. تحدثنا عن أختنا التي ماتت وهي في العشرين من عمرها. قلنا إنها بكت ليلة كاملة حينما لم يسمح لها الوالد بمواصلة الدراسة في المدينة. قلنا إنها كانت بنتاً ذكية. استغرق حديثنا عنها ثلاث دقائق على أكثر تقدير.
نزلنا، أنا وأخواتي من السيارة، وكنت قريباً منهن. لأول مرة بعد سنوات طويلة أمشي معهن وهن مجتمعات. مشينا ولم نحفل بالمطر وقلنا إنه مطر خفيف. وكنا نمشي معاً على نحو حميم لم أجربه من قبل.
اقتربنا من الجدار الذي يفصل القدس عن محيطها. الجنود المرابطون عند البوابة الصغيرة، أمرونا بالوقوف أمام البوابة في صف طويل. اجتازتها أختي الكبرى ثم تلتها بقية الأخوات، وكنت أنا الأخير. مضينا إلى مبنى الشركة، وكان علينا أن نمشي مئات الأمتار.
بعد ساعة عدنا إلى الجدار نفسه، وإلى البوابة نفسها. اجتازت أخواتي البوابة بعد تفتيش دقيق، واجتزتها أنا بعدهن. وفي الطريق إلى البيت، شعرنا أن ثمة أمراً ينغص علينا، ولم نتحدث عن ذلك، لأنه كان أوضح من أي كلام.


طاحونة








قال: وأنا طفل وهي فتاة في سن البلوغ، أراها الآن وهي تسوق البغلة، وعلى ظهر البغلة قمح في أكياس. تذهب إلى الطاحونة وأذهب معها. ثم نعود من هناك ومعنا قمح مطحون وحكاية خفيفة.


مطر



مطر خفيف لكنه لا يخلو من منغصات. كنا، أنا وأخواتي، مضطرين لأن نمشي فوق أرض بللها المطر، وجعلها زلقة لا يمكن المشي عليها إلا بحذر. غادرنا البوابة الصغيرة التي يقف عندها الجنود. قالت أختي الصغرى وهي تشير إلى الشارع الذي جعله الجدار نصفين غير متصلين: لو أنهم جعلوا البوابة هناك، لكان عذابنا أقل قليلاً. قلت: إنهم يبحثون عما هو أفضل لهم لا لنا. وسرنا فوق الأرض التي بللها المطر. تابعتُ أخواتي وهن يدرجن على الأرض ببطء وأنا مشفق عليهن، خشيت أن تنزلق قدم واحدة منهن، وتنكسر. واصلت تحذيرهن ناصحاً إياهن أن ينتبهن في مشيهن.
وصلنا الشارع ورحنا نمشي على الرصيف والمطر الخفيف ينثُّ فوق رؤوسنا. تبعثرنا قليلاً، تقدمتهن لأنني لا أطيق المشي البطيء، ثم توقفت والتفت إلى الخلف. أختي الكبرى هي الأقرب إلي. أختي التي تليها في العمر، توقفت لاهثة لا تتقدم خطوة أخرى إلى الأمام.
عدت إليها وأنا أشعر بشيء من القلق عليها، لأنها مريضة. قالت: لا تقلق، أردت أن أرتاح قليلاً. أنفاسها المتقطعة تدلل على تعب أكيد. اقتربت منا أخواتي الأخريات. تأملنا بعضنا بعضاً كما لو أننا نقرأ ما فعله بنا الزمن، ثم واصلنا المشي. ومن غير اتفاق على شيء محدد، مشينا في تمهل شديد.

مظلة







قلت لهن: هذه المظلة أحضرتها معي، فكيف نتقي المطر بمظلة واحدة! قالت الكبرى: المطر خفيف وأنا أرتدي ملابس دافئة. قالت الصغرى: أنت أحضرتها وهي لك وحدك. ولم تقبلها أية واحدة منهن.
فتحت المظلة فوق رأسي، ومشيت. خجلت بعد لحظة لأنني استأثرت بها لنفسي. طويتها ومشيت. قلت: المطر خفيف وأنا أرتدي ملابس دافئة.


طفلة








وأنا فتى في سن البلوغ وهي طفلة لا تعرف الطريق، أراها الآن وهي تمضي إلى السوق، لكي تحضر لنا برتقالاً وحلوى (لم يطلب أحد منها الذهاب). قالت أمي: اذهب وعد بها قبل أن تضيع. ذهبت. وجدتها تبكي (مع ذلك، لن تنجو من العقاب). قدتها من يدها وعدنا معاً. قالت حينما رأت أمي غاضبة: غداً أذهب مرة أخرى وأحضر لكم برتقالاً وحلوى.


التركة



صعدنا أدراج الحديد أنا وأخواتي الأربع، ودخلنا مبنى الشركة. ملابسنا مبتلة، وأحذيتنا ملطخة ببقايا طين. الموظفون حاولوا أن يخفوا امتعاضهم وهم ينظرون إلى أحذيتنا، حاولنا الاعتذار بكلمات خافتة، فلم تشفع لنا الكلمات. كان لا بد من القيام بأفعال أخرى، للتدليل على رغبتنا في المحافظة على نظافة الشركة. صرفنا وقتاً مضاعفاً ونحن نمسح أحذيتنا بالممسحة الوحيدة التي وجدناها عند الباب.
استقبلتنا موظفة ترتدي بنطالاً من الجينز، وعلى رأسها إيشارب. جلسنا على مقاعد متباعدة في انتظار أن توزع علينا الموظفة، الأسهم التي تركها الوالد لنا. جلسنا صامتين. لا ضرورة للكلام، لأن الموظفة تعكف الآن على مهمتها، ولم نشأ أن نشوش عليها بأي كلام.
طلبت الموظفة مني بعد نصف ساعة من الانتظار أن أوقع على ذيل الصفحة. حملت القلم ووقعت اسمي. أختي شروق كتبت اسمها ببطء، لأنها كما يبدو لم تحمل قلماً منذ سنوات. الشيء نفسه فعلته أختي قمر. حينما جاء دور أختي الكبرى، سعاد، قالت: أنا لا أكتب ولا أقرأ. الشيء نفسه قالته أختي وداد. انتبهت إلى أن لي أختين لا تقرآن ولا تكتبان، وبدا لي الأمر مفاجئاً كما لو أنني لا أعرفه إلا الآن. قالت أختي سعاد وهي تبتسم في حرج: حينما كنت طفلة لم يرسلني أبي إلى المدرسة. وأختي وداد لم تقل شيئاً، ربما لقناعتها بأن الكلام لا يفيد، وربما احتراماً منها لذكرى الوالد. وضعت بصمتها على الورقة، وظلت صامتة.
اقتسمنا التركة وصارت لكل واحد منا أسهمه الخاصة به في الشركة، غير أن هذا لم يتم دون استعادة ذكريات بعيدة، ودون الشعور بألم ما في لحظة من اللحظات.


زفاف










وأنا شاب مكتهل في شبابي وهي فتاة في سن لا تؤهلها للزواج، أراها الآن وأنا أقودها من يدها وسط الأغاني والزغاريد. تمشي إلى جواري شاردة الذهن، وأنا أعرف ما يدور في رأسها من أفكار. أقودها من يدها وعلى وجهي ابتسامة ما، كأنها قناع.


طعام





ذهبنا، أنا وأخواتي الأربع إلى مطعم بسيط. المطعم يقع في المبنى المقابل للبوابة الصغيرة التي يرابط عندها الجنود. جلسنا، أنا وأخواتي في تقارب ملحوظ حول مائدة صغيرة. المطعم خال من الزبائن بسبب الكساد. طلبنا من النادل أن يحضر لنا طعاماً. امتلأت المائدة بأصناف مألوفة من الطعام. أختي سعاد لا تأكل الزيتون بسبب ارتفاع ضغط الدم لديها. أختي وداد لا تأكل الفول ولا الفلافل بسبب داء النقرس الذي يضرب مفاصلها باستمرار. أختي قمر تأكل نصف رغيف من الخبز مع كأس من اللبن لكي تحمي نفسها من هشاشة العظام. أنا وأختي شروق نغمس الخبز الساخن بزيت الزيتون والزعتر، ثم نحتسي كلنا كؤوس الشاي مع النعناع.
ولا نبقى في المطعم وقتاً طويلاً، لأن المطعم موحش أكثر من المعتاد، وأختي وداد لا تطيق البقاء طويلاً في الخارج. الآن ينتظرها شغل البيت وإعداد الطعام للأولاد.

من كتاب "احتمالات طفيفة"/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت- عمان/ 2006
تاريخ الإدراج: 9 / 6 / 2007

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME