كانت حرارة الصيف تغلف القرية بالفتور وظلال الجدران المتهدمة تكاد تنحسر معلنة انتصاف النهار، والمختار يتهادى في قنبازه فيما هو يقترب من رجال يتحلقون لائذين بالظل.. بعضهم يلعب السيجة والآخرون يراقبون أو يغطون في النوم.

ارتفع صوته في عجرفة يفترض فيها أن تدل على الشهامة:
- والله يا عالم إن الناس ذلت.. ما ظل رجال ولا ظل شرف ..
وكأنهم فهموا ما يقصده توّاً.. نفض عجوز وقور يده في رجاء:
- يا أبو ماجد طول روحك، والله يهديك.
وأتم بنبرة اشفاق:
- استروا عالناس يا جماعة.. الله يستر على جميع خلقه.
واحد من الذين يلعبون السيجة غطس طاقيته في رأسه، وقال في تملق:
- وانت مالك يا أبو ماجد.. الله لا يرده، هذا نذل.
وانتفخ أبو ماجد:
- يا جماعة ما ظل شهامة.. يتركه يتعدى على زوجته، ولا يفور له دم.
توتر العجوز الوقور:
- لا.. لا، خاف الله، خاف الله. يقولون هجم عليها، وملأت الدنيا زعيقاً، وما نال منها شيئاً.
- اسمع انت الآخر.. خالد العلي يكذب؟ بعينيه رأى كل شيء.
قال العجوز محاولاً اختزال القضية:
- يا سيدي، اليوم راح يشكو عليه، والمحكمة تبت في الأمر.
- يا رجل هذا عرض.. يذهب إلى المحكمة!
قال المتملق:
- والله لا يصل المحكمة إلا الرجل الرديء.
بعض الجالسين استمروا في صمتهم، وأيديهم فقط، كانت تتحرك لتمسح قطرات خفيفة من العرق، وآخرون علقوا في حياد تام:
- يوم ان حسين أبو صفية تعمد بنت الجراش وهجم عليها ورجعت تدب الصوت، يومها ضربهم الجراش بالبارود.
تزحزح رجل عن صمته:
- - يا اخوي الجراش ان قتل رجال يقدر يدفع ديتهم.. أما هذا مسكين لا فوقه ولا تحته.
أردف آخر:
- يا عمي العيب عيب المرأة لولاها لانت له كان ما قدر يتعمدها.
كان المختار منتصباً، وعيناه سارحتان فوق البيوت العتيقة، والحظائر المحاطة بالجدران، وكان يحلم بأيام جده، الذي كان يعبر أزقة القرية فوق صهوة جواده، والرجال يحنون له الرؤوس، بينما النساء يختبئن ذعراً حينما يبصرنه، وتراجع الظل حتى أن لاعبي السيجة كانوا يتكومون تحت نيران الشمس. أما المتفرجون، فقد أخذوا يتراجعون ملتصقين بالجدار.. وفجأة انتبه المختار صوب أطفال يتراكضون عبر الزقاق.. كانوا يزعقون في دهشة.. ويتلفظون بكلمات غير واضحة:
- خير يا أولاد.. حصل شيء؟
اندفع الأطفال يحكون كل من جهة، وأيديهم تهتز وتؤشر:
- يا ألله. طوشه كبيرة.
- أمسكن بشعور بعضهن البعض.
- واحدة جرت الثانية.
اندفع المختار، وأحس بأنه مسؤول عن البلد، لذا فقد كانت خطواته حازمة وتبعثر من ورائه الجميع.. واحد يعرج، وآخر يرمي بثقله فوق عصاه، وبعضهم يمشون في أذيال المختار.. وكلما اقتربوا من الحارة، كان اللغط والزعيق يشتدان، وثمة نسوة وصبايا يقفن على الأسطحة وفوق الجدران. اقترب المختار، أبصر امرأة تجدل شعر أخرى على يديها وتجرها، واستطاع أن يتعرف على عزيزة رغم أن شعرها كان ينتشر على وجهها.. كانت هي التي تجر الأخرى من شعرها.. قال في صوت خافت:
- آه.. يا ملعون أبو عينك.
اندفع في هياج يضرب النسوة حتى أوقف القتال: الذي نشب حينما كانت أم عزيزة تعبر الزقاق.. وطرقت أذنيها كلمات تنبعث من أم عواد وهي جالسة على مصطبة بيتها:
- الله يخونها.. جرّت رجله، وها هم وضعوه في الحبس.
ثار غضب أم عزيزة، ولم تستطع أن تواصل سيرها دون أن ترشق أم عواد ببضع كلمات:
_ يخونك انت.. ويخون بناتك البائرات، ما خلين واحد إلا تعمدنه.
وكأن حية لسعت أم عواد، لعلعت الأصوات من كل جانب، ورغم أن المختار يكره كل أهل الحارة، إلا أن إحساسه بالمسؤولية دفعه إلى إنهاء الطوشه. كان صوته يعربد وسط ضجيج مجنون من أصوات النساء وزعيق الأطفال:
- ملعون أبوك على أبوها.. انقلعي إلى بيتك.. ارجعي يا بنت، ملعون أبوه الذي يحويك في بيته.
توقف القتال رغم أن تبادل الشتائم وتقصي العيوب ما زال مستمراً..
كان المختار يروي للرجال المتحلقين حوله عن أيام زمان، حينما كانت المرأة لا تجرؤ على رفع صوتها أمام الرجل، وإن قابلته في الطريق تذبل وتتضاءل وترمي رأسها في الأرض..
هز رجل رأسه:
- يا عمي الدنيا تغيرت، والله ما كان يصح للمرأة تغادر بيتها.
علق آخر:
- يا خلق الله اسكتوا.. الفضايح ولعنة الوالدين في كل مكان.
خفت حدة الشتائم، أطل طفل يعدو عبر الزقاق وصاح:
- عزيزة.. زوجك جاء، والله إني رأيته.
صاح فيها رجل:
- أي امشي يا عزيزة.. استحي قليلاً.. زوجك جاء.
كان يمشي بخطى مترنحة فوق الطريق الترابية الكالحة.. يرتدي جاكيتاً متهدل الياقتين، يصل إلى ما فوق ركبتيه، وبنطاله المرقع يطفح فوق حذاء أجرب، وإلى صدره كان يحمل كيساً، وكان متلثماً بكوفيته، وعيناه يطل منهما ذل وأسى: وكيف تقطع الزقاق الآن! وإن مررت عن أبناء بلدك، فهل تطرح عليهم السلام! ومن أين لك صوت يرتفع بالسلام! وإن انبعثت ضحكاتهم من خلفك، فهل تجرؤ أن تقف وتحدق في وجوههم! طبعاً لا، وإنما تطأطىء رأسك وتندفع بخطى محمومة، وتود لو أن الأرض تبلعك وترتاح من عذاب الدنيا. اقترب من القرية.. وكان أولاد يلعبون.. هوّمت نظراتهم فوق وجهه، وراح بعضهم يحكي له عن المشاجرة دون أن يلتفت إليهم، وغنى ولد آخر: طلعت عالتينة طلعت مطرحها، سبّتْ عليّ الله يفضحها، ويلك يا بنت عينك ما ابرحها، في بطنك ولد طالع له سنونا..
غاصت في قلبه شبرية، وواصل سيره: الملعونة فضحت حالها وما هي خجلانة، وتنزل إلى الحارة وتقاتل الناس، وماذا تقدر أن تفعل! دم قلبك دفعته حتى استطعت أن تتزوجها، وإن طلقتها فمن يخبز لك لقمة الخبز! من يرعى أطفالك ويحرص على بيتك، ومن طلعتها حتى غيبتها وانت تركض وراء لقمة السم. انسرب عبر الزقاق.. كان رجال يجلسون أمام دكان، وآخرون يقفون قرب جدار، وصوت المختار يلعلع، والآخرون يهزون الرؤوس مجاملة.. رمى عينيه في الأرض، ولم يطرح السلام على أحد، كان يحسّ عيوناً حادة كالإبر تخترق جلده.. خيم صمت على الزقاق، وليس ثمة إلا خطواته الواهنة، وأغنية نائحة تنطلق خافتة من مذياع. اندس في الزقاق الفرعي المؤدي إلى بيته.. ولم تعد الإبر تلسع بدنه: خليهم يحكون ما يريدون.. والله لا أقدر اقتل ولا أضرب.. والشرف والشهامة والرجولة، خليها لهم.. والله ما ظل شهامة ولا هواء.. صفق باب الحوش وأبصره أطفاله.. انطلقوا صوبه في براءة وعيونهم تأكل الكيس، انخلع قلبه حينما تعلقوا به في خفة وجذل، كانت عزيزة تتربع في وجوم.. انتشر صمت خانق، وانطرح ساعات يتفكر مجهداً محموماً.. بالأمس، حينما عاد من المدينة في المساء، كان أهل البلد يطبّلون ويتحدثون عن عزيزة.. لم يجد له لساناً ليسألها عن تفاصيل ما حدث.. وها هو اليوم يعود مبكراً من المدينة، ويتابع زوجته في حيرة.. وكلما همّ بإلقاء سؤال عليها عاد وانكمش، كان يبحث عن خيط واهٍ يستند إليه. ليخفف من حدة الإبر التي تلسع جدار قلبه، وأخيراً، انحلت عقدة لسانه:
- يا امرأة.. احكي لي الصحيح، جرى بينك وبينه شيء؟
أحست بالندم، وأشفقت عليه، رغم أنها كانت ترى فيه تجسيداً للشقاء والتعاسة، وياما لعنت اباها الذي أغصبها على الزواج منه. قالت بصوت خافت يدل على البراءة:
- خاف من الله. ماذا جرى لك انت الآخر!
توسل إليها أن تقص عليه ما حدث.. وزاد إشفاقها عليه حينما لمحت العجز عن فعل أي شيء يطل من عينيه.. قالت:
- قوم اغسل رجليك.. وسوف احكي لك.
كان يتأوه بأسى ثقيل.. صبّت عزيزة فوق زوجها نظرات فاحصة، وفجأة قفزت إلى ذهنها صورة عواد.. يا ما كان قلبها يمتلىء إعجاباً به في الأعراس، كانت تقف في الشباك وتحشر رأسها بين رؤوس النساء، وهن يتفرجن على حلقة الدبكة في الساحة.. كان عواد يحتل قلوب العذارى والمتزوجات، حينما يكون على رأس الدبكة وحينما يغني على أنغام الشبابة.. وبالأمس، ذهبت تحتطب، كانت تغني نشوانة، وعواد يختال بحيوية وأغنامه ترعى، وشبابته تصدح، والشهوة ترقص في أعماقها وعواد يقترب منها:
- على الصبح يا فتاح يا عليم.. صبّحت حاملة الندى على كتفيك!
- والا ماذا! الحياة تتطلب..
عندما انتهت من جمع الحطب، رفع عواد الحزمة، ثبتها فوق رأسها، وكان في عينيه شيء غريب، ترجرجت رقبتها، وكان بدنها يرتخي، أطلقت ضحكة رعناء، تهاوت الحزمة عن رأسها، وطار مخ عواد حينما سمعها تضحك، كان الكحل يملأ عينيه، وكوفيته الحمراء تضفي عليه وسامة.. ضمّها بين ذراعيه ورصع على خدها قبلة.. رماها على الأرض كأنه فارس.. رنّ جرس في رقبة نعجة.. أجفلت وانتفضت مذعورة وركضت كأرنبة، أجالت عينيها في الخلاء دون أن ترى احداً.. وبخطوات مرتجفة عادت.. أصبح العالم من حولها سديمياً.. ورن الجرس، وكان صوته لذيذاً، وفجأة، أبصرت وجهاً مرعباً كأنه القدر يمر من خلف جذع زيتونة.. زعقت بأعلى صوتها، وتململت في عنف.
كان زوجها ينشف يديه بخرقة، والألم يجرح أعماقه، كان ينظر صوبها بتهيب، وكل ما يطمح إليه أن تخفف عذابه بكلمات تخرج من أعماقها حارة مؤثرة.. حاول أن يتكلم، لكنه وجد نفسه مرة أخرى عاجزاً عن التلفظ بشيء.. وقد لاحظت عزيزة ذلك.. قال بعد صمت..
- الحق عليك.. كان لازم ما تبعدي عن البلد.
- وحق الله يا ابن الحلال ما كان عندي نية سوء.
- والا كيف تعمدك؟
- وانا اجمع الحطب هجم عليّ مثل الغول.
- طيب.. حجر في راسه يا ملعون أبوه.
- الخوف ربط يدي.
- رماك على الأرض؟
كان بدنه يصطك بعنف، وصوته يزداد حدة، خفضت رأسها وقالت:
- يمكن
- كيف يمكن؟
- أقول لك عقلي غاب، وكنت أصرخ، والا خالد العلي يطل علينا.
كان الألم يجرح أعماقه أكثر فأكثر، أحس أن محاولته لن تدخل على قلبه أي اطمئنان. حدق في وجوه أطفاله المندسين في ركن البيت، ونفخ مغتاظاً:
- جاوبيني صراحة.. احكي، احكي.
طفرت الدموع من عينيها، وبعد فترة قالت:
- وحق الله لا.. حرام عليك، لماذا نيتك سوء؟
حدق فيها.. حاول جاهداً أن يفهم معنى دموعها، لكنها لم توصله إلى قرار، بكى وكأنه طفل.. انتبه الأطفال إلى والدهم ينتحب، واهتزت في أذهانهم صورة أب، يأتيهم بالحلوى ويعطيهم النقود، وليس في البلد من هو أقوى منه.. تقوّست شفاههم.. وما لبثوا أن أمعنوا في العويل..
كان كالملسوع يغلي السم في عروقه، فلا يستطيع أن ينام ليله الطويل، وكان المختار يتحسر على أيام زمان.. وفوق القرية، توسوس رياح صيف غريبة.

من كتاب "خبز الآخرين"
منشورات صلاح الدين/ القدس 1975
أنظر/ي قراءة الدكتور عادل الأسطة لهذه القصة في باب: آراء نقدية/ في هذا الموقع
تاريخ الإدراج: 19 / 5 / 2007

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME