كان يقف على رأس كومة من الإسمنت الممزوج بالماء، وفي يديه جاروف كبير. وكانت جلبة العمال تسري بعنف. حدق في الإسمنت، رأى فيه تلة من اليأس، ورأى بدوياً يأكل وجهه القنوط، يدب في صحراء جافة محرقة، يحمل بين ذراعيه طفلة مولودة، تصرخ باستجداء، وانطلق الرجل ببلادة، حفر في الرمال حفرة، قذف المولودة في جوفها، أهال فوقها الرمل.

وعاد كأنه جنازة، وانطلق صوت غليظ امتزج في جلبة الرمال الصادحة:
- يا الله يا ولد . سلك العمال .. نعسان!
انفتل فايز، وأبصر ثلاثة عمال يحمل كل منهم تنكة،كانوا يقتربون منه. عبأ التنكات، وانطلق أحدهم يغني:
- ع اليوم يا بقرتي لو انك ربيعية
لاحلب واملا القدح واسقي الأفندية.
بصق فايز مشمئزاً، حدق في تلة الإسمنت. لو كان البدوي يعلم أن الطفلة لرجل آخر يملك قطعان الماشية، أكان يدفنها أم يعود إلى زوجته يقتلها ويدفنها مع الطفلة! عاد العامل يغني وملأ له التنكة حتى كادت تفيض، استغرب العامل: ملأتها كثيراً يا رجل .. العمارة عالية!
- إمش .. هذا بدل الحليب يا مغفل. قهقه العامل:
- أوه يا رجل .. ماسك الدنيا من ذنبها انت.
كان الغبار يملأ حلقه. وكانت كومة الإسمنت تلتمع في بلادة تحت ضوء الشمس .. تحسس "شبريته".. وفكر أن يهجم على صاحب العمارة .. يسطح بطنه بالشبرية .. ومن ثم يهرول إلى قريته .. يكمن في مكانه الذي اختاره منذ ثلاث ليال قرب بيته. وطال الوقت .. تخشب حلقه .. وانطلقت الصفارة كأنها السهم .. ضج العمال مسرورين.. وانصرفوا.
- وين يا فايز .. البلد بعيدة . ما تنام هنا ما دام فراشك موجود.
- لا .. لازم اروح . ضروري.
والطريق إلى قريتك تحفي القدمين.
وهذه العصرية الخريفية العابسة تدفع إلى الجريمة .. وشبريتك الصدئة، سوف تنسحب الليلة من غمدها كي تذبح الملعونة، التي أشقتك هذه الليالي الثلاث الطوال .. العمال يهنأون بجوار سور المدينة .. يتسامرون .. وينامون في نسيم الليل .. وانت تنتظر في قلق قرب البيت، وخلف صف طويل من شجر الصبر .. ويوم تأتيها من المدينة في نهاية الأسبوع .. تضحك على عقلك بخداعها ، فتحسب أنها لا تحب أحداً غيرك .. وأنها لن تخونك أبداً .. لا من أجلك أنت ، وإنما من أجل أطفالها على الأقل .. وهي، كي تتمادى في تضليلك، لا تتردد في بيع البيض في السوق، ولا تنثني عن العمل في الحقول أيام الحصاد .. وأنت يا مغفل، تعتقد أنها زوجة الدهر التي تقف معك ضد الشقاء، وهي في الحقيقة تخونك في بيتك، وأطفالك نائمون بسلام .. اللعنة على النساء يستأهلن الدفن في الرمال .. وأحس مذاقاً رملياً في حلقه .. فتضايق، وتحسس شبريته .. لكن عبد الحميد ملعون أيضاً.. يحبس زوجاته الثلاث، داخل سور بيته العريق .. وإنني أقسم أنهن يخنه .. ولقد تحدث شباب القرية عن ذلك كثيراً .. وحلفوا أن زوجته الصغرى زكية، على علاقة مع راعي أغنامه ..
لعنة الله عليك يا عبد الحميد .. لا تريد أن تبعد شرك عنا .. ولكنك الكرم والشهامة والتقوى والعفة .. والكرم قطيع ماشية وأرض وزيتون .. والشهامة حبس الزوجات، والتقوى خمس صلوات، والعفة سطو على زوجات الفقراء في الليل.. وبصقتك هذه التي يملأها الغبار أشرف من عباءة عبد الحميد.
أطل على القرية.. وكان المساء يداعبها بحنان .. والرعاة يغنون وأجراس الماشية تطن بحزن:
واربطوا لـ (أبو علي) باب الحرم
واقتلوه بالشبرية يا أهل الزرم.
ولقد اعتادت القرية هذه الأغنية.. فلم يعد أحد يطأطىء رأسه حينما يسمعها تتردد على لسان أحد الرعاة .. وقبل عامين، كان الخزي يأكل القرية يوم هربت مريم مع (أبو علي) الرجل الغني من القرية المجاورة، بعد أن تركت زوجها.. والحال مع زوجتك ليست كحال مريم .. فهي ما كانت تحب زوجها .. وقد تزوجته غصباً عنها .. أما انت فقد أحببتها .. التقيت بها في الحقل قبل سبع سنوات..كانت تحصد بنشاط .. وفي المساء كنت تنتظرها عند العين، فأحبتك .. وتزوجتها .. والليلة، سوف تذبحها.
تمددت جثة الليل فوق القرية. وكانت ريح الخريف تنوح .. وكان سرب الصبر جامداً كأنه الموت .. وعبد الحميد سوف يأتيها الليلة .. وربما تذهب هي إليه في مكان ما .. وقد يأتي، ليتحدث معها قليلاً ، ثم ينصرف إلى ليلة أخرى .. ولماذا لا تقتله هو الآخر .. لكنهم يقولون: الرجل ماله .. ما فيها رجولة أن تذبحه .. أدّب المرأة التي في دارك يا نذل .. ولا تنس أن الرجل مثل الكلب، يتبع من يرمي له كسرة خبز .. لن تذبحه .. اذبحها هي فقط .. واشرب من دمها.. الخائنة، تخونك معه بالذات .. نسيت انك قبل سنتين تشاجرت معه .. وكنت تحصد في حقله .. حرضتَ الحصادين على المطالبة بأجر أحسن .. فصاح بك:
- بعدك يا أجرب ما شبعت اللقمة.
- أما انت ، ولدتك امك والخبز في يديك.
والله قلتها بشجاعة .. وحاول أن يضربك .. وانت حاولت دون أن تنكسر. تدخل الحصادون. وما عدتَ تكلمه .. وقبل ثلاثة أيام، يأتي إلى بيتك، وهو لا يعلم انك موجود، ولا يراك إلا يوم اصبح قرب الباب، يقف مبهوتاً، وينادي حليمة من خارج الباب .. وحجته مكشوفة لا تفوت على المجنون.
- حسين الدكانجي .. جاء عندكم؟
وترد هي عليه بصوت مائع .. ومن يومها، وقلبك يوجعك من ناحيته .. وفي الليلة الماضية يمر من الطريق القريبة من البيت، يجر عباءته مثل ذيل الذئب .. وأنت مختبىء خلف الصبر تترقب .. وفي الليلة التي قبلها، تفتح الملعونة باب البيت. وتقف في الساحة الترابية. تنظر طويلاً ناحية الطريق، ثم تعود ببلادة إلى البيت، وانت جالس تسهر، وهواء الخريف يجرح عينيك .. وشوك الصبر يلسع بدنك كلما اقترب منه.
وطال الليل.. وهلك من التعب.. اتكأ على الأرض.. ورأى عبد الحميد يتقدم كاللص، وعباءته فوقه كالشراع.. اقترب، تردد قليلاً، وغاص في الساحة الترابية. وكيف لا تذبحه، وهو يسطو على بيتك أمام عينيك. اذبحها هي يا نذل .. نذل .. زفت .. اذبحها واذبحه .. ودق على الباب.. انتظر يجوز انها نائمة يا عبد الحميد، سوف تصحو .. وتفتح لك.. دق ثانية، وانفتح الباب.. دلف عبد الحميد داخلاً كالعملاق. ونهض فايز.. انطلق عبر الساحة الترابية.. وأحس أن كتلاً من الرصاص تتشبث بقدميه .. فجأة وجد نفسه يطير، وإذا هو أمام البيت.. دخل واستل شبريته .. هرب عبد الحميد من النافذة .. طار فايز وراءه .. وأدركه فوق الساحة الترابية .. توقف عبد الحميد .. وصاح:
- لا تقترب .. أقتلك بالمسدس.
ذعر فايز.. وكان المسدس مصوباً نحوه.. حدق في شبريته. وإذا هي تصبح مسدساً.. أذهله الفرح.. ضغط على الزناد دون أن يتحرك.. ضغط بعنف ومشقة.. تحرك الزناد، ولم ينطلق الرصاص.. أحس بالعجز يقتل أنفاسه.. وهانت مصيبته حينما أصبحت الشبرية سيفاً طويلاً .. سقط المسدس من يد عبد الحميد، وكان السيف مزروعاً في خاصرته .. قال بذل:
- لا تذبحني .. أعطيك نقوداً كثيرة.
غضب فايز.. وطعنه في خاصرته.. صاح كالثور.. وانكفأ إلى البيت.. وجد زوجته مستلقية.. بحث عن الشبرية، فلم يجدها.. وكان في يده مقص كبير.. قص بطنها حتى رقبتها.. صرخت بعنف.. أفاق أولاده الصغار.. وانطلقوا يصرخون.. كانت الدماء تملأ البيت والساحة الترابية.. والناس يتحلقون من حوله بوجوه مرعبة.. صرخ مذعوراً وأفاق من غفوته.. فرك عينيه وأحس جفافاً في حلقه.. غلب عليك النعاس.. ونمت خلف الصبر.. وأصغى إلى ما حوله.. كانت الريح تئن، وسمع صراخاً ضعيفاً ينبعث من بيته.. إنها ابنته التي لا يزيد عمرها عن شهرين.. أحس حناناً عارماً يملأ صدره.. همَّ أن ينطلق إلى البيت يحتضن أولاده في محبة.. لكن زوجته نغَّصت عليه صفوه.. وقد لا تكون الطفلة منك.. وإلى متى تظل تنتظر.. وكيف تقوى على العمل طوال النهار.. وعيناك لا تذوقان طعم النوم.. أحس ضيقاً شديداً.. وكانت غيوم الخريف تهرب عبر السماء. تعال يا عبد الحميد .. أريد أن اخلص من هذه الورطة .. وتذكر حلمه المفزع .. ورأى الدماء تنزف كأنها خيوط من مار .. ورأى ابناءه يصرخون .. ويتسولون في الطرقات .. دون أن يشفق عليهم احد .. وكانت غصة تنمو في حلقه .. وكانت حياته مثل شوك الصبر .. وإلىمتى تسهر هنا .. الليلة القادمة .. والتي بعدها .. وطوال ليالي الاسبوع القادم .. وإلى مدى الحياة .. وعبد الحميد هاديء البال ، لا يأتي إلا حينما يشاء .. وماذا بعد .. ومالك بردت .. لن تذبحها إذن .. ولن تذبحه.. وكيف تنجو من هذا العذاب! وبرقت في ذهنه خاطرة .. نهض على الفور .. اخترق الساحة الترابية.. توقف لحظات وراء الباب .. نقر بخفة .. انتظر ودق على الباب ثانية، جاءه سؤال من خلف الباب:
- أنو أنت؟
لم يجب .. وفترة صمت مخيف .. دق على الباب ..
- أنو أنت يا خيي .. ماذا تريد في هالليل؟ قال بصوت هامس:
- أنا .. عبد الحميد .. افتحي.
لم تجب .. دق على الباب بوقاحة كأنه القدر .. وانقضت لحظة .. كانت نفسه مشتتة .. وفجأة ، سمع صرخة مفزعة تنطلق من داخل الغرفة .. أصابه الذهول . وكأنما انصبت فوقه تنكة ماء بار د . قال متلعثماً:
- لا تخافي يا حليمة .. هذا أنا، زوجك.
مرت دقائق .. وهدأ الصراخ. كرر في وضوح:
- هذا أنا فايز .. افتحي يا حليمة.
أضيء مصباح واهن .. وانشق الباب بحذر.. كانت في عينيه علامات ندم.. وفي عينيها عتب واتهام.
- كيف تجيء بعد منتصف الليل .. مالك عادة .. فيه سبب؟
ارتبط لسانه .. وأدرك أنها فمت كل شيء.
- لا.. قررت أن آتي وتأخرت.
- ولماذا غيرت اسمك وأنت تدق على الباب؟ خوفتنا .. لا، لا أصدق، في قلبك شيء، ماذا سمعت عني؟
أطرقت .. وبكت بعصبية .. أحس بلوعة.
_ لا تؤاخذيني يا حليمة.. ما في يدي حيلة.. والله أركن عليك.. ولكن، شيء يقلب الرأس.
نظرت صوبه.. ويبدو أنها قدرت موقفه.. رأى في عينيها زوجة وفية وأما حنوناً.. أطال النظر في عينيها.. وكان البدوي يمتطي حصاناً في الصحراء.. وسيفه يجرح الهواء.. وكان له في البيت بنات.. وكانت وجوه سادات القبائل كجلود الفئران.. أطل على وجوه أبنائه وهم ينامون في طمأنينة وهدوء.. أحس تلة كبيرة من الهموم تنزاح عن صدره.. ونام.

من كتاب "خبز الآخرين"
منشورات صلاح الدين/ القدس 1975
تاريخ الإدراج: 18 / 5 / 2007

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME