عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر صدرت المجموعة القصصية الجديدة "صورة شاكيرا" للقصصي الفلسطيني محمود شقير. تتميز المجموعة بأسلوبها الفني الحديث من حيث عدم تفرد الراوي في سرد أحداث القصة، وصنع الحوار فيها، وبنزعتها التهكمية التي تطفو على أغلب قصصها.

وإن كانت مادة القصص مأخوذة من واقع الإنسان الفلسطيني العادي فإنها ترقى، بكثافة الحدث فيها، إلى التحايل على هذا الحدث العادي، وجعله أداة رفض قوية لما يحدث من ظلم وقهر، وبتوجه حداثي يفسح المجال أمام فضاءات متعددة من التفسير والتأويل.

1 . صورة شاكيرا! لماذا هذا العنوان للمجموعة بالذات؟

_ سأبدأ بالاحتمال الأبعد. ذلك أن شاكيرا تنحدر من أصول عربية كما هو معروف، وقد أصبحت لديها بسبب هجرة أبيها من وطنه الأصلي، لبنان، وولادتها في المهجر، هوية مختلفة اكتسبتها من بيئتها الجديدة، وأكسبتها فناً لفت الانتباه إليها خصوصاً وهي تضمنه بعض قسمات الفن الشرقي، رقصاً وغناء. وكما تعلم فإن شاكيرا ليست مثالاً يتيماً في مسألة الهجرة والاغتراب، فثمة ملايين العرب الذين يتقاسمون معها هذه الظاهرة التي عايناها في القرن الماضي بكثافة، ويبدو أننا سنستمر في معاينتها في القرن الحالي، على رغم القوانين والإجراءات الصارمة التي تطبقها بعض الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية، لتقييد هجرة العرب والمسلمين إليها، بعد أن أفرط الإعلام الغربي في وصم هؤلاء وأولئك بتهمة الإرهاب.
غير أن هذا لم يكن هاجسي الأساس من وراء التسمية. الهاجس الأساس يقع في الالتباس المقصود الذي أوقعنا فيه الاحتلال الإسرائيلي الذي امتد وطال، فثمة محاولات دائبة لتغيير هوية المكان، وكذلك هوية الناس. أسماء الشوارع في القدس يجري استبدالها بأسماء إسرائيلية، وأسماء الناس كذلك يجري التطاول عليها فلا تبقى على حالها، سواء لدى تثبيتها في البطاقات الشخصية أو لدى التلفظ بها، كأن الغريب الذي يحتلنا يريد أن يشعرنا بأن رنين أسمائنا حينما يتلفظ بها مختلف عما تعودناه، ولكي أفصل الأمر على نحو أوضح، أشير إلى أن اسمي في الهوية الإسرائيلية الممنوحة لي، والتي بدونها لا أستطيع الإقامة في القدس، قد تحول من محمود شقير إلى محمود شقيرات، وحينما يتلفظ به جندي إسرائيلي أو أي مسؤول في أية دائرة إسرائيلية، فإنه يتحول بقدرة قادر إلى محمود شاكيرات، بتلك اللكنة التي تذكرك دوماً بأن ثمة غريباً يعطي لنفسه الحق في التلفظ باسمك على النحو الذي يريده، وما عليك إلا أن تنصاع له أو أن تسخر منه ولو بينك وبين نفسك، أو فيما بعد أمام أهلك وأصدقائك. ولقد اخترت في هذه المجموعة القصصية أن أسخر من هذا الالتباس الاحتلالي، فآثرت أن أجعل "شاكيرا" واحدة من بنات عائلة شاكيرات، لعل ذلك يسعف عمها الكبير في تدبير أمره مع سلطات الاحتلال للحصول على بطاقة هوية جديدة، بعد أن ضاعت بطاقة هويته التي منحتها له هذه السلطات.
علاوة على ذلك، فإنني أرى في هذا العنوان اشتباكاً من نوع ما، مع ما تطرحه علينا العولمة الأمريكية من إشارات لثقافة استهلاكية مسطحة تتخذ من بعض رموز الغناء والرقص والتمثيل والرياضة والإعلام وبرامج التسلية والترفيه، وسيلة لصرف أجيال الشباب عن الاهتمام بالمشكلات الحقيقية لهؤلاء الشباب أنفسهم وللوطن والناس، وإحاطتهم، من ثم، بأجواء زائفة مصطنعة، تفقر وعيهم وتسلبهم القدرة على رفض الواقع السائد والتمرد على قوانينه الجائرة.
يوحي عنوان الكتاب بأن ثمة تعاطياً مع ثقافة العولمة من خلال توظيف إشاراتها ورموزها، غير أن هذا التوظيف يذهب مذهباً مغايراً تماماً لما تهدف إليه هذه الثقافة، حين يجعل اهتمامه منصباً على ما يؤرق الناس، وعلى الانحياز إلى التفكير الإيجابي والفعل الخلاق، ولكن دون وعظ أو مباشرة أو افتعال.

2 . إضافة إلى ما ذكرت، هل توجد علاقة بين عنوان الكتاب ومكونات الثقافة الفلسطينية بشكل عام، والحديثة بشكل خاص؟

_ ربما، فالفلسطينيون ليسوا معزولين عن العالم، على رغم كل وسائل العزل والحصار التي يفرضها عليهم الاحتلال الإسرائيلي، خصوصاً حينما يتعلق الأمر بالإعلام المرئي والمسموع، وبالفضائيات التي تقتحم البيوت دون استئذان، وكذلك مواقع الإنترنت التي يزداد الإقبال عليها، والتي تسجل في حالة الفلسطينيين نسبة مشتركين أعلى من أقطار عربية عديدة. الفلسطينيون بشر مثل غيرهم من الشعوب، وهم على تماس مع الثقافة التي يجري الترويج لها عبر وسائل الإعلام الحديثة، وبالذات جوانبها الاستهلاكية المسطحة، التي يقبل عليها الشباب دون تردد، وكأن في ذلك تعبيراً عن حاجة الفلسطيني إلى حياة طبيعية، وعن ضيقه من حالة الحصار المستمرة المفروضة عليه، التي تحرمه من كل المتع اليومية ووسائل التسلية والترفيه التي يحظى بها الشباب في مختلف بقاع الدنيا.

3 . صورة شاكيرا.. مقعد رونالدو، كأنك تحاول أن تقول شيئاً ما عن علاقتنا الثقافية بأمريكا اللاتينية!

_ علاقتنا الثقافية بأمريكا اللاتينية محدودة جداً، إنها لا تتعدى النخبة المثقفة وجمهرة محدودة من القراء الذين يتابعون بعض كتاب أمريكا اللاتينية عبر الترجمة. إن ظاهرة شاكيرا ورونالدو لا تشير إلى ثقافة أمريكا اللاتينية، بقدر إشارتها إلى إعلام العولمة الذي يصنع النجم الفرد ويعلي من شأنه ويجعله مثلاً يتعلق به الجمهور حد العبادة، والوله المنفلت من كل حساب للمشاعر، وذلك على حساب قضايا أخرى حساسة تحتاج إلى العقلانية والنظر العميق الجاد. أنا لا أنشغل بالحديث عن تفاصيل حياة هؤلاء النجوم قدر انشغالي بالحديث عن تفاصيل حياتنا وهمومنا، لكن هذا المزج والتقابل والتعايش وتبادل التأثير، وخلط الواقعي بالخيالي الذي تعثر عليه في قصصي التي تحمل أسماء هؤلاء النجوم، يقود المتلقي إلى حالة من التأمل ومن التفكير في أوضاعنا التي تصل حد السريالية حيناً، والضحك المبكي انسجاماً مع القول المأثور: شر البلية ما يضحك! حيناً آخر.

4 . استطراداً لما قلت، هل أصبحت حداثة النص تستوجب حداثة الأسطورة، وحداثة الرمز أيضاً؟

_ هذا السؤال يقودني مباشرة إلى التأمل في هذه النقلة الجديدة التي أدعي أنني أنجزتها في هذه المجموعة القصصية. فأنا ما زلت كاتباً واقعياً بوجه الإجمال، أستمد مادتي الإبداعية من الواقع الذي أعاينه وأعيش في ظله. لكنني، وبعد إعادة النظر في تجربتي الإبداعية على امتداد السنوات الأربعين الماضية، وجدت أنه لا بد من التخلي عما هو خاطئ من أدواتي السابقة في فهم الواقع وفي التعبير عنه فنياً، خصوصاً ما يتعلق منها بتغليب الإيديولوجي على الفني في بعض كتاباتي السابقة، وما يستتبع ذلك من ذهابٍ إلى الواقع وفقاً لفكرة مسبقة عنه، ومن قولبةٍ للشخصيات القصصية وتنميطها، ومن توظيفٍ للعمل الأدبي على نحو مباشر أو شبه مباشر للإفصاح عن رسالة سياسية محددة قد يضطلع بها مقال جيد. لم أعد معنياً بتكريس القصة القصيرة لأداء مهمة سياسية مباشرة، استجابة لذلك الفهم السطحي لوظيفة الأدب، باعتباره عنصراً فاعلاً في المعركة! ولم أعد معنياً بسرد معضلات الواقع المباشرة التي يمكن أن ينهض بها تقرير صحافي أو جولة لكاميرا التلفزيون. أصبحتُ أكثر اهتماماً برصد الأثر الداخلي الذي تتركه مشكلات الواقع على النفس البشرية، دون أن أحرم القارئ من إشارات غير ثقيلة وغير مملة لبعض جوانب هذه المشكلات، وفي الوقت نفسه تحقيق قدر عالٍ من متعة القراءة التي يوفرها عنصر السخرية، التي تتضافر مع عملية إطلاق العنان للخيال الإنساني، الذي يسعى إلى خلق واقع فني موازٍ، قادر على كشف الخلل في الواقع السائد، ما يستدعي حالة من الاستعداد النفسي لرفضه أو لعدم الرضى عنه وللتذمر منه في أسوأ الحالات.

5 . هذا ينقلنا إلى الكلام على بعض الجوانب الفنية في المجموعة: هناك تنوع في الفكرة والأسلوب بشكل عام، وثمة نزعة تهكمية ساخرة في بعض القصص، وواقعية جدية في بعضها الآخر.

_ النزعة التهكمية الساخرة هي نتاج الواقع المر الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال، وهي أسلوب في الكتابة التي تتعالى على جراح الواقع، ليس لجهة الهروب من مواجهته، وإنما لجهة تركيز الانتباه على ما يشتمل عليه هذا الواقع من انحراف عن أبسط معايير حقوق الإنسان والكرامة البشرية، ولتحقيق هذا التركيز لا بد من وضع الآخر_ الجلاد تحت مجهر الفن لفضحه ولتبيان خطل تصرفاته وللسخرية منه في الوقت نفسه، والاستهانة به وبكل إجراءاته القمعية، وفي ذلك تعزيز للروح المعنوية للناس العزّل الذين يتصدون للاحتلال. ويستلزم هذا الأمر كما أعتقد، ليس السخرية من الآخر والتهوين من شأنه وحسب، بل السخرية من الذات كذلك، السخرية من نواقص الذات وأخطائها، وذلك لجهة التخلص من هذه النواقص والأخطاء، ولخلق حالة جديدة وروح معنوية تمكننا من الاستمرار في الصمود فوق أرضنا. وفي هذا الصدد ينبغي التنويه بأن اللجوء إلى السخرية، يتم انطلاقاً من سرد قصصي بعيد عن المبالغات الرنانة والشعارات المباشرة، بحيث تتحقق متعة القراءة ويتحقق في الوقت نفسه هدف إنساني ونضالي، جراء الكتابة التي تتفاعل مع قارئها وتصل إلى أعماق وجدانه.
فيما يتعلق بالقصص الأخرى الجادة التي اشتملت عليها المجموعة، فلا بد من القول إنها نتاج فترة سابقة على القصص الساخرة التي كتبتها في السنتين الماضيتين، أي بعد أن بلغ سيل الاحتلال الزبى كما يقال، وقد وجدت أن لا ضير من وضعها في كتاب واحد مع هذه القصص، كونها تشترك معها في بعض الملامح الأسلوبية وفي الدلالات الاجتماعية والانسانية التي يشتمل عليها الكتاب بوجه الإجمال.

6 . إلى ماذا يشير الراوي المزدوج في عدد من قصص المجموعة؟

_ لعله أن يشير إلى الرغبة في إنهاء هيمنة الراوي كلي المعرفة، الذي عوّدنا على احتكاره للسرد وللحقائق التي يفصح عنها للمتلقي. الراوي الآخر الذي يحقق تدخله في النص من خلال الأقواس، يدحض آراء الراوي الرئيس حيناً، ويقوم بالإفصاح عن معلومات وحقائق لا يعرفها الراوي الرئيس حيناً آخر. إن في ذلك تأكيداً على تعددية المواقف التي يحتملها النص، وعلى أن للحقيقة أوجهاً مختلفة، وفي ذلك تنبيه للمتلقي بألا يأخذ كل شيء على اعتبار أنه حقيقة مسلم بها، ولا بد للمتلقي نفسه في هذه الحالة، من إعمال فكره في النص لكي يسهم في إغنائه بما يثيره النص فيه من مشاعر وانفعالات.

7 . إضافة لذلك: الراوي الذكر في بعض القصص مرتبط في الجملة نفسها، أو في الفقرة نفسها بالراوي الأنثى. هل هذا ابتكار مؤسس لرؤية جديدة في النص القصصي عند محمود شقير خاصة، والنص القصصي عموماً؟

_ لا أدعي أن هذه التقنية من ابتكاري، فقد استخدمها كتاب آخرون. ولعلك تشير تحديداً إلى قصة "الاحتفال" التي تتناوب على السرد فيها ثلاثة أصوات، صوت الراوي الرئيس الذي يتولى السرد الخارجي، والصوت الداخلي لكل من الرجل والمرأة اللذين التقيا بعد فراق طويل. أعتقد أن هذا التناوب على السرد والتداخل بين الأصوات الثلاثة يؤكد على تعددية المواقف التي أشرت إليها آنفاً، كما يسهم في إثراء النص القصصي جمالياً، وفي خلق تنويعات على السرد القصصي الذي ينبغي له أن يغتني باستمرار.

8 . تأثير القدس، أو وجودك في المدينة، واضح في بعض القصص، مثلاً: حديثك الدائم في هذا العمل وفي أعمال سابقة، عن مبنى وزارة الداخلية الإسرائيلية! هل توثق أدبياً لصراع المدينة، وتخصها باهتمامك أكثر من سواها؟

_ القدس تتعرض لعملية تهويد منهجية، وأنا لا أحاول التوثيق. للتوثيق شروط أخرى ووسائل أخرى، ومع ذلك فإن النص الأدبي في مرحلة اجتماعية وتاريخية معينة، قد يُنظر إليه في زمن لاحق باعتباره وثيقة أدبية تفضح تلك المرحلة أو تفصح عنها أو تشير إليها. ما يعنيني الآن أن أنزل القدس من عليائها باعتبارها مثالاً مجرداً يتغنى به الفلسطينيون والعرب والمسلمون والمسيحيون، وباعتبارها أرض المحبة والسلام، أرض الديانات والتسامح والوئام، مدينة التعددية والتاريخ العريق، وفي كل هذا الذي ذكرته نصيب كبير من الصحة، غير أن التغني به وتجاهل الواقع الفعلي للمدينة قد يودي بالمدينة نفسها ويلقي بها في مهاوي التهويد والتبديد، كما يلقي بمواطنيها الفلسطينيين في هاوية الضياع وانفلاش الهوية وتمزيقها. أنا معني بالتحدث عن القدس باعتبارها مدينة واقعية قد تغدو بعد سنوات قليلة مدينة أخرى غير المدينة التي في الأذهان. وكذلك الأمر بالنسبة للفلسطينيين الذين يقيمون فيها، فهم ليسوا أبطالاً منزهين عن النواقص والأخطاء، إنهم بشر يصيبون ويخطئون، وبينهم الجيد وكذلك الرديء، وثمة واقع جديد يفرض نفسه عليهم، حينما يجدون أنفسهم مضطرين إلى التعامل اليومي مع دوائر ومؤسسات إسرائيلية، ومع قوانين إسرائيلية لا يمكنهم تجاهلها إذا ما أرادوا الاستمرار في الإقامة في مدينتهم وبالعيش فيها، كل تلك التفاصيل ما زالت غائبة مغيبة عن الأدب الفلسطيني، لأننا نحاصر أنفسنا في أحيان كثيرة، بكتابة تضع لنفسها معايير ضيقة تجاوزها الزمن.

9 . إذن، ما الذي تعكسه هذه المجموعة على صعيد الثقافة الفلسطينية الحديثة؟ أو النص الفلسطيني الحديث؟

_ أحاول الذهاب إلى كتابة فلسطينية حديثة، تلقي الضوء على مناطق جديدة في التجربة الفلسطينية المعاصرة، وعلى الحياة اليومية بكل ما فيها من سيء وحسن، كتابة تنأى عن البلاغة الزائدة وعن إثارة عواطف الشفقة والرثاء واستمطار شآبيب الرحمة على الفلسطينيين، كتابة تمارس ضبطاً للعواطف، وتعمل على إذكاء الإحساس وفتح الأعين بطريقة جديدة مسكونة بعناصر الحيوية والطزاجة والتفرد وعدم التكرار، (لست أدعي بأنني حققت ذلك بتمامه وكماله، وإنما هذا هو طموحي الذي أصبو إليه) كتابة تعبر بصدق عن جوهر الواقع الفلسطيني، وتكشف دون تردد عيوبنا باعتبارنا بشراً لا ملائكة. إن الإشفاق على الفلسطيني بحجة أنه منشغل بمقاومة المحتلين، وبذلك لا تجوز تعريته ولا كشف نواقصه، إنما يسهم في تزييف صورة الفلسطيني، وفي تحويله إلى نمط أو مثال بلا روح. الفلسطيني المقاوم أو الصامد على أرضه هو إنسان، من حقه أن يقاوم وأن يصمد ومن حقه في الوقت نفسه أن يحب، وقد ينطوي هذا المقاوم أو هذا الصامد على كره لجاره أو على مشاعر قد لا تكون منسجمة مع شخصيته المقاومة أو الصامدة، لكنه بشر مثل غيره من البشر، والنفس البشرية تحتمل الكثير من النزعات والمشاعر والتقلبات، فلماذا نختزل التجربة الفلسطينية ونحولها إلى شعارات أو وصفات جاهزة؟ ثمة حاجة ماسة لإخراج الأدب الفلسطيني الحديث من إطار النمطية والنموذج المعروف سلفاً، ومن إطار النص المتفق على مضمونه قبل أن تجري كتابته. من حقنا أن نكتب عن امرأة حقيقية، لا يذهب النقد إلى تأويلها باعتبارها الأرض السليبة أو فلسطين المغتصبة، فذلك أدعى إلى احترام إنسانية الفلسطيني، وإلى إغناء أدبه وتطوير فكرته عن العالم وفي الوقت نفسه تطوير فكرة العالم عنه.

10 . أستشف من إجابتك أن هذه المجموعة تحاول أن تفلت من قبضة التأريخ السردي لما يحدث في فلسطين، هل تؤكد ذلك؟ كيف؟

_ إنها تحاول الإفلات من ذلك بالفعل. وكما قلت آنفاً، فأنا لست معنياً بالتأريخ السردي. يمكن لجمهرة من الباحثين أو الصحافيين أو المكتبيين أن يقوموا بإنجاز أرشيف ضخم، لما يحدث على أرض فلسطين من مجازر ومذابح وعمليات قتل واعتقال، تطال النساء والأطفال والشباب والشيوخ، ويمكن توثيق كل ما له علاقة بمصادرة الأرض وبناء المستوطنات وإقامة جدار الفصل العنصري، وإحكام الحصار على الناس بالحواجز الثابتة والطيارة وبأوامر منع التجول وفرض الحصار الشامل، والاعتداء على المقدسات والأماكن الأثرية والتاريخية، وإفقار الحياة الثقافية للفلسطينيين باعتبار ذلك جزءاً من تبديد هويتهم وطمسها، وغير ذلك كثير. وأقول لك إنني وأنا أكتب قصصي أحقق استفادة فنية من هذه الوقائع التي أعايشها وأحياها، غير أنني لا أورط نفسي في إعادة سرد ما يعرفه القارئ، وهنا تقع مهمتي بالضبط، وهي الأصعب: النظر من زاوية جديدة تشتمل على قدر من الإدهاش لهذه الوقائع أو لأجزاء يسيرة منها ووضعها في إطار رؤية فنية، تسخر من ممارسات الاحتلال، وتستبطن أثر الوقائع على نفوس الفلسطينيين وتسلط الضوء على آلامهم وأحزانهم، وعلى تصميمهم على الصمود وعدم الاستسلام لإرادة المحتلين.

11 . هل أستطيع الإدعاء بأنك في بعض القصص تؤرخ لسيرتك الذاتية؟ (المعلم الذي درّس في أكثر من موقع، الحزبي السري الذي تنقل في أكثر من مكان في الوطن)

_ هذا ممكن، وأعترف أن في كل قصة من قصصي جزءاً مني، وفي اعتقادي أن مثل هذا الأمر ضروري لإبداع الكاتب، أي كاتب. غير أن هذه الشذرات من السيرة الذاتية ليست مقصودة لذاتها، إنها لبنات في بناء قصصي يهدف إلى تجديد إحساسنا بالعالم وبالأشياء من حولنا، أو إلى استبطان حالة شعورية يمكن تعميمها لكي تصبح جزءاً من الحصيلة الثقافية والشعورية للمتلقي، الأمر الذي يسهم في تعميق تجربته وتحقيق التواصل بينه وبين ما يقرأ، وكذلك، تحقيق وظيفة الأدب في نقل التجربة البشرية وحفظها وتعميها وإغناء حياة الناس المعنيين بها.

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME