مهاجر


المرأة تغني من كوة في الباب: القدس من ذهب، فكأنما يتأكلها الحنين إلى حياة الليل في الخارج، والشرطي الذي اجتذبته موجة الهجرة الأخيرة، يعلن خطوه الثقيل في باحة السجن، يتوقف أمام الزنازين، يراقب من الكوى الضيقة رجالاً يرسفون في قيودهم، ثم يبتعد أمام وطأة عيونهم التي تخترق الكوى، يتمشى في الباحة وهو يؤنب نفسه، ويحلم بأمسية هادئة على بحر بعيد مع امرأة يلتقيها صدفة في الطريق.


والمرأة تغني من كوة في الباب ثم تصيح: أيها الشرطي المنتصر أعطني سيجارة من فضلك! يناكفها عن غير قصد: اخرسي أيتها الزانية القادمة من وراء البحار.
المرأة تكف عن الغناء، تشتم أم الشرطي بلغة الإيديش دون اكتراث، ثم تصمت، يزحف الليل بطيئاً، والشرطي ينوء تحت وطأة الوظيفة وعبء الانتصار والعيون التي تخترق الكوى بحثاً عن وطن.

أرغفة


زنزانة ضيقة، ضوء باهر في السقف، بطانية ممزقة تفوح منها روائح كريهة. منذ أغلقوا عليه الباب الحديدي وهو يجيل النظر في ما حوله بفضول، ويلوب في مساحة مترين مربعين دون أن يهدأ أو يستقر.
قرب الركن، رغيف محشو ببعض قطع البندورة، يلمس الرغيف في حذر، يختلط سائل البندورة مع لبّ الرغيف: إنها لزوجة تثير الأعصاب. ثمة شخص آخر كان هنا. أين مضوا به؟ ولماذا لم يأكل طعامه؟
يحاول أن ينام، يؤرقه منظر الرغيف الصامت، والضوء المنبعث من مصباح السقف، يخفي الرغيف تحت السرير. يدفن رأسه تحت البطانية، فلا ينام لأن ثمة رغيفاً محيراً لا يبوح بأي كلام.
في الصباح، يحضرون له رغيفاً مشابهاً، يحاول أن يقضم من طرفه لقمة، لا يقوى على ابتلاعها. يتقيأها، يضع الرغيف تحت السرير. ثمة الآن رغيفان ورجل وحيد في الزنزانة.
ثم يأتون، يقتادونه إلى الخارج، والرغيفان يصغيان في ارتياب، ويتشممان مثل أرنبين مذعورين رائحة الخطر من وراء الباب.
في الصباح التالي. كان ثمة ثلاثة أرغفة وبركة دم على بلاط الزنزانة، ولا أحد فوق السرير.

رحيل


تخرج من تحت الماء على صافرة السفينة وهي تهذي: لو أن المدينة بلا ميناء. ترتدي فستانها فوق اللحم على عجل، تركض في الشارع المليء بالأنقاض ودم الضحايا الذي جففته الشمس وهواء البحر المالح، فقد ذكرتها السفينة أن موعد رحيله القسري قد حان.
يركض مبتعداً عن الميناء، وسط دهشة المقاتلين وحزن النسوة في الشرفات، يركض وهو يهذي باسمها البريء، فقد جاء هذا الرحيل قبل الأوان.
تنوح صافرات السفن وهو مختبىء في ظل صدرها، تهديه خصلة من شعرها، ثم يتعاهدان على اللقاء بعد انتهاء الحروب.
ها هي ذي السفينة تمضي به فيما تنتظره حرب لا يدري بها، حرب ليست هي الأخيرة على أية حال.

زيارة

في العيد الأخير، الذي جاء بعد المذبحة الأخيرة، نجلس في الصمت الثقيل نهدهد الأحزان. يدخل الشهداء علينا واحداً واحداً، ولا يسلمون علينا. يجلسون على المقاعد وهم في الأكفان.
تدخل المرأة الثكلى مملوءة بالسواد، تصب القهوة المرة من إبريق النحاس، يتصاعد البخار من فناجينها الكئيبة، ترتعش منا الأيادي والقلوب.
نشرب القهوة ونحن نتمتم بكلام خافت حزين، والشهداء قابعون هناك في أكفانهم، كأنما لا يعنيهم الأمر، ثم، فجأة، يغيبون.

تاريخ الإدراج: 29 / 4 / 2007



Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME