كان يتوارى قرب المنعطف بعيداً عن موقف الباص، يسترق النظر إلى الناس المحتشدين عند الموقف، ويتمنى بصوت مسموع ألا يأتي أبوه ليقف على الرصيف، فتلك عادته، ما إن يسمع زامور الباص حتى يهرع إلى الرصيف صحبة نفر من أهل البلد، يقعدون فوق حجارة الرصيف، يدخنون، ويرمقون الناس الذين يتأهبون للذهاب إلى المدينة بنظرات توحي بالغيرة،

فأبوه نادراً ما يذهب إلى المدينة، لأنه لا يملك زيتاً أو زيتوناً يبيعه هناك، كما أنه يشتري ما يلزم البيت من دكانة البلد.. وكان هو الآخر يتشوق لرؤية المدينة ولو مرة واحدة، كي يرى العجائب التي يتحدث عنها الأولاد، ولكي يلتهم من مأكولات المدينة اللذيذة .. خبز مدني، كنافة.. وكباب.. وكد ذهنه ليتذكر كل ما تتوق إليه نفسه. وفجأة داهمه صوت:
- توفيق الفار .. تريد أن تمدن!
حدق توفيق في الصبي، وأدرك أنه يتحرش به .. قال متكلفاً اللامبالاة:
- لا.. أريد أن أسرح إلى الزيتون.
- كذاب.. والله سوف أقول لأبيك.
هز توفيق أصابعه متوعداً.. ودوى زامور الباص، دبت الحركة في أوصال الناس، وأخذ توفيق يتمشى في عصبية، همّ أن ينطلق ويندس داخل الباص.. أطل أبوه على الرصيف، يداه معقودتان وراء ظهره وعيناه تتفرسان الركاب.. أجفل توفيق وانفلت يعدو في المنعطف حتى توارى خلفه.. ولما تناهت إلى أذنيه جلبة الباص، تحسس جيب بنطاله وكان فيه ثمانية دنانير.. قبضها أمس أجرة قطف الزيتون، وحينما سأله أبوه:
- بعدك ما قبضت يا ولد؟
- قال لي بعد يومين إن شاء الله.
كان يحلم بالذهاب إلى المدينة، ولذا فقد كذب على أبيه. أطل الباص من المنعطف.. لوّح توفيق بكلتا ذراعيه وصاح:
- يا رب اجعله يقف!
تجاوزه الباص بضعة أمتار، وفيما هو يناول السائق ثمن التذكرة كانت ابتسامة عصبية جافة ما تزال معلقة فوق شفتيه.. ارتفع صوت من داخل الباص:
- وين يا ولد؟ نزله يا عمي.. هذا هارب إلى المدينة، وأبوه يغضب إن درى.
وبينما توفيق يجلس في المقعد الخلفي، التفتت اليه امرأة:
- يا خالتي السيارات يدهسنك.
حدق توفيق عبر الزجاج.. أشجار الزيتون تتراكض، والقرية تذوب رويداً رويدا.. كان الباص يشخر بمشقة، وهو يصعد الطريق مخلفاً وراءه سحابات قاتمة، راح توفيق يتسلى بتوزيع نظرات متكاسلة على الركاب.. بعضهم منكسرو الأعناق، والشيخ ذو اللحية المنفوشة يتمتم.. وامرأة تحدث جارتها بصوت حاد.. ذلك الرجل! انتفض توفيق.. إنه أبي.. حدق ثانية ومط عنقه، وعاوده الهدوء حينما أيقن أنه ليس أباه.. أبوه ظل في القرية، وإذا لم يسرح اليوم لقطف الزيتون، فهو ما زال على الرصيف يدخن ويثرثر.. وربما عرف أني مَدّنْت.. خليه يعرف.. سوف أصرف وانبسط.. قال، حينما تقبض الثمانية دنانير يا ولد، سوف نسدد للدكانجي أربعة ونشتري للدار كيسين طحين.. أيه.. كل الأولاد زاروا المدينة، وأنا طول عمري اقطف زيتون وارعى عجول واحصد.. والله هذي ليست معيشة.. وعلى جانبي الشارع الواسع أعمدة تنتشر فوقها أسلاك.. وثمة سيارات كثيرة لامعة، وشوارع متقاطعة، ذلك ولد يعبر الشارع فوق دراجة.. وعمارات تحير الإنسان تتصدرها واجهات زجاجية باسمة، ونساء.. أثوابهن لا تكاد تستر أجسادهن، يتخطرن فوق الأرصفة.
كان الباص يزحف في بطء ورؤوس الركاب منتصبة والأحاديث توقفت، والعيون تراقب.. تحسس توفيق جيبه، أخرج الأوراق النقدية وصرّ عليها منديله.. إذ يا ما تحدث أهل البلد عن الناس الذين ينسلون نقودك مثلما تنسل الشعرة من العجين. انطفأت حركة الباص.. وهبط توفيق، دفعه إحساسه بالوحشة أن يلتصق بأهل بلده.. لكنه مضى وحيداً حينما رآهم يندسون في الشوارع غير عابئين. التقت عيناه بوجه امرأة، وسرعان ما نكس رأسه إلى الأرض.. وقرر ألا ينظر في وجه أية امرأة.. لأنه يمكن أن تكون إحداهن من "بنات الحلال".. ومن يستطيع أن يخلصه من شرها آنذاك! قد تلاحقه أينما اتجه حتى تقوده أخيراً وتنهب نقوده وتذيقه الويل.. وأهل البلد حتى اليوم لم ينسوا ما جرى مع ابن صابر، حينما جرّتْ رجله واحدة من بنات الحلال، وأخذت كل نقوده، ثم ضربته بالقبقاب حتى أعمت بصره.. مرّ ببائع يصيح:
- برّدْ يا عطشان.. تمر هندي، ليمون يا عطشان.
- بكم الكأس؟
- بنصف قرش.
شرب توفيق كأساً أصفر.. وبعد أن مشى خطوات عاد وشرب كأساً أحمر.. وانطلق منتعشاً.. ومضى يبحث عن مطعم يتناول فيه فطوره.. توقف أمام محل، وحدق بإمعان ليفهم شيئاً: فالرائحة رائحة لحمة من دون شك.. ولكن لماذا يدسون فيها هذا القضيب الدوّار.. ارتسمت على شفتيه بسمة ساذجة.. والله ان لحمتهم هذه مثل سياخات القطين في بلدنا.
- ما هذا ياعمي؟
- شاورما يا ولد.. غريبة يعني.. من المريخ قادم انت!
- لا.. من بلدنا.
- تشرفنا .. أأمر..
وهو يشرب كأس الشاي الثالثة في المقهى.. حانت منه التفاتة إلى حذائه العتيق، كانت ساقاه تندسان داخله كأغصان التين العارية.. سوف أشتري حذاء، وزوج جرابات، طول عمري ما لبستهن.. وأنا بحاجة إلى بنطال جديد.. و.. نهض بعجلة، واكتسى ثياباً جديدة من قمة رأسه إلى قدميه.. وأحس أنه بحاجة إلى نظارة، اشترى نظارة، وشعر بأنه أصبح مثل أهل المدينة.. وحينما يعود إلى القرية فسوف يناديه الناس: توفيق افندي.. ولا بأس من أن يخبر أهل البلد، بأنه لم يذهب إلى المدينة عبثاً وإنما بحثاً عن وظيفة محترمة، وأنه سوف ينتظر بضعة أيام حتى يتصل أهل المدينة به، ومن ثم يغادر البلد نهائياً!
كان يتابع صبياً يزعق جذلاً فوق دراجة. وانطلق بهمة يبحث عن محل يؤجر الدراجات.. وبعد مشقة، وقف أمام المحل.. ومعه رزمة فيها ثيابه القديمة، ولم يتجاسر على استئجار دراجة، لأنه طوال عمره لم يمتط ظهرها.. اندحر في زاوية الشارع يراقب الصبيان، يقفزون فوق الدراجات دون خوف، ينطلقون في صخب.. أحس بالغيرة منهم، فبعضهم من أبناء جيله، وآخرون يصغرونه في السن، ولكنهم جميعاً كالقرود الرشيقة.. حاول أن يعزي نفسه فتمتم:
- أي والله إن أي واحد منهم لا يجرؤ على ركوب جحش ابو سعيد.. سوف يسقطون عنه بالتأكيد، لأنه شموص ورفّاص.. أما أنا.. وقرع سمعه صوت جاف:
- ماذا تعمل عندك يا ولد؟ صارلك ساعة واقف.. أمر!
- أريد أن أركب دراجة.
- وهل تعرف ركوب الدراجات.
- والله أعرف.. تعلمت على دراجة عيسى الحاج.. ابن بلدنا. علق صاحب الدراجات بخبث:
- ها.. دراجة عيسى الحاج.. الشاب الطويل الأسمر.. أين هو اليوم؟
- أي والله.. طويل اسمر يشتغل مكوجي في البلد.. هل تعرفه؟
- أُقْصُدْ.. الله يسهل أمرك، خلينا ندير شغلنا.. اذهب إلى عيسى الحاج ابن بلدكم!
اندحر توفيق مكتئباً.. أخونا يفكر أنها صنعة صعبة، ولا يجب أن يتعلمها غيره وغير اولاد مدينته.. أما ان شاء الله، تبصره عيني يوماً في بلدنا، سوف أتحداه إذا استطاع أن يثبت نفسه فوق جحش ابو سعيد.
تيقظ على حركة الناس تتضاءل في الشوارع، والشمس تختفي وراء أبنية المدينة.. دهمه شعور العودة إلى قريته.. فها هو قد عاش يوماً حافلاً.. وسوف يحكي لأولاد البلد عن كل شيء في المدينة، أسرع إلى موقف الباص.. وفي طريقه تذكر أهله.. دخل محلاً لبيع الحلويات، واشتري نصف رطل من البقلاوة.. لم يجد الباص، فقد غادر المدينة منذ زمن، ولم يكترث توفيق وابتسم حينما راودته فكرة بأن يركب تاكسي إلى البلد.. قال للسائق:
- أعطيك نصف دينار.
- ولا يمكن، دينار صحيح، الأمانة.
انطلق التاكسي يعبر الشوارع.. وعلى طريق البلد، كانت الشمس تزحف إلى المغيب.. صفراء ذابلة. أحس توفيق مشاعر غامضة: أبوه الآن يضرب كفاً على كف وأمه تلطم خديها.. صرف القرشين ملعون الوالدين، وتركنا بالقلة.. كان ينبعث من التاكسي أنين فاتر.. كيف يقابل والده بعد أن بذّر أربعة دنانير! وبدأ الندم يتوغل في أعماقه.. وكلما اقترب التاكسي من البلد كان توفيق يمعن في تأنيب نفسه: ليته لم يذهب إلى المدينة.. ولماذا لم يحسب حساب العاقبة، فأبوه الآن يكاد ينفلق من الغضب، سوف يلمُّ أهل البلد كلهم على تعزيره. توقف التاكسي، فتح السائق الصندوق الخلفي، وارتفعت قرقعة آلات.. كان توفيق يراقب السائق وهو يفك العجلة.. التمعت في ذهنه خاطرة خبيثة.. فالقرية لم تعد بعيدة.. وبوسعه أن يهرب دون أن يحس به السائق.. ألقى نظرة حذرة صوب السائق.. كان منهمكاً في تركيب عجلة جديدة.. دسّ يده داخل السيارة، وحينما انفجرت قرقعة مزعجة نفض يده مذعوراً، ولما اطمأن إلى أن السائق ما زال منشغلاً، دس يده وأخرج الصرة. وانذهل حينما سمع السائق يتمتم وهو ينهض:
- ملعون أبوها من ورطة.
قذف الصرة داخل السيارة، وقال السائق:
- اطلع يا أخي.. انتهينا.
كانت تتلوى في نفس توفيق مشاعر مؤلمة، ومع الغروب أطل على القرية.. كان الأولاد يلعبون فوق الطريق.. وحينما أبصروا التاكسي اندفعوا صوبه متصايحين.. حدقوا بداخله.. وانطلقت أصوات مندهشة:
_ يا الله .. توفيق الفار راكب تاكسي.
_ يا عين النبي.. ولابس نظارة مثل الأفندية.
ورغم ما ساوره من قلق إلا أنه ابتسم.. وأحس أن أهل البلد سينظرون إليه بإعجاب حينما يعبر الزقاق، ومن يدري، فربما أعجب به أبوه أيضاً.. وقد يكون هو واهماً. إذ يمكن أن يكون أبوه غير غاضب، ولا يجد غرابة، إذا ما ذهب ابنه إلى المدينة يشم الهواء.. اقترب من البيت وكان أبوه يجلس على المصطبة عابساً، وحينما دخل الحوش.. انتفض أبوه محتداً:
- أهلا وسهلا والطريق معزلة.
انصلب توفيق في الحوش، اقترب أبوه بخطى مريبة وحدق فيه بذهول:
- صرت أفندي يا ملعون الوالدين.. ولابس نظارة!
رمى توفيق رأسه في الأرض.. وكان أبوه يتحفز:
- أين قضيت يومك؟ قل لي! مالك انخرست؟ هات ثمانية دنانير.
عدّ النقود ثم صاح:
- أربعة دنانير يا قبرت أهلك! أين الباقي؟ نعيش بدون مؤونة هذا الشهر!
قبض على النظارة وحطمها:
- صرت افندي! نظارة.. وقميص.. وبنطلون!
انذهل توفيق حينما رأى النظارة تتحطم.. قال بعصبية:
- كسرتها! هذا لا يصح يا رجل.. مالك!
انهالت على وجهه صفعة.. حلّ أبوه حزامه الجلدي ورفعه فوق رأسه:
- ولك لسان يحكي! أخرج من هنا.. والله لن تظل في داري!
قذف توفيق ما في يديه.. واستدار هارباً.. وأبوه يتبعه معربداً.. وعتمة المساء تأكل جوانب الزقاق.
من كتاب "خبز الآخرين"/ منشورات صلاح الدين/ القدس 1975
تاريخ الإدراج 24 / 4 / 2007

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME