كانت تنطلق صوب سوق العطارين. وليس ثمة غير أشخاص قلائل يتحركون بعجلة، وأجسادهم تنكمش تحت وطأة برد الصباح، وأغلب المحلات التجارية لم تفتح أبوابها بعد.. وجوانب السوق غاصة بالبائعات، اللواتي سرين من القرى منذ الفجر..

أنزلت سل العنب عن رأسها، ووضعته أمامها في فسحة على أرضية السوق.. قرفصت وكانت حركة السوق تشتد كلما ارتفعت الشمس، وهي ترنو صوب الغادين والرائحين، والتفاؤل يملأ صدرها.. وبين الفينة والأخرى تحدق في سل العنب، تنشّ عنه الذباب.. ثم تتسلى بترتيب القطوف وإبرازها بشكل أخّاذ.. باعت عنباً ببضعة قروش. وكانت جلبة السوق تصدح من حولها في صخب لذيذ.. وفجأة، وقع نظرها على رجل أنيق، معتدل القامة، يحدق فيها من زاوية عينه، تبادر سل العنب إلى ذهنها، فأرسلت يدها تداعب القطوف بطراوة.. رفعت عينيها ثانية، كان الرجل قد انصرف.. سوف أشتري لإسماعيل قضامة وبسكوت.. وسوف نشتري يوم الجمعة كيساً من الطحين بدل الرطل والرطلين.. رأت الرجل يعود ثانية، ويحدق فيها بشكل غريب.. أحست بالحرج، وانتفضت.. توقف الرجل بعد تردد.. وبلهجة وديعة وابتسامة غامضة أشار إلى سل العنب:
- بكم الكيلو؟
- بثلاثة قروش.
- أي لا.. غالي.
- وحياة الله.. ما بعته بسعر أرخص.
- أريد أربعة أرطال.
صدحت في أعماقها أغنية خصبة. وبحركة عفوية، قبضت على الميزان.. لكنها توقفت حينما سمعته يقول:
- لا يوجد معي وعاء.. كيف أعمل!
ابتسمت ببلاهة. ولم تدرِ ماذا تقول.. لكنه أردف على الفور:
- البيت قريب.. ما رأيك أدلك عليه! وأهل الدار يشترون منك.
وقبل أن تجيبه قال بإلحاح:
- احملي السل.. والحقيني.
أدار ظهره.. رفعت سلّ العنب، وتبعته بعجلة.. صلّت لله في أعماقها ألف صلاة.. وكانت ترقص في أعماقها أمنيات منعشة. دلفت عبر بوابة حديدية مهيبة.. وتذكرت مصطبة بيتها والبوابة الخشبية العتيقة. صعدت درجات السلم اللامعة.. انفتح باب البيت الخارجي، اجتازت بهواً واسعاً.. حدّثت نفسها بصوت مسموع (الصلاة على النبي.. هذا قصر).. وعلى جانب البهو، كانت تنتصب أبواب من خشب لامع مرصع.. انشق باب، وأضيء مصباح كهربائي.. وكانت فوق النوافذ ستائر وردية يانعة.. قالت في ارتباك:
- طيب كان وأنا على الدرج، وزنت العنب.
_ لا .. لا .. أريد أن أضعه في الثلاجة فوراً.
قرفصت بحياء.. وقبضت على الميزان:
- أين أهل الدار؟
ابتسم في خبث:
- ما فيه غيري.. راحوا إلى النزهة.
خافت وسألت بصوت مرتبك:
_ أربعة ارطال يا خيي؟
قرفص أمامها.. مدّ يده كالأفعى صوب صدرها.. وقال بميوعة:
_ أربعة.. خمسة.. ستة، على كيفك.
أبعدت يده بتلطف.. وبدأت تضع العنب في كفة الميزان. قرص فخذها.. جرفها الغضب، ولكنها لم تشأ أن تقطع الحبل بينها وبينه حتى يتم بيع العنب.. قالت بصوت يثير المروءة:
- عيب.. أنا مثل اختك.
- أنت متزوجة؟
- نعم.. وعندي طفل اسمه اسماعيل.
- اسماعيل! اللهم صلي على سيدنا اسماعيل.. انت صبية حلوة.
كانت تكوم العنب في كفة الميزان بعجلة:
- أنا فلاحة شقية.. زوجي عامل.. الغبار يملأ ملابسه دائماً.
- أعوذ بالله.. أنا احب الفلاحات.. أفخاذ صلبة.. ونهود مثل حب الرمان.
مد يده إلى صدرها.. فأبعدته بعنف.. ويبدو أن غضبها أنساها العنب:
- انصت يا بارد.. ما عندك حياء.
كان ينتصب بصمت. أيقنت أنه لا يود شراء العنب.. اغبرّ وجهها. وكانت صورة زوجها الطيب.. وملامح طفلها البريء وعجرفة هذا الأفندي، تملأ رأسها..
- تريد أن تشتري والا أطلع.
قال بخبث وهو يمد يده إلى جيبه:
- عندي عنب خليلي الحبة قدر العصفور.. لا أريد عنبك.. لكن اسمعي.. أعطيك نصف دينار، وكوني عاقلة..
التمعت في وجهها عينا قطة متوحشة:
- وأنا عاهرة يا ملعون أبو أصلك.. والله سوف أملأ الدنيا صراخاً.
اقترب منها بخشونة ووقاحة.. تراجعت، وتبعها كالغول.. أطبقت ذراعاه حول خصرها.. وكانت تزعق وتدفعه بشدة.. مزع ثوبها عن صدرها.. عضته، وطال الصراع.. وكان صراخها يتردد في أركان الغرف وفي البهو.. أحس التخاذل يتسرب إلى أعماقه.. قال في تهدج:
- انصرفي.. هيا.. انصرفي.. اخرجي.. صحيح فلاحين بقر.
اقتربت من السل.. كان العنب يجثم في صمت ذابل.. خرجت تجرجر قدميها بفتور.. وبنات بلدك، ماذا سيقلن حينما يبصرن سل العنب رجع مثلما ذهب، وثوبك قد انمزع.. سوف يتغامزن، ويهمسن وسوف تنتشر الفضيحة في البلد وزوجك سوف يدري.. تدحرجت من عينيها دموع ذليلة.. ولم تعد إلى سوق العطارين حيث بنات بلدها.. انسلت إلى باب العامود.. انكمشت بكل مهانة وهي تحدق في العنب بنظرات زائعة.. وفجأة انتهرها صوت عنيف:
- يا بنت .. قومي.. قومي من هنا.. ممنوع البيع في هذا السوق.
كان موظف البلدية يهز عصاه الطويلة في وجهها دون رحمة.
_ بحياة الله خليني.
- قومي.. إلى سوق العطارين.. السياح يمرون من هنا.. ممنوع.
حملت سل العنب.. وغادرت السوق.. وصلت إلى حي في طرف المدينة.. كانت البنايات الضخمة تتربع كأنها القدر.. وكان صمت مترفع يلف الحي.. لا أطفال يلعبون.. ولا صوت ينادي: يا بائعة العنب تعالي.
- عنب يا بنات.. عنب.
بُحّ صوتها. وكانت أغلب البنايات الضخمة تتجاهل صوتها المتوسل.. باعت شيئاً من العنب.. وعادت منهوكة إلى باب العامود.. قرفصت بحذر.. وكان نسيم العصر يتهادى فوق المدينة.. والفلاحات يهرولن إلى قراهن، ويتحدثن بأصوات عالية بهيجة.. وسائق تاكسي ينادي الركاب بصوت ذابل ممطوط.. حدقت في أرطال العنب أمامها، وشعرت أنها هم ثقيل يتربع فوق صدرها.. داهمها نزق حاد.. لم تكن جائعة، ولكنها التهمت قطفين بعصبية. ودت لو تأكل ما تبقى في السل كله.. ثم تعود إلى القرية.. وانتهرها الصوت الغليظ ثانية:
- يا بنت.. امشي انصرفي.. قومي.
أصابها غضب جنوني.. وبدون وعي.. قلبت السل.. اندلق العنب على بلاط السوق وداست فوقه بعنف..
قالت بصوت حاد:
- ملعون أبوها من حياة.. هذه معيشة؟
انفلق موظف البلدية غضباً:
- الله يخرب بيتك.. صحيح فلاحة عمياء.. ألا ترين صناديق الزبالة!
حدق في حبات العنب المتزحلقة فوق الرصيف.. نظر في وجوه الناس في فظاعة وكأنه يطالبهم أن يوافقوه:
- فلاحين بقر.. ماذا نقول!
وعتمة المساء تتسلل كأنها إنسان مشبوه.. وخديجة تدب فوق الطريق الترابية.. وتلوح لها القرية من بعيد كأنها مقبرة.. ومن خلفها كانت أضواء المدينة تلتمع كأنها عيون أشباح مرعبة.. أحست رعشة باردة تأكل أطرافها.. والسل يجثم فوق رأسها كأنه المصيبة.. وفيه بعض حاجيات اشترتها لجاراتها من المدينة.. وهن الآن ينتظرن بقلق.. الحق علينا، إذ وصيناها ان تشتري لنا.. هذي زوجها افْلَت لها العنان.. والله وحده يعلم أين هي الآن.. ونساء البلد رجعن من المدينة قبل أن تغيب الشمس.. خديجة ما عادت.. وراحت توصياتنا الليلة الفائتة عبثاً:
- خديجة.. الله يحفظ ابنك.. خذي قرشين، اشتري لي كبة خيطان حمراء.
- وأنا يا اختي.. اشتري لي بخمسة قروش دهن من سوق اللحامين.
- وأنا نصف ذراع منصوري.
وثمة حقد يتلوى في أعماقها.. يودّ لو يلتهم القرية والمدينة ويبصق على الحياة، فجاراتها وقت الحاجة، يأتين ويقلن: يا جارتي ويا جارتي اشتري لنا كذا وكذا.. وحينما يدرين أنها تأخرت في المدينة فسوف يملأن البلد بالقال والقيل. وحينما أجّر أبو العبد كرمه لها.. صرن يتقولن: فهل معقول.. ان "ابو العبد" من قلة الرجال سلم كرمه لها.. ملعون ابو العنب على ابو من يبيع العنب.. صحيح انها تريد أن تعيش.. وتريد أن تساعد زوجها الذي يشقى في الورش، ولا يطل على القرية إلا في نهاية كل شهر.. لكنها بعد هذا اليوم لن تبيع العنب وسوف تعطي أبو العبد كل ما له عندها من حساب، وشعرت بالندم لأنها قلبت سل العنب، إذ كان بوسعها أن تبيعه بسعر أرخص، وتعود مع بنات بلدها. وأبو العبد الآن، يرقب الزقاق، ليناديها حينما تعبر منه: بكم قرش بعتِ اليوم يا خديجة. وجاراتها الآن ينتظرن.. واسماعيل يحدق في ستائر العتمة لعلّه يبصرها.. وهو ينتظر القضامة والبسكوت.. وهو ربما يبكي الآن على باب البيت الموحش.. فرغم أنها أوصت جارتها عائشة أن تهتم به، إلا أن قلبها غير مطمئن لوعد جارتها.
كانت تقترب من القرية.. وثمة أصوات مبهمة تنبعث من الأزقة كأنها طنين خلية نحل.. تلفتت بوجل.. امشي.. امشي، اعبري الزقاق بخفة وحذر. كانت تتسلل في الزقاق كالأفعى.. تتمنى ألا يراها أحد.. كان اليأس ينبض في عروقها.. وصلت نهاية الزقاق.. وكانت تحس أنه يتنكر لها. فجأة، أطل إسماعيل وكان يبكي.. وخلفه كانت جارتها عائشة، تلحقه في إشفاق.. وما لبث أن أبصر أمه، فانطلق يعدو بلهفة.. اختلط بكاؤه مع ضحكاته العصبية. أوقفها الذهول.. وأحست أنها تشقى من أجله.. وأنها تبيع العنب كي لا تغيض ابتسامته.. أحست بالعزاء يدغدغ أعصابها. تعلق إسماعيل بثوبها في صخب، وراح يثرثر كالعصفور.. وجارتها تلغط في ارتياح.. والله قلنا ماذا جرى لك يا فقيرة! هالطفل، قطع قلوبنا وهو يبكي.
انطلقت من ثغرها ضحكة عميقة.. قبلت ابنها بشغف وأمسكت يده متجهة صوب البيت.. كانت ضحكات الفلاحين لذيذة كأنها خرير الجداول.. وحكاياتهم الساذجة تملأ الأزقة ألفة واطمئناناً. أحست خديجة أن نبع الحياة يتفجر في أعماقها من جديد.

من كتاب "خبز الآخرين"/ منشورات صلاح الدين/ القدس 1975
تاريخ الإدراج: 21 / 4 / 2007

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME