محمود شقير.. واحد من الذين تصنعهم الكلمة الشفافة الموحية.. الكلمة الحرة القابلة للتكون والاستمرارية دائماً والتي تحمل في نواتها تلك المقدرة على خلق الأشياء.. محمود شقير.. أديب يتعامل مع الحدث الصغير بإنسانية عظيمة، ويمنح الفرح المستقبلي لغيره كشهيد..

"بسمة" التقته وكان معه هذا الحوار:
• القصة القصيرة .. كمشهد حي قابل للتأثر والتأثير .. كيف يفهمها محمود شقير عموماً ثم كيف يحيكها؟ أو كيف يقتنص الحدث؟

_ ليس لدي فهم ثابت محدد ومقولب للقصة القصيرة، لأن الثبات والتحديد والقولبة تقتل القدرة على التجديد والابتكار. هنالك إطار عام للقصة القصيرة جرى التعارف عليه لدى الدارسين والنقاد واعتمده كتاب القصة القصيرة لدى شروعهم في الكتابة، وأنا، وإن كنت آخذ في الاعتبار هذا الإطار العام، إلا أنني لا أتقيد بما في داخله من تفاصيل.. في فترة سابقة وبالتحديد في الستينيات، حينما بدأت كتابة القصة القصيرة ذات الأسلوب السردي التقليدي، فقد كان انصياعي للإطار العام، أو للأسس التي ينبغي توفرها في القصة القصيرة، انصياعاً واضحاً، وكان هذا يعني أن تكون للقصة بداية تمهد للحدث، ثم لا بد من ذروة تشد القارىء إلى القصة شداً، ومن بعدها تأتيه لحظة التنوير والنهاية. آنذاك كانت القصة بالنسبة لي تعني أن أتناول مقطعاً من الحياة الاجتماعية في الريف، عبر تناولي لشخوص قصصية محددة لأعرض ما هو جوهري في واقعها تجاه واحدة من قضاياها المؤرقة المتعلقة بوضعها الاقتصادي والاجتماعي، أو بالموقف من المرأة عموماً، أو بالموقف من الأرض حينما تتعرض للخطر أو للتهديد الخارجي. كانت شخوص قصصي آنذاك تتميز بكونها من النماذج الدالة على بسطاء الناس الذين يعيشون في الريف كما عرفته في الخمسينيات والستينيات من هذا القرن. فيما بعد، وتحت تأثير عوامل عديدة تأثرتْ بها تجربتي القصصية، صرتُ أكثر ميلاً للخروج على الأصول المرعية في الفن القصصي، وقد تصاعد هذا الميل المشاكس حتى وجد تعبيره في مجموعتيّ القصصيتين الأخيرتين، حيث تحولت إلى كتابة القصة القصيرة جداً التي تعتمد اللحظة المكثفة المكتوبة بلغة سريعة الإيقاع، وفيها قدر من الشاعرية، للوصول في نهاية عملية القص إلى جملة أو "قفلة" ذات وقع مفاجىء وفيه قدر من الإدهاش.
أما كيف أقتنص الحدث الذي يعتبر الجذر الذي لا تنهض القصة بدونه، فتلك عملية تحتاج إلى تأمل ومعايشة للواقع الملموس ولشخوصه ولهمومه المتنوعة، وأثناء ذلك تلمع ومضة خاطفة في الرأس، قد تكون كافية للشروع في كتابة القصة، وقد لا تكون، وفي هذه الحالة يتم اختزانها في الوجدان إلى وقت آخر، حتى تعود إلى الظهور حاملة معها زخمها الذي يحيلها إلى قصة على الورق.

• ارتبط اسم محمود شقير بالقصة القصيرة .. ترى ما مدى حجم علاقتك بأشكال الأدب الأخرى كالشعر والرواية؟ هل لديك تجربة "حقيقية" مع أي منهما .. أم أن القصة هي ملعبك الوحيد؟


_ لم أحاول كتابة الشعر، ولم أشعر بأية رغبة في ذلك، وحينما تأتي بعض قصصي القصيرة جداً، مكثفة على هيئة قصيدة، فإنني أحب أن أسميها أي شيء على أن أسميها قصيدة، وذلك لأنني أجل مهنة الشاعر وأقدرها، وأعرف حجم المكابدة المطلوبة لكي يصبح المرء شاعراً، ولذلك فإن ما يربطني بالشعر ينحصر في رغبتي الدائمة في قراءته والاستمتاع به.
أما بالنسبة للرواية، فقد كانت لي تجربة معها، إذ بعد أن قامت سلطات الإحتلال الإسرائيلي بإبعادي من القدس عام 1975 قمت بكتابة رواية "ساخنة" أصوّر فيها تجربتي مع السجون الإسرائيلية، وشيئاً من معاناة الشعب الفلسطيني تحت الإحتلال، ثم أحجمت عن نشرها لاعتقادي أنها غير جديرة بذلك بسبب ما فيها من مباشرة حادة وشعارات وأيديولوجيا، وفيما بعد، أوائل الثمانينيات تحديداً، أنجزت كتابة رواية اسمها "فرس العائلة" وقد نشرت مشاهد منها في مجلة أفكار الأردنية، وما زلت أحجم حتى الآن عن الدفع بها إلى المطبعة، لأنني غير راضٍ عنها تماماً، وأشعر بضرورة العودة إليها مرة أخرى لكتابتها من جديد، وحتى الآن لم أفعل.

• مع إيماننا المطلق بأن ثراء تجربة أدبية ما ترتكز على النوع لا الكم، إلا انك مقل ومقل جداً بالمقارنة مع آخرين .. فما السبب؟


_أنا مقل في الكتابة القصصية لأسباب عديدة، أولها أنني أتهيب الكتابة الإبداعية، ولذلك تتباعد المسافة بيني وبين لحظات الكتابة، كذلك فقد انشغلت لسنوات غير قليلة في العمل الصحافي وفي كتابة المسلسلات التلفزيونية، صحيح أنني أنجزت كتابة ستة مسلسلات درامية طويلة، غير أن هذا لا يوازي في قيمته الفنية القصة القصيرة، ثم إنني انشغلت منذ عام 1967 عام النكسة، باهتمامات سياسية متشعبة، ما دفعني، دون قصد، إلى الانصراف عن القصة القصيرة لفترة طويلة، أحياناً، يعتريني الندم على ذلك، فأغضب، وأبدأ في توزيع الاتهامات على أقرب الناس إليّ، غير أن ذلك كله لا يغير من حقيقة أنني مقل فعلاً، فخلال ثلاثين سنة من الكتابة لم أنجز سوى أربع مجموعات قصصية للكبار وثلاث مجموعات قصصية للصغار.

• هذا واضح، فقد بدأت في الآونة الأخيرة من خلال زاويتك الأسبوعية في صحيفة الرأي ومقالك الشهري في مجلة صوت الوطن، تتأفف من تدخل السياسة المطلق في حياتنا، وبدأنا نحس بوضوح أنك تحن إلى أجواء قصصك أو مساحة من خيال بعيداً عن هموم السياسة .. فما رأيك؟

_ شيء طبيعي أن تتدخل السياسة في حياتنا خصوصاً ونحن نواجه مشكلات مصيرية تتعلق بالأرض والوطن،غير أن ما أتوق إليه هو أن نمارس السياسة بأسلوب حضاري، بمعنى ألا نكتفي "بالمنشور السياسي" وكأنه غاية الغايات، فلا بد أن نؤسس حياتنا على أبنية راسخة من العلم والثقافة والفن والمعرفة التي تغني ممارستنا السياسية، وتطورها وتجدد في أدواتها وأساليبها بما يتناسب والظروف الجديدة التي تجتازها البشرية في هذا العقد الأخير من القرن العشرين، وفي هذا السياق فإن إخلاص الكاتب لفنه وانحيازه له لتقديم ما هو جديد وقيّم لا يعني الابتعاد عن السياسة، وإنما يعني مزيداً من التفاعل مع الواقع والمجتمع، ولكن بأدوات الفن ومعاييره وليس بوسائل أخرى مباشرة قد تقتل الكاتب وتجعل دوره محدوداً وقليل الفاعلية.

• في مجموعتيك القصصتين "طقوس للمرأة الشقية" و "ورد لدماء الأنبياء" بدا واضحاً أنك وضعت قدمك على طريق جديدة لم يسبقك إليها أحد، من خلال الحدث المختزل والجملة القصيرة واللغة المقتصدة والاعتماد على الفعل المضارع .. الأمر الذي يجعلنا نقول إن على محمود شقير أن يتريث الآن قبل أن يخطو خطوة أخرى .. فما هو مفهومك لتقنية القصة القصيرة "جداً"؟ وهل تنوي التنويع عليها والاستمرار فيها؟

_ واضح تماماً أنني آخذ بنصيحتك حول التريث، فمنذ عشرين شهراً لم أكتب قصة قصيرة واحدة وأسباب ذلك كثيرة بالطبع، غير أن أهمها هو إحساسي بضرورة تجاوز هاتين المجموعتين، بعد أن قلت فيهما ما أردت أن أقوله، وبالطريقة التي ألمحت إلى بعض جوانبها في سؤالك. الآن أشعر أنه ينبغي عليّ التحرر من سطوة المجموعتين السابقتين، دون الانقطاع بالطبع، عما أنجزته فيهما من قيم فنية، ولكن، لا بد أن أستكشف آفاقاً جديدة، لأضيف إلى فن القصة القصيرة جداً ما يساعد على الاستمرار في تطويره ودفعه خطوات أخرى إلى الأمام. في كل الأحوال، أعتقد أن الحدث المختزل والجملة القصيرة واللغة المقتصدة، والاستفادة من أجواء الشعر ستظل من الملامح الأساسية لكتابتي القادمة، أما العناصر الفنية الجديدة التي سوف أضيفها إلى تجربتي القصصية فهي تتشكل في أعماقي الآن، ولكنني لا أعرفها على نحو مميز وواضح، إذ لو عرفتها لبادرت إلى الكتابة دون إبطاء.

• بمناسبة الحديث عن "طقوس للمرأة الشقية" تعاملت مع المرأة بمنتهى الشفافية، وكان جلياً أن المرأة .. هذا المخلوق اللغز لم تستطع الهروب من قلمك .. كيف اكتسبت هذه الرؤية النفسية .. وهل يمكن القول إن الطقوس كانت أوجها عدة لامرأة واحدة؟

_ الطقوس كانت محاولة للتعبير عن المرأة من حيث هي أم، مناضلة، حبيبة، عاملة، وربة بيت، إنها وصف للمرأة في حالاتها الكثيرة والمتنوعة، وهي مكتوبة بهدف الإعلاء من مكانة المرأة في المجتمع الذي يضطهدها ويمتهن إنسانيتها، وللإقرار بما لها من مزايا حقيقية وسمات إنسانية مؤكدة، وقد جاءت هذه القصص نتيجة للمعايشة الحية والتأملات التي تذكيها قراءات أدبية متنوعة، والأسفار والاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى، علاوة على أنها محاولة للقبض على مجتمعنا الشرقي في أضعف نقطة فيه، ممثلة بالمرأة، ليس لأن المرأة ضعيفة في الأصل، وإنما لأن هذا المجتمع باضطهاده لها، وبتنكره لحقوقها وتمييزه الفاضح بينها وبين الرجل في الحقوق، يحيلها إلى مخلوق ضعيف محتاج للعون والشفقة. إنني اعتبر "طقوس للمرأة الشقية" دليل اتهام للمجتمع الشرقي.

• ماذا تعني المرأة عند محمود شقير؟ وما هو حجم التمرد او الحرية التي يمكن أن يعطيها لها؟

_ المرأة تعني لدي الحياة، بكل ما فيها من عظمة وتناقضات. هي المتعة في حين والشقاء في حين آخر، هي الخوف مرة والجرأة مرة أخرى، هي التردد ذات صباح والإقدام ذات مساء. وهي التخلف الذي يشدنا إلى الوراء والتقدم الذي يحفزنا إلى الأمام، إنها اللغز الذي لا أفهمه حتى الآن، وهي مصدر البهجة والعذاب في آن واحد . هي الحرية التي نفهمها ونتشدق بها نظرياً والقيد الذي نكبل به أيدينا كلما ألَحّ علينا تخلفنا الموروث، إنها ما نريد وما لا نريد في الوقت نفسه، وهي رغم كل شيء الأم الحبيبة والحبيبة الحبيبة، والعاملة الصابرة، وربة البيت التي تعتني بنا، ولها الشكر ولها التقدير والامتنان.

1991

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME