لمقاهي المثقفين العرب دور في ثقافتنا العربية المعاصرة، ولها وظائف عديدة، بحسب نوعية القطر العربي المعني، ودرجة تطوره السياسي، ومقدار الحريات الديمقراطية التي ينعم بها مواطنوه، أو مستوى القمع السياسي فيه.

ولهذه المقاهي سمات وأجواء ومواقع وأسماء تختلف باختلاف المدن التي تنتشر فيها، وباختلاف الأحياء. فقد تكون على شاطئ بحر أو على ضفة نهر، وقد تكون في شارع راق مليء بأفخر المعروضات، أو في حي شعبي تندلع فيه أصوات الباعة الشعبيين. وإذا كانت هذه المقاهي واقعة في بلد مدجج بالقمع وهراوات البوليس، فسوف نجد حوارات المثقفين فيها، وقد اتسمت بالحذر والخشية من المخبرين الذين يتوزعون على مقربة من المتحاورين، أما إذا كانت واقعة في بلد ديمقراطي منفتح على كل جديد، فإن الحوار يتسم، والحالة هذه، بالتعبير الحر عن كل ما يجيش في النفوس من آمال.

ولقد كان للمقاهي التي يرتادها المثقفون العرب – وما يزال- دور في إغناء الثقافة العربية والإبداع، ففيها تفتقت أذهان المثقفين والكتاب عن مشاريع ثقافية لا تحصى، وفيها دارت نقاشات عديدة تناولت السياسة أو المجتمع ومختلف قضايا الأدب والفكر والفن. وعبر العديد من الروايات العربية والقصص القصيرة المنشورة، تلمسنا أجواء المقاهي الأثيرة، وشاهدنا المخبرين القابعين في الزوايا وهم يتظاهرون بقراءة الصحف أو بالانهماك في احتساء القهوة، بينما آذانهم تصغي لالتقاط كل نأمة أو همسة يبوح بها رهط المثقفين الجالسين في المقهى، وتعايشنا، كذلك، مع شخصية النادل الطيب الذي لا يفتأ يركض في فضاء المقهى العابق بالدخان، حاملاً كؤوس الشاي وفناجين القهوة للزبائن المنتظرين، ثم يصبح، مع الزمن، صديقا للمثقفين يدلهم بعينه الخبيرة على المخبرين القدامى والجدد، ويتبادل معهم، بالتصريح حينا وبالتلميح أحياناً، الحديث عن سوء الأوضاع، ويتباهى، أحياناً أخرى، بمعرفته لبعض مصطلحات المثقفين التي تتطاير عرضاً، فتصل الى أذنيه، فيحفظها ويرددها على أسماعهم من جديد، فيضحكون معجبين به كأنهم يستبشرون خيراً.

ومع تعاقب الأشهر والسنين، يصبح المقهى بديلاً جزئياً من الحزب المحظور، تتردد بين جنباته أفكار سياسية وتأملات وأشواق، ويصبح بديلاً جزئياً من منابر الجامعات، التي تمعن في التقوقع بعيداً عما يزخر به المجتمع من حركة وأحداث، تذرعاً بالانصراف إلى البحث الأكاديمي الصرف، وتوقياً من الاصطدام بالسلطة في حقيقة الحال، ويصبح المقهى في زمن القمع والتفكك والعزلة مظهراً من مظاهر التواصل الاجتماعي وازدهار الروح التي تتهيأ لكسر الحواجز والانطلاق، وبديلاً من اتحاد الكتاب الرسمي الذي يسبح باسم السلطان ولا يلبي تطلعات القطاع العريض من الكتاب، وهناك في صالة المقهى يطيب التذمر من الثقافة الرسمية، ومن الكتاب المتذيلين لكل ما يسهم في نشر الزيف والبهتان.

وحينما يشتد القمع، وتصبح مقاهي الوطن أضيق من أن تتسع لأحلام المثقفين بشعب حر ووطن سعيد، فإنهم يتوزعون، اضطراراً، على المنافي البعيدة يبحثون فيها عن مقاهٍ جديدة تهدئ من أحزانهم وتساعدهم، إلى حين، على تحمل مرارة الفراق.

وإذ تتكاثر الهزائم وتشتد مؤامرات الأعداء، ويصبح الهم السياسي طاغياً على كل ما عداه، فإن الخلل في العلاقة بين السياسي والثقافي يستفحل، ويصبح من مسؤولية السياسيين والمثقفين سواء بسواء، أن يتداركوا الأمر، لأن هذا الخلل يقود مع تفاقم الأحداث إلى عزلة الثقافي عن الناس تحت ضغط انشغال الناس بالسياسي اليومي، ويقود تبعاً لذلك، إلى عزلة المثقفين والكتاب رغماً عنهم، وإلى انزوائهم بعيداً عن كل ما يمكن أن يشير إلى وجود جو ثقافي صحي وصحيح، فإن لم تصدقوا قولي هذا، فاسألوا عمّان ومقاهيها، واسألوا كتابها الذين بالرغم من تنعمهم بالديمقراطية الوليدة هذه الأيام، فإنهم يعيشون عزلتهم المطبقة عن مقاهي الأمس، وحتى عن رابطة الكتاب، وعن كل ما ينعش فرص الإبداع في الزمن الجديد!

مجلة صوت الوطن آب 1991 / العدد 24 / السنة الثانية
تاريخ الإدراج: 28 / 3 / 2007

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME