القدس- من محمد أبو خضير- أشار الكاتب والأديب البارز محمود شقير إلى الوضع المأساوي الثقافي في القدس، وتحدث عن حالة الانهيار شبه التام للمؤسسات الثقافية الفلسطينية، وأوضح أنه لا يرى أفقاً لحل عادل للقضية الفلسطينية على المدى المنظور، وقال إن اتفاق مكة بين حركتي "فتح" و "حماس" لا يخلو من النواقص.

جاء ذلك خلال اللقاء الذي أجرته "القدس" معه، وتحدث فيه عن الأدب والشعر والسياسة، وفيما يلي نص اللقاء:

س1:كيف ترى الحياة الثقافية الفلسطينية اليوم ؟
- على الصعيد الفردي، ثمة مبدعون فلسطينيون في الداخل والخارج يواصلون إنتاج قصائد وقصص وروايات ومسرحيات ولوحات فنية وأعمال موسيقية جيدة، رغم ما يعيشه الفلسطينيون في الشتات من إهمال، وما يعيشه المجتمع الفلسطيني في الداخل من حصار ومعاناة وقمع على أيدي سلطات الاحتلال، ومن تمزق داخلي وتفكك للنسيج الاجتماعي، ومن ردة نحو العشائرية والقبلية ومن ضعف لروح المواطنة، بسبب الاحتلال وبسبب ما في النظام السياسي الفلسطيني الذي نشأ بعد أوسلو من نواقص وأخطاء، وبسبب الصراع المدمر على السلطة، الذي نشأ بين فتح وحماس في الأشهر القليلة الماضية، والذي لم يتوقف إلا بعد اتفاق مكة.
وأما على صعيد المؤسسات الثقافية، فثمة حالة من الانهيار شبه التام، حيث شهدنا في الأشهر القليلة الماضية، توقف عدد من المجلات الثقافية مثل الكرمل، دفاتر ثقافية، والشعراء. كما شهدنا إغلاق بعض المراكز والمؤسسات الثقافية بسبب نقص الموارد المالية التي لا بد منها، لكي تتمكن هذه المراكز وتلك المؤسسات من مواصلة نشاطها. يضاف إلى ذلك، أن كثيراً من محفزات النشاط الثقافي كانت تنقصنا منذ الأساس، حيث لا توجد حتى الآن دار وطنية للنشر والتوزيع، ولا تتوفر سوق حقيقية لتداول الكتاب، ولا نشهد إقبالاً حقيقياً على الثقافة بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية للناس، وبسبب ضعف التربية والتوجيه في كل من المدرسة والبيت والمجتمع، حول أهمية الثقافة وضرورة الاهتمام بها.


س2: ما هو وضع عاصمة الثقافة الفلسطينية – القدس - بعد اغلاق الواسطي والقصبة، وما يعانيه المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) من مشاكل مالية تهدد استمراريته ؟
- بالنسبة للقدس، ثمة وضع مأساوي على الصعيد الثقافي وعلى غيره من الأصعدة. ذلك أن سلطات الاحتلال تمعن في تهويد المدينة وفي طمس طابعها العربي الإسلامي بشتى الوسائل والأساليب، وتمعن في الوقت نفسه في تكريسها عبر الدعاية المتقنة وعبر الأدب والفن والعمارة وتزوير التاريخ، باعتبارها مدينة يهودية خالصة. وأما نحن الفلسطينيين والعرب، فإن الجهود التي نبذلها للدفاع عن عروبة المدينة لا ترقى إلى المستوى المطلوب. والمدينة في حالة لا تسر البال، مؤسساتها الثقافية لا تجد الدعم الكافي، وبعضها أغلق بالفعل وبعضها الآخر في طريقه إلى الإغلاق، والإقبال على الأنشطة الثقافية والفنية التي تقدمها بعض المؤسسات الثقافية، محدود بوجه الإجمال.


س3: ما هي آخر إبداعاتك ؟
- أصدرت كتاباً جديداً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر اسمه "احتمالات طفيفة" وهو مجموعة قصص قصيرة جداً. يشتمل الكتاب على مائة وثماني وعشرين قصة قصيرة جداً، مترابطة في ما بينها بهذه الطريقة أو تلك. وقد استفدت في هذه المجموعة من تجربتي الفنية التي عبرت عنها في مجموعتي القصصية "صورة شاكيرا" وكذلك في المجموعة التي تلتها "ابنة خالتي كوندوليزا" حيث استحضرت في هاتين المجموعتين شخصيات مشهورة في عالم الرياضة والسياسة والفن والغناء، وأدخلتها إلى البيئة المحلية التي أعيش فيها، وجعلتها تتفاعل مع معطيات هذه البيئة بما يحقق للقارئ متعة القراءة، عبر السخرية من الاحتلال ومن بعض مظاهر حياتنا اليومية.
في هذه المجموعة الجديدة لم أعمد إلى السخرية ولا إلى استحضار شخصيات حية، بل قمت باستحضار شخصيات من بطون الكتب. استحضرت الفارس دون كيخوته الذي خلقه ثيربانتس، والجندي الطيب شفيك الذي خلقه ياروسلاف هاتشيك، وسعيد أبو النحس المتشائل الذي خلقه إميل حبيبي، ثم خلطت الشخصيات والأزمنة والأمكنة، وجعلت المأساة الفلسطينية تخترق هذه الشخصيات وهذه الأمكنة والأزمنة، لكي أقول إن هموم البشر متشابهة، وإن مأساة الفلسطينيين تستحق أن يتعاطف معها كل البشر، باعتبارها هماً وطنياً وإنسانياً جديراً بالتعاطف والانتباه.

س4: كيف تنظر إلى اتفاق مكة المكرمة والوضع السياسي الفلسطيني الداخلي ؟
- اتفاق مكة هو توافق إجمالي بين فتح وحماس، أملته مجموعة ظروف داخلية وخارجية، وهو لا يخلو من نواقص وتقصيرات، غير أن فيه إيجابيات، لعل أولها وقف الاقتتال الداخلي المخجل الذي وقع بين فتح وحماس. والاتفاق يمكن أن يكون فاتحة خير لتطوير النظام السياسي الفلسطيني، وللتوقف عن الاستئثار بالسلطة لمصلحة الشراكة السياسية الحقيقية، ولمصلحة تغليب لغة الحوار الديموقراطي على لغة الصراع المسلح على السلطة. والاتفاق قد يمهد السبيل إلى نزول حماس عن الشجر العالي حيث لغة الشعارات وهيمنة الإيديولوجيا، نحو الدخول في براغماتية سياسية تستلهم معاناة الشعب وتطلعاته الواقعية المشروعة طريقاً إلى الفعل السياسي وكذلك الفعل النضالي، إلى أن يزول الاحتلال. والاتفاق إذا ما تم تطويره بالتوافق مع كل القوى السياسية الفلسطينية، قد يمهد السبيل لكي تصبح الحكومة الجديدة حكومة وحدة وطنية فلسطينية قولاً وممارسة، وليكون في مقدورها شن هجوم سلام واسع، بوسعه أن يحرج حكام إسرائيل الذين لا يريدون سلاماً.


س5: وأنت تتحدث عن حكام إسرائيل، فهل ترى من أفق في المستوى المنظور؟
- للأسف، ليس ثمة من أفق. ذلك أن حكام إسرائيل الحاليين أضعف من أن يأخذوا بيدهم قرار السلام. إنهم يتظاهرون بالرغبة في السلام لكي يصرفوا أي ضغط دولي يمكن أن يتعرضوا له، وهم لا يملكون مشروعاً حقيقياً للسلام، وهم أيضاً غارقون هذه الأيام في فضائح من مختلف الأنواع، وللأسف مرة أخرى، فإن الإدارة الأمريكية تشد من أزرهم في مسعاهم المتنكر للسلام. الإدارة الأمريكية مشغولة في إيران والعراق، وربما في لبنان كذلك. أما انشغالها بالقضية الفلسطينية فهو لا يعدو مجرد تطييب خواطر عبر الزيارات التي تقوم بها رايس وغيرها من المسؤولين الأمريكيين، وليس ثمة أي جهد حقيقي لتقريب فرص السلام. ومما لا شك فيه، أن تشرذم الموقف الفلسطيني في الأشهر الماضية، كان سبباً رئيساً من أسباب إدارة الظهر الإسرائيلية والأمريكية لقضيتنا ولاستحقاقاتها التي لم تعد تحتمل المماطلة والتأجيل. ولعل المطلوب في هذه الحالة، أن يتوحد الجهد الفلسطيني على برنامج سياسي واضح، مدعوم بصراحة من جهد عربي موحد، للضغط على الإدارة الأمريكية وعلى حكام إسرائيل، لتطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، ولإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس.

جريدة القدس/ القدس/ الأحد 18 / 3 / 2007
العدد: 13498

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME