يعتبـر القاص الفلسطيني محمود شقير من رواد القصة القصيرة جداً في الوطن العربي في الوقت الذي كانت القصة القصيرة جداً غير معروفة في أوساط الكتاب، ولم تؤسس لها سمات محددة بعد. يواصل القاص نشاطه الإبداعي بدأب واجتهاد في كتابة هذا الجنس الأدبي منذ أكثر من عقدين ونصف من الزمن، محاولاً الغوص في الواقع المرير لتقديم رؤية مغايرة لا تخلو من السخرية اللاذعة منذ العام 75 أصدر شقير ما يقرب من اثنتين وعشرين مجموعة قصصية للكبار والصغار، ابتداءً من مجموعته «خبز الآخرين» وصولاً إلى مجموعتيه الصادرتين حديثاً «صورة شاكيرا» و«ابنة خالتي كوندوليزا». في الحوار التالي يكشف شقير أسرار العملية الإبداعية، ويوضح بعض المفاهيم حول الأدب والفن عامة.


• بوصفك واحداً من رواد القصة القصيرة جداً في الوطن العربي إلى أي مدى استطاع هذا القص أن يحاكي الواقع العربي؟
** صحيح أن القصة القصيرة جداً مازالت تتعرض إلى نوع من إنكار بعض النقاد لها، حيث يعتبـرونها غريبة عن جنس القصة القصيرة وبعضهم يعتبـرها مجرد خواطر وجدانية، وبعضهم الآخر يلحقها بقصيدة النثر، وثمة من يعتبـرها كتابة مجانية لا تفضي إلى شيء. والحال أن القصة القصيرة جداً عبـر نماذجها السيئة تشجع على توجيه الاتهامات لها، في حين أن الكثير من الكتابات التي توصف بأنها قصص قصيرة جداً تسقط في هوة الاتهامات التي يوجهها بعض النقاد. حيث تجد تسطيحاً وتجد الغموض وحيث انعدام شروط كتابة القصة القصيرة جداً، وأحياناً تجد أنك تقرأ مقالة مكثفة جداً لا قصة قصيرة جداً، أعتقد أن هنالك نماذج قليلة في الأدب العربي الحديث التي يمكن أن نطلق عليها اسم قصة قصيرة جداً، ففي القصة القصيرة جداً لابد من توفر الحدث القصصي حتى وإن كان ومضة سريعة لأنه من دون حدث لا يمكن أن تجد ما ترويه وبذلك تفتقد منذ اللحظة الأولى أهم شرط من شروط القصة القصيرة جداً، كذلك ينبغي أن يتوفر عنصر التكثيف في اللغة، والاقتصاد الشديد فيها، وإلا لماذا نكتب قصة قصيرة جداً ما دمنا نرغب في الاستطراد، ولابد من قدر ما من الشاعرية التي تحقق ارتفاعاً ملموساً بالعنصر اللغوي أثناء القص. ولابد من توفر عنصر المفارقة والإدهاش والنهاية المحكمة التي ينبغي لها أن تفاجئ القارئ وقد تصدمه، ويمكن للقصة القصيرة جداً أن تعكس هموم الإنسان العربي المعاصر وأن تجسد أهم وأعمق اللحظات الإنسانية في حياته، ولكن علينا ألا نتوقع منها (بسبب القصر والكثافة) أن تقدم شرحاً مستفيضاً لمشكلات الواقع العربي.
• الغربة، الشتات، المنفى، الرحيل، مفردات عايشتها في بقاع الدنيا، ما تأثيرات الغربة والمنفى على نتاجك الإبداعي؟
** بالنسبة للغربة، فإن لها حيزاً واضحاً في كتابتي القصصية وبالذات كتابة القصة القصيرة جداً، أولاً علينا الاعتراف بأن المنفى ليس شراً كله، ذلك أنك وأنت في المنفى ترى الوطن من بعيد بعيون جديدة ومن زوايا جديدة، وتتآلف في داخلك مشاعر من الفقدان والحنين والشوق وما إلى ذلك من مشاعر إنسانية وأنت كذلك تعايش حالات إنسانية أخرى وتلتقي بشراً لهم همومهم وقضاياهم التي تتقاطع بشكل أو بآخر مع همومك وقضاياك. من هنا يمكن أن يدلك المنفى على ما هو إنساني مشترك في التجربة البشرية لتعبـر عنه في الكتابة. لكن ما يفتقده المنفي هو الوطن والأرض والمكان الأول، لذلك يمكن ملاحظة أن علاقتي بالمكان الأول لم تعد أثناء كتابتي للقصة القصيرة جداً كما كانت أثناء كتابتي لقصصي السردية الأولى وأنا أعيش في الوطن. المكان في قصصي القصيرة جداً أصبح متنوعاً وتتم الإشارة إليه بإشارات سريعة وربما بالتلميح أحياناً، ولكنه في كل الأحوال مكان مرتبط بالإنسان وبهمومه وبتطلعاته نحو الحرية. يمكن القول إن الغربة أصابتني ببعض الخسارات لكنها في الوقت نفسه أثرت تجربتي مع الحياة والكتابة والناس. * للاحتلال تأثيرات على مجمل الحياة سواء الحياة الثقافية وعلى الحياة بشكل عام، كيف تقرأ هذا التأثير على النتاج الإبداعي الفلسطيني في الداخل؟
** هنالك مجموعة من التأثيرات السلبية على مجمل الحياة الثقافية في الأرض المحتلة التي يسببها الاحتلال. هنالك محاولات مستمرة تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتدمير الحياة الثقافية الفلسطينية أو إفقارها في أقل الحالات بسبب كونها جزءاً أساسياً من مكونات الهوية الفلسطينية، على سبيل المثال، بالحصار الثقافي المضروب على الأرض الفلسطينية المحتلة حيث تقوم سلطات الاحتلال منذ بدء الانتفاضة الثانية بتحريم دخول الكتب إلى فلسطين. علاوة على الحصار، هنالك إجراءات أخرى تحد من انتشار الثقافة الفلسطينية وتتمثل في عملية تقطيع أوصال الوطن الواحد وإقامة الحواجز التي تفصل المدن عن بعضها بعضاً، وتفصل القرى والمخيمات عن المدن وتجعل حياة الناس جحيماً لا يطاق. غير أن هذا كله لا يمنع المثقفين الفلسطينيين من التعبير عن رفضهم للاحتلال وإجراءاته اللاإنسانية، بل إن هذه الإجراءات تستفز فيهم روح التحدي والمقاومة وتدفعهم إلى التعبير عن مأساة شعبهم الذي يتعرض لعملية إذلال جماعية عبـر كتابات أدبية مختلفة في الشعر والرواية والمسرح والقصة. والسؤال المهم هنا هو كيف يتصدى الأدباء للكتابة عن الواقع من حولهم، أصارحك بأن الكثير من كتاباتنا في الداخل مازالت تحاول التحدث عن الاحتلال بأسلوب بات قديماً ومكرراً، حيث تصور الواقع بطريقة لم تعد تثير المتعة في نفوس القراء أو تجدد إحساسهم بالحياة وبضرورة رفض ما يعكر صفو هذه الحياة. هناك إصرار على اتباع أساليب قديمة تنحو إلى نقل الواقع حرفياً أو إعادة إنتاج ما هو معروف سلفاً. وثمة كتابات أخرى تقع على النقيض من ذلك تماماً وهي الكتابات التي تذهب للغرابة والغموض ولا تأبه بالنظر إلى معاناة الناس. بين هذه النماذج وتلك توجد كتابات روائية وشعرية وقصصية معنية بالتجديد الأدبي ومعنية في الوقت نفسه بالنظر إلى ما في واقعنا من مفارقات صارخة والى ما فيه من ممارسات غير إنسانية ضد شعب بأكمله، هذه الكتابات تنظر إلى الواقع وهي مسلحة بأساليب فنية حديثة وجديدة قادرة على فضح الاحتلال بأسلوب فني مقنع وقادرة على رؤية ما هو إنساني في تجربة شعبنا الفلسطيني. وفي الوقت نفسه تحقيق متعة القراءة التي لابد منها في الكتابة الحديثة.
• أصدرت العديد من الأعمال القصصية المتميزة. لماذا لم تقترب حتى الآن من منطقة الفن الروائي..؟
** حتى الآن مازلت أتهيب الدخول إلى عالم الكتابة الروائية بسبب قناعتي أن الرواية فن يتطلب الكثير من الاستعدادات الثقافية والفنية، علاوة على التجربة الواسعة في الحياة، لقد مارست كتابة الرواية مرة وشعرت أنني لم أنجز شيئاً مقنعاً وسحبت تلك الرواية بعد أن أرسلتها إلى مجلة شؤون فلسطينية في بيروت أواخر السبعينيات من القرن الماضي. وكان الشاعر محمود درويش يرأس تحريرها آنذاك وأرسلت له رسالة أخبـرته فيها أنني لم أعد راغباً في نشر هذه المخطوطة الروائية على صفحات المجلة. وقام مشكوراً بسحبها من قائمة المواد المرشحة للنشر في المجلة. كتبت تجربة أوائل الثمانينيات ونشرت فصولاً منها في مجلة أفكار الأردنية لكنني لم أجرؤ طوال السنوات الماضية على نشر هذه الرواية لعدم قناعتي بها. نشرت رواية للفتيات والفتيان بعنوان «أنا وجمانة» وقد قوبلت باهتمام من بعض النقاد، ولكن هذا الأمر لم يحفزني للتفكير بكتابة الرواية، ومازلت متردداً حتى هذه اللحظة، ويبدو أن القصة القصيرة مازالت تأسرني تماماً وتأخذ كل تفكيري خصوصاً وأن لدي إحساساً أنني مازلت قادراً على إنجاز مفاجآت جديدة في ميدان القصة القصيرة.
• هذا يقودنا إلى الكلام عن مجموعتيك الأخيرتين «صورة شاكيرا» و«ابنة خالتي كوندوليزا» ما الذي تعتقد أنك قدمته من خلالهما؟
** في هذين العملين عدت من جديد إلى كتابة القصة السردية التي ابتدأت بها مشواري في كتابة القصة القصيرة، لكن السرد الذي تجده فيهما ليس هو السرد نفسه الذي تجسد في مجموعتي الأولى «خبز الآخرين». ستجد أنني في هاتين المجموعتين أعود إلى جو القرية وإلى المكان الشعبي وإلى الحوارات المستمدة من شخوص البيئة الشعبية وإلى البساطة في السرد المشتق من الذاكرة الفلسطينية الشعبية، لكنك لن تجد القرية وحدها في هذه القصص، ستجد القرية متداخلة مع العالم على امتداده الواسع، وستجد العالم ورموزه الثقافية والسياسية والفنية والرياضية داخلاً إلى القرية وإلى أهلها دون استئذان. وستجد السخرية المرة من مفارقات هذا العالم ومن مفارقة الاحتلال الذي يدمي شعبنا كل يوم ويلحق به إذلالاً لا يحتمل، مدعياً في الوقت نفسه بأنه احتلال متحضر إلى أبعد الحدود.
مجلة أقلام جديدة/ عمان/ العدد الأول/ كانون الثاني 2007


Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME