1

حينما عاد سليمان النجاب إلى الوطن، ظل بيت العائلة هو الأفضل لقضاء أوقات من الدعة والهدوء، أو لاستقبال الأصدقاء.
دعانا مرة لتناول طعام الغداء في بيت العائلة في قرية جيبيا.


جاء محمود درويش وياسر عبد ربه. جاء فائق وراد وعبد المجيد حمدان ومحمد أبو شمعة. جاء الدكتور سمير غوشة وزهير النوباني. جاء عدد آخر من الرفاق والأصدقاء. أعد سليمان لضيوفه وجبة من المسخّن. قبل تناول الطعام، جرى حديث عن جيبيا. عن صغر القرية وقلة عدد سكانها. استذكر بعض الحاضرين تعليقات بشير البرغوثي الساخرة حول القرية. رووا عن بشير أنه قال: حينما قررت أجهزة الأمن الأردنية اعتقال سليمان النجاب، أرسلت كتيبة من الجيش للبحث عن قرية جيبيا، فلما عثروا عليها قام جندي واحد بتطويقها.
قال سليمان لضيوفه منطلقاً من المفارقة نفسها: جاء زهير النوباني لزيارتي في العيد. طلبت منه أن يستعد لاستقبال أهل القرية الذين سيجيئون للسلام عليه. انتظر سليمان من يقدم التعليق المناسب على كلامه. قلت: هذا يعني أنه بحاجة إلى ربع ساعة لإنجاز هذه المهمة. ضحك سليمان وضحك الحاضرون، على اعتبار أن ليس ثمة من جواب غير هذا.
تناولنا طعام الغداء، ثم تجولنا قليلاً في الحديقة التي ملأها سليمان بمختلف أنواع الورود. كان كلما سافر إلى بلد أحضر معه أنواعاً من البذور التي لا تلبث أن تنبت في أرض الحديقة، ثم تجود بأجمل الورود. توقفنا قليلاً عند قبري والد سليمان ووالدته. تأملنا بيت العائلة الذي رممه سليمان وجعله بيتاً عصرياً يأتي إليه بين الحين والآخر ليقضي فيه أوقاتاً جميلة. سليمان كان على وشك أن يدخل مرحلة من الحياة الهادئة بعد سنوات من الاعتقال والتشريد والاختفاء والعيش في المنافي. قال لي مرة: أحب أن أجلس وحدي في بعض الأحيان بعيداً عن الضجيج، لكي أمارس التأمل قليلاً وأحظى بشيء من الهدوء.
لم يكد سليمان يظفر بأشهر من الهدوء حتى باغته المرض. وها هي ذي حديقة البيت تحتضن اليوم قبوراً ثلاثة.

2

وذات مرة، أقام سليمان حفل غداء في بيته في رام الله للشاعر محمود درويش، دعاني لتناول طعام الغداء، فلبيت الدعوة مع أنني لا أحب مغادرة البيت يوم الجمعة (كان ذلك في ربيع العام 1999 على ما أعتقد). معنا على مائدة الطعام، ليلى زوجة سليمان، وابنتهما مها، وغسان الخطيب ( عضو المكتب السياسي في الحزب، وزير العمل فيما بعد) وزوجته الدكتورة سلوى (ابنة أخي سليمان). قال لي سليمان إن محمود لا يحب الولائم التي يحضرها كثرة من المدعوين، ولذلك كانت الدعوة مختصرة جداً لكي يكون الجو أهدأ. جاء محمود وهو ما زال يعاني من انفلونزا حادة، وقد لاحظت ذلك حينما هاتفته قبل أسبوع، كان صوته مبحوحاً، ويوم الجمعة كان ما زال يعاني من بحة. قدم له سليمان كمية من السكر الفضي على أمل أن تساعده في إعادة صوته إلى وضعه الطبيعي. ومحمود يتحدث عن هذه البحة على نحو ساخر بين الحين والآخر.
تحدثنا في موضوعات عديدة على نحو سريع: مسلسل أم كلثوم الذي ما زال يثير أصداء طيبة، بعض الظواهر في الديانات المختلفة وبالذات مسألة التوحيد التي جاءت بها الديانة اليهودية نقلاً عن ديانة التوحيد التي تبناها أخناتون في مصر، وهي التي يعتقد بعض الباحثين أنها وصلت إلى مصر من بابل التي كانت تعبد إلها مركزيا اسمه شمس . لسليمان آراء عميقة في التاريخ القديم. تحدثنا قليلاً في السياسة، ربما لأنها خبزنا اليومي الذي لا بد من تناسيه قليلاً في يوم مثل هذا اليوم.
لاحظت أن محمود لا يحب الاستغراق في موضوعات فكرية أو سياسية في هذه الجلسة وأمثالها، (أو على الأقل في هاتين الجلستين اللتين كنت حاضراً فيهما) ليس لأن حالته الصحية هذه المرة لا تسمح، إنما لأنه كما يبدو يحب في مثل هذه المناسبات أن يكون الحديث سهلاً سريعاً عابراً، بعيداً على نحو ما، من طابع الجد الذي يسم مجمل حياة الفلسطينيين، وله الحق في ذلك كما أعتقد. (التقينا العام 1991 في بيت الصديق الشاعر والروائي ابراهيم نصر الله في عمان. كانت الدعوة إلى تناول طعام العشاء على شرف محمود. وقد دعا ابراهيم عدداً كبيراً من الأصدقاء. حضر بعضهم صحبة زوجاتهم. لم يدر في تلك الليلة أي حديث في السياسة أو الثقافة، إلا على نحو خاطف. قدم المغني كمال خليل بعض أغنياته قبل انتهاء السهرة بقليل. في دعوات سابقة في بيت إبراهيم وفي بيوت أصدقاء آخرين، كانت الجلسات تتحول إلى ندوات سياسية أو ثقافية ولها جداول أعمال!) ولاحظت أنه لا يحب أن يتحدث عن نفسه، وحينما يطري عليه الآخرون، فإنه سرعان ما يرغب في انهاء الموضوع، وهي خصلة حميدة بكل المقاييس، فيها تعبير عن سلوك رفيع.
تخللت أحاديثنا بعض الممازحات الظريفة التي يبرع فيها محمود، ويبرع فيها سليمان كذلك. أنا لا أعتبر نفسي بارعاً في السخرية، لكنني أستطيع المشاركة في ذلك أحياناً. ولقد تحدثنا عن بعض همومنا الصحية، خصوصاً ارتفاع ضغط الدم الذي أعاني منه، ويعاني منه محمود كذلك. كان سليمان يتمتع بصحة جيدة آنذاك.

3

من كل بلاد زارها، أحضر بذوراً ليزرعها في تربة الحديقة. من كل مدينة زارها، أحضر أشتالاً من نباتات الزينة. الحديقة تألقت بما فيها من ورود وأزهار ونباتات. أصبحت محط أنظار الزوار والضيوف. والحديقة ظلت تطلب المزيد لكي تحظى بالمزيد من إعجاب الزوار.
باعدت بينها وبينه المسافات، ولم يعد قادراً على الوصول إليها لتزويدها بأنواع جديدة من النباتات والورود والأزهار. عاد إليها للمرة الأخيرة بعد غياب، واستقر في حضنها إلى الأبد.

4

البيت على كتف الجبل. بيت هادئ في الحد الفاصل بين المدينتين الجارتين. وسليمان يمضي مبتعداً وهو واثق من أنه سيعود. يبتعد عن البيت مسافة مائة كيلومتر، يغيب أياماً ويعود. يبتعد عن البيت آلاف الكيلومترات، يغيب بضعة أشهر ويقول إنه سيعود.

5

ذهبنا، الدكتور وليد مصطفى وأنا، إلى بيت سليمان، الواقع في الحد الفاصل بين البيرة ورام الله.
كنا نحن الاثنين، نعد لإصدار كتاب عن سليمان. وكان علينا أن نلتقي زوجته، ليلى، للتحدث معها حول النص الذي يمكن أن تكتبه عن زوجها. ليلى عملت مدرّسة لعدد من السنين، لكنها لم تكتب شيئاً من قبل، ولم تفكر في أنها سوف تكتب شيئاً من بعد، غير أن موت سليمان دفعنا إلى التوجه إليها، لكتابة شيء ما عن حياتها المشتركة معه.
جلسنا في البيت ولم يكن سليمان معنا إلا على شكل صورة في إطار، وعلى شكل ذكريات كثيرة. ليلى ترتدي ملابس الحداد، وتحاول في الوقت نفسه أن تبدو عادية في كلامها وفي تصرفاتها. غير أن هذا الانضباط، لم ينجح في إخفاء الحزن الذي يرتسم على وجهها ويتبدى في نبرات صوتها.
أبدينا ملاحظاتنا على أول خمس صفحات قامت بكتابتها. قلنا لها: ثمة استعجال في الكتابة وثمة انتقال سريع بين الأمكنة والأزمنة. وقلنا: اكتبي عن مشاعرك دون حرج. قلنا: توقفي ملياً عند التفاصيل الحميمة ووقائع الحياة اليومية، فالمناضل إنسان قبل كل شيء. وقلنا: اكتبي ببساطة ومن غير تهيب.
غادرنا بيت سليمان بعد نصف ساعة. وبعد أقل من شهرين، سلمتنا ليلى نصاً مكتوباً في صدق وفي سلاسة، وكان من أجمل النصوص التي ضمها الكتاب الذي سيظهر بعد ذلك عن سليمان.
إنه نص حميم كتبته زوجة وفية لم تجرب الكتابة من قبل.

جريدة الاتحاد/ حيفا 2 / 2 / 2007


Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME