س1 – في الفترة الأخيرة أنتجت كماً وكيفاً كأنك تسابق الزمن! كيف تنظر إلى هذا الأمر؟

ج- أنظر إلى هذا الأمر بشيء من الارتياح، لأنني أصبحت أكثر انتظاماً في الكتابة، لا يشغلني عنها شيء تقريباً، وأخصص لها وقتاً كافياً، ويبدو أنني أسابق الزمن فعلاً، لأنني انشغلت في زمن سابق بأنشطة أخرى إلى جانب الكتابة، لكنني لا أشعر بأي ندم على الوقت الذي لم أخصصه للكتابة، لأنه كان مخصصاً لأنشطة سياسية ونقابية أعطيتها الكثير من وقتي.


س2 – وبقيت مخلصاً لفن القصة القصيرة! لم تتحول إلى كتابة الرواية مثلاً!

ج- القصة القصيرة فن يظلمه غالبية النقاد نوعاً ما، يهتمون بنقد الرواية أكثر مما يهتمون بنقد القصة القصيرة، لأسباب غير مقنعة كما أعتقد. أنا منحاز إلى القصة القصيرة، فيها أجد نفسي، وكلما أوغلت في الكتابة القصصية اكتشفت أن ثمة آفاقاً واسعة يمكن للقصة القصيرة أن ترتادها. لكن هذا كله لا يعني أنني لن أكتب الرواية، توجد لدي مخطوطة روائية ما زلت متردداً في إخراجها إلى حيز النور، وكنت قبل أربع سنوات نشرت رواية للفتيات والفتيان تحت عنوان "أنا وجمانة"، لكنني لا أخفي عليك: تظل كتابة القصة القصيرة هي هاجسي الأول.

س3 – مجموعتك القصصية الأخيرة حملت اسم امرأة مشهورة في عالم السياسة، والمجموعة التي سبقتها حملت اسم امرأة مشهورة في عالم الغناء! ما معنى ذلك وما دلالته؟

ج- المعنى موجود في نصوص القصص التي اشتملت عليها المجموعتان القصصيتان اللتان تشير إليهما، وهو موجود كذلك في سمة العصر الذي نعيشه، أو نعيش هذه الحقبة الملتبسة فيه، حيث تتجاور ثقافات شتى بفعل تطور الاتصالات، وتنامي الدور الذي تلعبه أجهزة الإعلام الحديثة والإنترنت، وحيث تختلط أمور البشر اختلاطاً لم نشهده من قبل، وتتداخل على نحو أصبح يسوغ لدولة كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، الادعاء بأنها حامية حمى الديمقراطية في العالم، وأنها المعنية دون غيرها بمحاربة الإرهاب، ولكن كيف؟ بإرهاب دولة أشد فتكاً وقسوة، وبحروب دموية مدمرة لا تحقق أمناً ولا تؤمن استقراراً. من هذا المنظور، منظور التداخل، يصبح من غير المستغرب استحضار شخصية كوندوليزا رايس ولو في الحلم، وتعريضها للمساءلة، ما دامت تملك تأثيراً سلبياً على مصير الناس مهما كانوا بعيدين عن دائرة حياتها الخاصة، والأمر نفسه ينطبق على بوش ورامسفيلد وغيرهما من شخوص زماننا المشهورين، الذي تحولوا في قصصي إلى شخصيات سردية تسهل متابعتها والتعرف عليها عن قرب. إن عنوان المجموعة القصصية "ابنة خالتي كوندوليزا"، يشكل استمراراً لما بدأت به في المجموعة قبل الأخيرة، "صورة شاكيرا" من اشتباك مع أبرز ظواهر عصرنا التي تفرزها العولمة.
ولكن، دعني أتحدث بتفصيل أكثر عن "صورة شاكيرا" وعما ترمز إليه هذه التسمية. وسأبدأ بالاحتمال الأبعد. ذلك أن شاكيرا تنحدر من أصول عربية كما هو معروف، وقد أصبحت لديها بسبب هجرة أبيها من وطنه الأصلي، لبنان، وولادتها في المهجر، هوية مختلفة اكتسبتها من بيئتها الجديدة، وأكسبتها فناً لفت الانتباه إليها خصوصاً وهي تضمنه بعض قسمات الفن الشرقي، رقصاً وغناء. وكما تعلم فإن شاكيرا ليست مثالاً يتيماً في مسألة الهجرة والاغتراب، فثمة ملايين العرب الذين يتقاسمون معها هذه الظاهرة التي عايناها في القرن الماضي بكثافة، ويبدو أننا سنستمر في معاينتها في القرن الحالي، رغم القوانين والإجراءات الصارمة التي تطبقها بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، لتقييد هجرة العرب والمسلمين إليها، بعد أن أفرط الإعلام الغربي في وصم هؤلاء وأولئك بتهمة الإرهاب.
غير أن هذا لم يكن هاجسي الأساس من وراء التسمية. الهاجس الأساس يقع في الالتباس المقصود الذي أوقعنا فيه الاحتلال الإسرائيلي الذي امتد وطال، فثمة محاولات دائبة لتغيير هوية المكان، وكذلك هوية الناس. أسماء الشوارع في القدس يجري استبدالها بأسماء إسرائيلية، وأسماء الناس كذلك يجري التطاول عليها فلا تبقى على حالها، سواء لدى تثبيتها في البطاقات الشخصية أو لدى التلفظ بها، كأن الغريب الذي يحتلنا يريد أن يشعرنا بأن رنين أسمائنا حينما يتلفظ بها مختلف عما تعودناه، ولكي أفصل الأمر على نحو أوضح، أشير إلى أن اسمي في الهوية الإسرائيلية الممنوحة لي، والتي من غيرها لا أستطيع الإقامة في القدس، قد تحول من محمود شقير إلى محمود شقيرات، وحينما يتلفظ به جندي إسرائيلي أو أي مسؤول في أية دائرة إسرائيلية، فإنه يتحول بقدرة قادر إلى محمود شاكيرات، بتلك اللكنة التي تذكرك دوماً بأن ثمة غريباً يعطي لنفسه الحق في التلفظ باسمك على النحو الذي يريده، وما عليك إلا أن تنصاع له أو أن تسخر منه ولو بينك وبين نفسك، أو فيما بعد أمام أهلك وأصدقائك. ولقد اخترت في هذه المجموعة القصصية أن أسخر من هذا الالتباس الاحتلالي، فآثرت أن أجعل "شاكيرا" واحدة من بنات عائلة شاكيرات، لعل ذلك يسعف عمها الكبير في تدبير أمره مع سلطات الاحتلال للحصول على بطاقة هوية جديدة، بعد أن ضاعت بطاقة هويته التي منحتها له هذه السلطات.
علاوة على ذلك، فإنني أرى في هذا العنوان اشتباكاً من نوع ما، مع ما تطرحه علينا العولمة الأمريكية من إشارات لثقافة استهلاكية مسطحة تتخذ من بعض رموز الغناء والرقص والتمثيل والرياضة والإعلام وبرامج التسلية والترفيه، وسيلة لصرف أجيال الشباب عن الاهتمام بالمشكلات الحقيقية لهؤلاء الشباب أنفسهم وللوطن والناس، وإحاطتهم، من ثم، بأجواء زائفة مصطنعة، تفقر وعيهم وتسلبهم القدرة على رفض الواقع السائد والتمرد على قوانينه الجائرة.
يوحي عنوانا الكتابين المنوه عنهما أعلاه، بأن ثمة تعاطياً مع ثقافة العولمة من خلال توظيف إشاراتها ورموزها، غير أن هذا التوظيف يذهب مذهباً مغايراً تماماً لما تهدف إليه هذه الثقافة، حين يجعل اهتمامه منصباً على ما يؤرق الناس، وعلى الانحياز إلى التفكير الإيجابي والفعل الخلاق، ولكن دون وعظ أو مباشرة أو افتعال.

س4– لنقف قليلاً عند مجموعتك القصصية "مرور خاطف" فقد شكلت حالة متميزة وقت صدورها، إلا أن هذا التميز ما لبث أن تراجع قليلاً بعد الهزة التي أحدثتها مجموعة "صورة شاكيرا" ألست معي في هذه الرؤية؟

ج- إذا كان ثمة ما هو متميز في مجموعة "مرور خاطف" فأعتقد أنه سوف يستمر بغض النظر عن المجموعة القصصية التي تلتها. لكنك تقصد كما يبدو انصراف الأذهان إلى المجموعة الجديدة، والتحول إليها للكتابة عنها. ربما كان ذلك صحيحاً، خصوصاً وأن الفاصل الزمني بين المجموعتين كان قصيراً إلى حد ما. ومع ذلك، فما زلت أنظر باهتمام إلى هذه المجموعة القصصية التي أعتبرها ذروة المرحلة التي انصرفت أثناءها إلى كتابة القصص القصيرة جداً. لقد جاءت هذه المجموعة بعد "طقوس للمرأة الشقية" و "صمت النوافذ"، وقد حاولت من خلالها، أقصد "مرور خاطف" تجسيد اللحظات المنسية أو الهامشية في حياة الكائن الإنساني، بلغة بالغة التكثيف، كما حاولت تعميق الميل إلى أنسنة كل الكائنات والأشياء المحيطة بالإنسان، والتركيز على فكرة التأمل في مصائر البشر من نساء ورجال، التي بدأتها في "طقوس للمرأة الشقية" وما في هذه المصائر من مفارقات مؤلمة حيناً، مفرحة حيناً آخر، وفي الوقت نفسه حاولت الابتعاد، ما أمكن، عن النزعة الإيديولوجية التي ظهرت في بعض قصص "صمت النوافذ". ويبدو لي الآن أنني وصلت إلى منعطف في هذه التجربة، بات يتطلب أسلوباً مغايراً وجديداً لكتابة القصة القصيرة جداً، وهذا ما لا أعرف كيف يمكنني التوصل إليه حتى الآن.

س5– لنعد إلى المجموعتين الأخيرتين اللتين تميزتا بأسلوب السخرية، الذي أعتبره خروجاً عن المألوف في زمن الألم والحزن، هل تعمدت اللجوء إلى هذا الأسلوب في معالجة قضايا الناس وهمومهم؟ ومن أين جاء هذا الأسلوب؟

ج- هذا الأسلوب الساخر هو نتاج الواقع المر الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال، إنه أسلوب في الكتابة التي تتعالى على جراح الواقع، ليس لجهة الهروب من مواجهته، وإنما لجهة تركيز الانتباه على ما يشتمل عليه هذا الواقع من انحراف عن أبسط معايير حقوق الإنسان والكرامة البشرية، ولتحقيق هذا التركيز لا بد من وضع الآخر_ الجلاد تحت مجهر الفن لفضحه ولتبيان خطل تصرفاته وللسخرية منه في الوقت نفسه، والاستهانة به وبكل إجراءاته القمعية، وفي ذلك تعزيز للروح المعنوية للناس العزّل الذين يتصدون للاحتلال. ويستلزم هذا الأمر كما أعتقد، ليس السخرية من الآخر والتهوين من شأنه وحسب، بل السخرية من الذات كذلك، السخرية من نواقص الذات وأخطائها، وذلك لجهة التخلص من هذه النواقص والأخطاء، ولخلق حالة جديدة وروح معنوية تمكننا من الاستمرار في الصمود فوق أرضنا. وفي هذا الصدد ينبغي التنويه بأن اللجوء إلى السخرية، يتم انطلاقاً من سرد قصصي بعيد عن المبالغات الرنانة والشعارات المباشرة، بحيث تتحقق متعة القراءة ويتحقق في الوقت نفسه هدف إنساني ونضالي، جراء الكتابة التي تتفاعل مع قارئها وتصل إلى أعماق وجدانه.
أكرر مرة أخرى: إن شدة الألم والمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة هي التي أنتجت أسلوب السخرية ودفعتني إلى استخدامه على نحو بارز في قصصي الأخيرة. غير أن هذا لا يمنعني من القول إن لدي ميلاً إلى الكتابة الساخرة منذ كتاباتي الأولى، وفي هذا الصدد، فإنني أحيلك إلى قصة "الفتى الريفي" في مجموعتي القصصية الأولى "خبز الآخرين" لتجد أن بذور الكتابة الساخرة لدي موجودة هناك، كما أنني كتبت قبل سنوات قليلة ثلاثة نصوص مسرحية ساخرة، عرضت على مسارح القدس ورام الله وغزة وغيرها من المدن الفلسطينية. إن الكتابة بأسلوب ساخر ليست أمراً سهلاً، والتعمد غير وارد هنا، لأنه سيوقع لا محالة في الاصطناع والتكلف والافتعال.

س6 – بعد قراءتي للمجموعة الأخيرة "ابنة خالتي كوندوليزا" لاحظت أنك تمسكت بخيوط اللعبة كما وردت في "صورة شاكيرا"، ولم تتجاوزها. ما رأيك؟

ج- لم يكن المطلوب هو التجاوز، لسبب بسيط، وهو أن ست قصص في صورة شاكيرا من أصل تسع وعشرين قصة، هي التي ارتدى الأسلوب فيها طابع السخرية، والتي عرضت من خلالها بعض الشخصيات المشهورة من رموز ثقافة العولمة أو من رموز عالمنا المعاصر. في المجموعة الأخيرة حاولت تكريس هذا المنحى الجديد في كتابتي القصصية، وتعميقه والذهاب به إلى أقصى ما أستطيع من سخرية، ومن تعامل مع ثقافة الاستهلاك ورموزها، ومع رموز أخرى مشهورة في عالمنا المعاصر، واستحضارها لمعايشة البيئة الفلسطينية المحكومة بالاحتلال من جهة وبالتخلف الاجتماعي من جهة أخرى. كما أن المجموعة الأخيرة توغل في كشف تناقضات الواقع الاجتماعي السائد وتعريته، واستكمال ما بدأت به المجموعة قبل الأخيرة من كشف وتعرية، مثلاً: في قصة "مقعد رونالدو" المنشورة في المجموعة قبل الأخيرة، نتعرف على كاظم علي، الشاب الذي يرغب في ممارسة قناعاته الخاصة بعيداً عن سطوة الجماعة، رغم ما يتعرض له من قمع ومحاولات تدجين، هنا، في هذه القصة، يبدو كاظم علي نموذجاً بشرياً جديراً بتعاطف القارئ، وفي قصة "مقعد بابلو عبد الله" المنشورة في المجموعة الأخيرة، تنكشف سمات أخرى في شخصية كاظم علي، تشي بأنه ما زال غير قادر على التخلص من إرث التخلف، حينما يصطدم برغبة زوجته في تشكيل فريق نسائي لكرة القدم واللعب في صفوف هذا الفريق. يوضع كاظم علي على المحك بخصوص موقفه من حقوق المرأة، فنجده يتصرف بطريقة تقليدية تماماً. هكذا جاءت المجموعة القصصية الأخيرة لتضيء جوانب جديدة في أعماق الشخصيات وفي قلب الواقع.
ولا بد من أنك لاحظت المقالات النقدية التي كتبها بعض النقاد، حيث جمعوا بين المجموعتين وكتبوا عنهما معاً، على اعتبار أن المجموعة الأولى تفضي إلى الثانية، وتتقاطع معها في مواقع عديدة.

س7– هذا الكلام يعيدنا إلى هاجس الكتابة الروائية، فما دمت لم تغلق الباب أمام احتمال كتابتك للرواية، هل يعني هذا الامتداد الذي يشي بنوع من التكامل بين المجموعتين القصصيتين!نزوعاً نحو الكتابة الروائية؟

ج- ربما، إذ يمكن ملاحظة أن بعض الشخصيات القصصية التي ظهرت في "صورة شاكيرا" قد عادت إلى الظهور في "ابنة خالتي كوندوليزا"، ثم إن المكان الذي يجمع غالبية شخوص المجموعتين هو مكان واحد يمكن التعرف إلى سماته وطبيعة الحياة الاجتماعية السائدة فيه، وأثر ذلك على الشخوص. علاوة على عدد من السمات الفنية المشتركة بين المجموعتين.

س8 – دعنا نتحدث عن الفانتازيا في قصصك الأخيرة. فمن المعروف أن الفانتازيا القصصية تلجأ إلى الارتكاز على حالة من الواقع، لكنني لاحظت أن ثمة حالات في المجموعة الأخيرة، كما في قصة "وليمة رامسفيلد" مثلاً، ليس لها واقع أبداً! ما رأيك؟

ج- لا أعتقد أن هذا الأمر يشكل مساساً بالكتابة القصصية أو انتقاصاً من قيمتها الفنية. زيارة رامسفيلد إلى بلادنا، باعتبارها حدثاً واقعياً، لم تتحقق بالفعل، غير أن ما ورد في القصة من تفاصيل تتعلق بالواقع الفلسطيني، تصرف ذهن القارئ عن محاكمة المسألة من زاوية تحقق الصدق الواقعي في القصة أو عدم تحققه. المهم هنا هو الصدق الفني، وهذه الواقعة تؤخذ باعتبارها حيلة فنية يتواطأ معها القارئ ويعتبرها أمراً مفروغاً منه، خصوصاً وهو يتابع التفاصيل الواقعية الفعلية، المعبّر عنها فنياً على نحو مقنع، التي تحيط بالزيارة وتمهد لها وتعقبها. ولمزيد من التوضيح، أعيدك إلى تراثنا السردي، وأشير إلى استخدام شخصيتي هارون الرشيد وزوجته زبيدة وغيرهما من شخصيات عصر الدولة العباسية في بعض قصص ألف ليلة وليلة. فهؤلاء لم يكونوا أبطالاً فعليين في تلك الليالي، لكن كاتب النص أو كاتبيه، استخدموا هذه الشخصيات المشهورة باعتبارها شخوصاً فنية في الحكايات، ولم يقل أحد إن هذا الاستخدام يقع في باب الفانتازيا التي لا واقع لها. كذلك فإنني أدعوك إلى تذكر الكتابات القصصية التي ظهرت في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي على أيدي قاصين معروفين في الوطن العربي، تلك الكتابات التي استحضرت الشخصيات التاريخية وجعلتها تعيش في العصر الحديث، لتعاني ما تعانيه من هذا العصر ومن مشكلاته وتناقضاته! تضاف إلى ذلك المسألة التالية: إن إنزال رامسفيلد أو غيره من رموز العولمة، من علياء موقعه المتسلط، وتحويله إلى شخصية سردية، يتحكم فيها السارد مثلما يريد وكيفما شاء، لا يعتبر انتصاراً للفانتازيا وحسب، وإنما كذلك لواقع منشود، على حساب الواقع الراهن، الذي يعاني من الوطأة الثقيلة لوزارة الدفاع التي يقودها رامسفيلد.

س9 – أرى كما يرى غيري أنك حينما تأخذ واقعك الشخصي بعين الاعتبار فإنك تتفوق كثيراً وتعطي كتابة متميزة وجذابة! فلماذا تبتعد أحياناً عن محيطك الخاص؟

ج- من قال إنني أبتعد عن محيطي الخاص حينما أكتب قصصي! أنا لا أكتب عن شيء لا يؤرقني. وكل القصص التي أكتبها تعبر بطريقة أو بأخرى عني، وتحمل مشاعري وأحاسيسي، قلقي وتمردي، قوتي وهشاشتي، وهي تنقل جزءاً من تجاربي الشخصية. ماذا تعتقد بخصوص قصة "شاربا مردخاي وقطط زوجته"! ألا ترى أن المعاناة على حاجز قلندية التي يسببها مردخاي وزملاؤه من جنود الاحتلال، للفلسطينين، هي معاناتي الشخصية قبل كل شيء! هنا يندمج الخاص بالعام، يصبح الخاص الذي هو معاناتي الشخصية جزءاً دالاً على العام الذي هو معاناة شعبي!

س10 – من هذا المنطلق، ألا ترى أن الواقع اليومي في فلسطين يشكل مادة مفتوحة للإبداع في ظل الأحداث المتلاحقة التي تشهدها البلاد؟

ج- ومن قال إنني ابتعدت عن الواقع اليومي! من قال إنني لم ألجأ إلى هذا الواقع باعتباره مادة مفتوحة للإبداع. أما إذا كنت تقصد أنه يتعين علي أن أتناول ما يقع هناك بشكل حرفي، وبطريقة مباشرة فهذا ما لم أفكر باللجوء إليه. إن هذا السؤال يقودني مباشرة إلى التأمل في هذه النقلة الجديدة التي أدعي أنني أنجزتها في هاتين المجموعتين القصصيتين. فأنا ما زلت كاتباً واقعياً بوجه الإجمال، أستمد مادتي الإبداعية من الواقع الذي أعاينه وأعيش في ظله. لكنني، وبعد إعادة النظر في تجربتي الإبداعية على امتداد السنوات الأربعين الماضية، وجدت أنه لا بد من التخلي عما هو خاطئ من أدواتي السابقة في فهم الواقع وفي التعبير عنه فنياً، خصوصاً ما يتعلق منها بتغليب الإيديولوجي على الفني في بعض كتاباتي السابقة، وما يستتبع ذلك من ذهابٍ إلى الواقع وفقاً لفكرة مسبقة عنه، ومن قولبةٍ للشخصيات القصصية وتنميطها، ومن توظيفٍ للعمل الأدبي على نحو مباشر أو شبه مباشر، للإفصاح عن رسالة سياسية محددة قد يضطلع بها مقال جيد. لم أعد معنياً بتكريس القصة القصيرة لأداء مهمة سياسية مباشرة، استجابة لذلك الفهم السطحي لوظيفة الأدب، باعتباره عنصراً فاعلاً في المعركة! ولم أعد معنياً بسرد معضلات الواقع المباشرة التي يمكن أن ينهض بها تقرير صحافي أو جولة لكاميرا التلفزيون. أصبحتُ أكثر اهتماماً برصد الأثر الداخلي الذي تتركه مشكلات الواقع على النفس البشرية، دون أن أحرم القارئ من إشارات غير ثقيلة وغير مملة لبعض جوانب هذه المشكلات، وفي الوقت نفسه تحقيق قدر عالٍ من متعة القراءة التي يوفرها عنصر السخرية، التي تتضافر مع عملية إطلاق العنان للخيال الإنساني، الذي يسعى إلى خلق واقع فني موازٍ، قادر على كشف الخلل في الواقع السائد، ما يستدعي حالة من الاستعداد النفسي لرفضه أو لعدم الرضى عنه وللتذمر منه في أسوأ الحالات.
جريدة الأسبوع الأدبي/ دمشق
العدد 973 تاريخ 10 / 9 / 2005

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME