- ماذا عن رحلة المنفى وأثرها على كتابات محمود شقير؟

كان للمنفى أثر كبير على كتاباتي، ويمكن القول إن المنفى هو الذي أعادني إلى الكتابة. ذلك أنني توقفت عنها بعد سنتين من نكسة حزيران 1967 ، توقفت عن الكتابة بقرار نابع من رغبتي في العمل السياسي المباشر ضد الاحتلال الإسرائيلي. وقد شجعني على اتخاذ هذا القرار عدة عوامل منها : احتدام المشاعر المعادية للاحتلال التي تتطلب عملاً سريعاً ومباشراً، وكذلك ، توقف الصحف في الضفة الغربية وقطاع غزة عن الصدور بعد الاحتلال مباشرة، باعتبار ذلك نوعاً من الاحتجاج على وجود الاحتلال وإصراراً على عدم التطبيع معه. يضاف إلى ما ذكر، أنه لم يعد هناك أي وسط ثقافي في الضفة والقطاع يمكنه أن يحفز عملية الكتابة الإبداعية. لذلك وجدتني أتوقف عن كتابة القصة القصيرة، ولم أجد أحداً ينصحني بانعدام الصواب في هذا الموقف، وانصرفت إلى نوع من الكتابة الصحفية التحريضية في صحافة الحزب السرية، ثم في الصحافة العلنية التي عادت إلى الظهور أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي.


في المنفى، وجدت نفسي أعود إلى الكتابة. عدت إلى معايشة أجواء الثقافة العربية، وإلى الإطلاع على الآداب الأجنبية على نحو أكثر شمولاً، وانخرطت من جديد في الحياة الثقافية سواء أكان ذلك إبان إقامتي القصيرة في بيروت أم إقامتي الطويلة في عمان. كتبت عدداً غير قليل من القصص القصيرة التي صدرت في ثلاث مجموعات قصصية ، وكتبت عدداً من المسلسلات الطويلة للتلفاز، وكتبت المئات من المقالات في الصحافة الأدبية والسياسية.
في المنفى أيضاً، تمكنت من النظر إلى الوطن من بعيد، واستطعت أن أراه من زوايا جديدة، فكتبت عنه بأسلوب جديد حيناً، وبأسلوب تطغى عليه الإيديولوجيا والمباشرة حيناً آخر، وتلك معضلة لا أنكر أنها تقلل من جدارة النص الأدبي حينما تبدو مخالفة لشروطه الفنية، وأعتقد أن سببها راجع إلى سنوات الابتعاد عن الكتابة، حيث ظل عقلي يسبق مشاعري حينما أنظر إلى أية قضية لها علاقة بالوطن أو بأية قضية اجتماعية. لكن المنفى، بما اشتمل عليه من خبرات ثقافية وحياتية، علمني كيف أطور أدواتي الفنية ولا أبقى أسيراً لشكل فني واحد لا يتغير ولا يتبدل.

- هل كانت بدايتك مع القصة القصيرة أم كتب الأطفال أم المسرح؟ وفي أيها تجد نفسك؟
ابتدأت كاتباً للقصة القصيرة. لم أكتب للأطفال إلا أواخر السبعينيات من القرن الماضي، ولم أكتب للمسرح إلا في التسعينيات. لا أجد نفسي في المسرح، ربما لأنني لم أواكب حركة المسرح الفلسطيني أو العربي على نحو مثابر. قبل إبعادي من فلسطين، واكبت بدايات المسرح الفلسطيني، وكنت على اتصال مباشر وشبه يومي مع القائمين على الحركة المسرحية، لكن اهتمامي آنذاك لم يكن منصباً على الجانب الفني لهذه الحركة، وإنما كنت معنياً بإدخال الإلتزام السياسي إلى بعض رموز الحركة. كنت محرضاً سياسياً أكثر من صفة كوني كاتباً.
أما بالنسبة لأدب الأطفال، فما زلت حتى هذه اللحظة أكتب للأطفال، وقد أصدرت حتى الآن عشرة كتب للأطفال. أحب الكتابة للأطفال، الكتابة للأطفال ترضي الطفل الذي في داخلي، لكنني لا أجد نفسي حقيقة إلا في كتابة القصة القصيرة للكبار، هناك، أحاول اكتشاف نفسي ونفوس الآخرين من حولي. أنا أعتبر نفسي كاتباً للقصة القصيرة وحسب.

_ ماذا تعني لك لحظة الكتابة؟
لحظة الكتابة لها متعتها التي لا مزيد عليها، لكنها لا تنفصل عما يسبقها من معاناة، ومن محاولات مضنية لضبط المشاعر وتركيزها، وكذلك محاولات تحفيز العقل للإحاطة بما يستحق أن يُكتَب، ثم إقصائه ، أي العقل، إلى الخلف، وإفساح المجال للمشاعر لكي تأخذ دورها الكامل. إن لحظة الكتابة لا تأتي بسهولة، وهي لحظة متمنعة صعبة، وهي محصلة أكيدة لما يسبقها من معايشة قد تقصر وقد تطول لفكرة ما أو لإحساس ما. وحينما أشعر أن لحظة الكتابة الحقيقية قد اقتربت، فإنني أمارس الكتابة بمتعة ونهم، ويكون ثمة إيقاع يقود الكلام، وينظم تسلسله، يكون ثمة تملك للغة التي تخرج من الأعماق منسجمة مع موضوعها ومتلاحمة معه وقادرة على التعبير عنه. يكون ثمة تدفق لغوي طالع من القلب مباشرة، منصهر مع المشاعر والعواطف والرؤى والأخيلة.
أحياناً، تكون لحظة الكتابة كاذبة، مثل الحمل الكاذب تماماً، أو تكون مصطنعة، ينقصها الصدق وتنقصها الرغبة في الكتابة، فلا يكون ثمة إيقاع داخلي ولا انسجام ولا تدفق ولا انسياب حر، وتكون مفردات اللغة هامدة مثل كائنات صغيرة ميتة، مفككة غير قادرة على الإفصاح عن مكنونات النفس أو عن اضطرامها ولوعتها.
كم هي مؤلمة لحظة الكتابة الكاذبة، وكم هي محبطة، تجعل الكاتب يشعر بالخواء وبانعدام الفاعلية، تجعله يشعر كأنه يعيش على هامش الحياة. لذلك، فإنني كثيراً ما أتهرب من لحظة الكتابة خشية من كونها لحظة كاذبة، مما يسبب لي اضطراباً ما بعده اضطراب.

_ ماذا تعني المرأة عند محمود شقير؟
المرأة هي نقطة ضعفنا ونقطة قوتنا في الوقت نفسه. هي التي نبدأ منها ونظل غير قادرين على الافتراق عنها. لولاها لكانت الحياة ناقصة، أو ربما لما كانت هناك حياة لها كل هذا الاستمرار. معها نعيش أبهى لحظات الحب، ونعرف طعم العيش وبهجة الحياة.
وأمامها نكتشف ضعفنا ومحدوديتنا وخوفنا من جنون الرغبات. أمامها يتبدى ضعفنا وتخلفنا وضيق أفقنا وبؤس رواسبنا الموروثة من أول رغبة في التملك وأول نزعة للاضطهاد. أنا أكتب عن المرأة، ليس لأنني نصير المرأة الذي لا ينام الليل حرصاً على حقوقها وطمأنينة بالها. أنا أكتب عن المرأة لأطهر نفسي من رواسب التخلف التي ما زالت تعشش في رأسي إزاء المرأة، فأنا ما زلت رجلاً شرقياً بالرغم من تأثيرات الثقافة التقدمية ودعوات المساواة.
وأكتب عن المرأة لأنها ما زالت بالنسبة لمجتمعنا ولكل مجتمع متخلف، مثل جرح مفتوح، وما زالت قضية إشكالية تغري بالكتابة عنها، بالرغم من مرور أكثر من مائة عام على الدعوات النهضوية العربية المناصرة للمرأة، المنادية بتحريرها من القيود.

_ أنت من أبرز كتاب القصة القصيرة. كيف تراها الآن؟
القصة القصيرة ما زالت تواصل تقديم إنجازات جديدة على صعيدي الشكل الفني والمضمون. فإذا نظرت إلى ما كتبه رواد القصة الأوائل في وطننا العربي قبل مائة عام، وقارنته بما يُكتب الآن من نماذج قصصية متفوقة، لأدركت مقدار التطور الذي وقع في ميدان الكتابة القصصية. لقد أدخل كتاب القصة القصيرة الكثير من التقنيات وأساليب القص إلى قصصهم، واستفادوا من التراث العربي وأساليبه النثرية المتنوعة، واستفادوا كذلك من الآداب الأجنبية المختلفة، ولم يكتفوا بالمنجزات الفنية التي راكمها موبسان وتشيخوف وإدغار ألان بو، بل إنهم تجاوزوها في الكثير من الأحيان ونقضوها في أحيان أخرى، وراحوا يقيمون المعمار الفني لقصصهم القصيرة في فضاء جديد، مستفيدين مما طرحه كتاب أمريكا بالذات من أساليب جديدة وتقنيات. وانتبهوا إلى بعض الفنون الأخرى وبالذات السينما، واستثمروا بعض تقنياتها في الكتابة القصصية.
غير أن الكتابة القصصية، وبالرغم من كل إنجازاتها تعاني هذه الأيام من إجحاف غير قليل. فهي لا تُذكر على قدم المساواة مع أجناس أدبية أخرى مثل الرواية والشعر، بل إن الاحتفاء في وسائل الإعلام المختلفة وفي المناسبات الثقافية والمهرجانات، ينصب على الرواية والشعر في الدرجة الأولى، ولا يجري التنبه للقصة القصيرة إلا على نحو مجزوء ومن باب رفع العتب ولا شيء آخر سواه. كما أن الكثيرين من النقاد لا يولون القصة القصيرة إلا القليل من عنايتهم، بعد أن أصبح اهتمامهم مكرساً للشعر وللرواية.
ثم إن الكثيرين من كتاب القصة القصيرة، يعتبرونها مجرد خطوة تمهيدية على طريق كتابة الرواية، فما إن تظهر الرواية الأولى لأي منهم، حتى يتوقف عن كتابة القصة القصيرة باعتبارها مرحلة في مشواره الأدبي، ولا ضرورة للاستمرار في كتابتها.
أعتقد أن القصة القصيرة لن تتوقف عن الحياة باعتبارها جنساً أدبياً له امتداده الأصيل، وباعتبارها قادرة باستمرار على التطور والنماء. وهنا تقع المسؤولية الكاملة على عاتق كتاب القصة القصيرة أنفسهم، فهم مطالبون بإنجاز كتابة قصصية متميزة تجعل قصصهم قادرة على منافسة أجمل الروايات وأروع الأشعار. ولا شك أن إيقاع حياتنا الآخذ في التسارع على نحو عجيب، سيجعل القصة القصيرة من أفضل الأجناس الأدبية التي يمكن أن تُقرأ في دقائق، في حين أن قراءة الرواية بحاجة إلى عدة ساعات، ولا أخفي أنني أحب قراءة الروايات بالقدر نفسه الذي يجعلني محباً لقراءة القصص القصيرة.

_ من خلال كتابتك هل استطعت التعبير عن كل ما تشعر به بكل حرية ؟
لم أستطع ذلك. وأعتقد جازماً أن هذه ليست مشكلتي وحدي، فالكاتب في أغلب الأحوال والحالات إنما يكتب عن مجتمعه وعما يحيط به من ظواهر وأشخاص. وبالنظر إلى ما تحفل به مجتمعاتنا العربية من تخلف وقمع ومن كبت ومحافظة، تصبح الكتابة محفوفة بالمحظورات الدينية والسياسية والاجتماعية التي لا سبيل إلى التعبير عنها دون الوقوع في إشكالات لا تغيب عن البال. ولا أريد أن أذكر بصيحات الاستنكار التي تنطلق بين الحين والآخر في هذا القطر العربي أو ذاك، ضد مبدع عربي بحجة أنه نشر رواية مخالفة للسائد أو غنى أغنية لها مساس بالدين، أو أصدر ديوان شعر مخالف للأعراف والتقاليد.
إن افتقارنا إلى الديمقراطية غير المجتزأة، يجعل الكتابة الإبداعية محاصرة بالكثير من الممنوعات، كما أن افتقارنا إلى الحريات الشخصية التي لا يمكن التمتع بها إلا في ظل مجتمعات مدنية متطورة تحترم الإنسان وتحترم حياته الخاصة ولا تتدخل فيها، يجعل الكتابة الإبداعية تنحصر في ميادين محددة، ويقلل من فرصها في ارتياد مناطق مجهولة في النفس الإنسانية وفي المجتمع سواء بسواء. ولعل هذا يفسر بدوره فقر المكتبة العربية بكتب السيرة الذاتية، التي من واجبها أن تتميز بما فيها من بوح واعترافات، كما هو الحال في البلدان المتحضرة.
وثمة كتاب عرب، وأنا واحد منهم، يخشون من سطوة القارئ ومن ديكتاتوريته المتسلطة التي تتوقع من الكاتب نمطاً ثابتاً من الكتابة التي لا يريد القارئ أن يرى سواها. هذه السطوة تسللت إلي بسبب الفهم الخاطئ المسطح لرسالة الأدب وللمعنى الحقيقي للالتزام. لكنني أحاول دوماً أن أتمرد على السائد وعلى سطوة القارئ، أنجح حيناً ولا أنجح في بعض الأحيان. وأكتب حيناً ما يروق لي وأمتنع عن كتابة ما يروق لي بسبب المحظورات في بعض الأحيان كذلك.

_ ما هي طقوس الكتابة لديك؟
ليست لدي طقوس ثابتة محددة. فأنا لا أكتب بانتظام، لا أكتب كل يوم كما يفعل الكتاب المحترفون. أنا أكتب في أوقات فراغي، ويأخذ العمل الوظيفي مني وقتاً غير قليل. وأعتقد أنني لو كنت متفرغاً للكتابة لأنجزت كتابات أكثر وأفضل مما أنجزت حتى الآن.
أكتب منذ خمس سنوات مستعيناً بالكمبيوتر، وللكتابة عبر هذا الجهاز طقوس وشروط تفرض نفسها علي فرضاً. مثلاً ، لست متمرساً تماماً في آليات عمل الكمبيوتر، ولست قادراً في الوقت نفسه على إيلاء هذا الجهاز ثقتي التامة، لذلك، فإنني أظل زائد الخشية من امحاء ما أكتبه بفعل عوامل أجهلها، ولهذا السبب، فإنني لا أكف عن مراقبة ما أكتبه كلمة كلمة، ولا أكف عن الضغط على خانة حفظ المادة المكتوبة بعد كل جملة أكتبها، مما يسبب لي مزيداً من التعب والإرهاق.
غير أن للكتابة على الكمبيوتر حسنات كثيرة، منها أنني أرى أمامي فور الشروع في الكتابة نصاً مطبوعاً، مرتباً على أحسن وجه، مما يخلق لدي رغبة في مواصلة الكتابة، في حين أنني كنت أعاني من الكتابة على الورق، حيث لا أجد أمامي سوى خطي الذي أخطه بيدي، وفي أحيان كثيرة لا يعجبني هذا الخط، ولا تعجبني الجمل المكتوبة أمامي على الورق، فأمعن في تمزيق الورق، حتى ترتسم أمامي جملة لها رونق وفيها قدر من الإمتاع، فأستمر في الكتابة بعد أن أكون قد هيأت نفسي لها، عبر تمزيق الورق ومعاودة الكتابة من جديد مرات ومرات.
وفي حالة الكمبيوتر، أقوم بتمارين مستفادة من تجارب السرياليين حول الكتابة الأتوماتيكية. أكتب ما يخطر ببالي، أكتب دون توقف، ثم أعود إلى ما كتبت، أدقق فيه ، أحذف منه وأضيف إليه ، وأواصل الكتابة ، وبهذه الطريقة يحدث التركيز الذهني، وتقبل النفس على الكتابة بمتعة وانسجام.
أكتب النص دفعة واحدة إذا كان يتكون من صفحتين أو ثلاث صفحات، وأكتبه على عدة دفعات إذا كان كثير الصفحات. ثم أعود إليه بعد الانتهاء منه مراراً لتنقيحه وتطويره وتشذيبه وتجميله، وقد لا أرضى عنه بعد كل ذلك، فأتركه ولا أعود إليه، أو قد أعود إليه بعد وقت طويل.
أما بالنسبة للقصة القصيرة جداً، فإنني لا أكتبها على الكمبيوتر إلا بعد كتابتها على بطاقات صغيرة تستخدم عادة لتدوين الملاحظات والملخصات. يروق لي أن أكتب القصة القصيرة جداً على هذا النوع من الورق، الذي يشعرني بضرورة الاقتصاد في اللغة والتقشف في استخدامها.

_ أنت صاحب مخزون ثقافي ولديك تجربة كبيرة في حياتك تؤهلك لكتابة الرواية، فلماذا لم تكتب رواية حتى الآن؟
لدي خشية كبيرة من كتابة الرواية. كتابة الرواية تحتاج إلى وقت وإلى استنفار كل القدرات الإبداعية للكاتب، وهي تحتاج إلى رؤية عميقة لحركة الحياة والمجتمع والكون، وإلى قدرة على استثمار المخزون الثقافي في كتابة روائية تحتشد بالتأملات وتطرح الأسئلة وترسم آفاقاً إنسانية جديدة. وكلما تذكرت ذلك، تهيبت من كتابة الرواية. وكلما قرأت رواية عظيمة، شعرت بغبطة إزاء ما أقرأ، وشعرت في الوقت نفسه بمزيد من التهيب لأنني لن أستطيع أن أكتب مثل هذه الرواية أو تلك من الروايات التي أقرأها.
ومع ذلك، فقد حاولت أواخر السبعينيات من القرن الماضي كتابة رواية عن تجربتي في السجن، ولم أجازف بنشرها، وإنني الآن مسرور لعدم نشرها، لأنها لم تكن رواية بالمعنى الفني للكلمة. كانت باختصار، خلاصة ذهنية لما أفكر فيه وأعتقده من معتقدات سياسية وفكرية، والرواية شيء آخر غير هذا. وقد حاولت أوائل الثمانينيات من القرن الماضي كتابة رواية أخرى، قمت بنشر بعض مشاهد منها في مجلة " أفكار" الأردنية، وقد انتهيت من كتابتها خلال عام، وما زالت حبيسة أدراجي حتى هذه اللحظة، لأنني أشعر إزاءها بعدم ارتياح.
مؤخراً، تشجعت ونشرت رواية للفتيات والفتيان. غير أن الجهد المبذول فيها لا يعادل ذلك الذي ينبغي أن يبذل في رواية للكبار، ولذلك، فإنني ما زلت متهيباً، بالرغم من أن بعض أصدقائي من الكتاب والنقاد يشيرون علي بين الحين والآخر بضرورة الشروع في كتابة رواية. قد أفعل ذلك لاحقاً، ولا أخفي أنني أفكر جدياً في الأمر، لكنني لا أدري متى أشرع في ذلك.

_ أنت المنسق العام لجوائز فلسطين في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية. متى تأسست هذه الجوائز وما هي شروط الحصول عليها؟
تأسست الجوائز العام 1997 بمبادرة من الأخ ياسر عبد ربه وزير الثقافة. وقد قمت بوضع مشروع اللائحة الداخلية للجوائز الذي تم عرضه على عدد من المثقفين والكتاب والفنانين الفلسطينيين داخل وزارة الثقافة وخارجها لمناقشته وإغنائه. وقد تم إقرار هذا المشروع ليصبح لائحة داخلية تمنح بموجبها الجوائز لمستحقيها من المبدعين. وقد تشكلت للجوائز لجنة سنوية بموجب بنود اللائحة الداخلية، وانتخب الشاعر محمود درويش بالإجماع رئيساً للجنة على امتداد السنوات الماضية، وشارك في عضوية اللجنة أثناء ذلك عدد من أبرز الكتاب والنقاد والفنانين والمثقفين الفلسطينيين، وتم منح الجوائز حتى الآن لحوالي خمسين مبدعاً فلسطينياً ولبعض المبدعين والفنانين العرب: فيروز، مارسيل خليفة، وإلياس خوري.
الجوائز مخصصة للمبدعين الفلسطينيين في الداخل والخارج، ولكل مبدع عربي أو أجنبي قدم إبداعاً خاصاً بقضية فلسطين وبالنضال الوطني الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال. ويستطيع كل صاحب إنتاج أدبي أو فني منشور أن يتقدم شخصياً أو عبر مؤسسة ثقافية فلسطينية أو عربية لنيل إحدى الجوائز التي تراوحت بين ثماني عشرة جائزة في سنتها الأولى وبين عشر جوائز في سنتها الأخيرة. ويعتبر الشرط الإبداعي، أي مستوى الإنتاج وجودته، أهم شرط لنيل الجائزة.
لكن، قد يحدث مثلاً أن يتقدم صحافي بارز لنيل جائزة فلسطين للصحافة، ثم لا ينال الجائزة ولا ينالها أحد آخر غيره. أو قد يتقدم كاتب قصة بارز لنيل جائزة فلسطين للقصة القصيرة، ثم لا ينال الجائزة ولا ينالها أحد آخر غيره. وهذا لا يعني أن جائزة الصحافة أو جائزة القصة القصيرة، قد حجبت لعدم وجود من هو جدير بها من بين المتقدمين للجائزة. المسألة هنا، تتعلق باختيار اللجنة بعد قراءة النصوص المتقدمة للجوائز لعشرة حقول إبداعية، أو أكثر قليلاً أو أقل قليلاً من ذلك، لمنحها الجوائز، لأنه من غير المعقول أن تمنح جوائز سنوية بعدد الحقول الإبداعية التي قد تجعل الجوائز تصل رقماً باهظاً وغير منطقي في كل الأحوال.
أعتقد أن إقرار هذه الجوائز ومنحها بقرار من رئيس دولة فلسطين، وفي احتفال مهيب يحضره الرئيس ونخبة كبيرة من المثقفين والفنانين ورجال السياسة والمجتمع، يعتبر منجزاً مهماً من منجزات الحركة الثقافية الفلسطينية، ولعله من الضرورة بمكان، المحافظة على هذا المنجز ورعايته وتطويره، لأن في ذلك تطويراً للحركة الثقافية الفلسطينية نفسها، واعترافاً للمبدعين الفلسطينيين ببعض الفضل الذي هم أهل له، والذي هو حق طبيعي لهم.

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME