س _ بعد أربعين سنة من الكتابة والابداع، أين تجد نفسك الآن؟ في الوظيفة الرسمية، أم ما زلت ممسكاً بالقلم وتكتب القصة؟
ج _ الوظيفة ليست بديلاً من الكتابة، ولا يمكن بأي حال وضع هذه في مقابل تلك. الوظيفة هي وسيلتي لتأمين لقمة العيش. فأنت تعلم أن الكتابة في بلادنا لا تستطيع أن تؤمن للكاتب أبسط متطلبات معيشته، لذلك، فهو مضطر الى الاعتماد على العمل الوظيفي، الذي لا يكفي بدوره لتوفير حياة كريمة للمرء، فيضطر من أجل ذلك الى البحث عن عمل أو أعمال اضافية قد لا يكون لها علاقة بالكتابة، والنتيجة الوحيدة لهذه الدوامة المربكة، تقليص فرص المثابرة على الكتابة، واستنزاف الوقت الذي لا بد منه للكتابة وللقراءة.


ورغم أن وظيفتي تقع في اطار اهتماماتي الثقافية، إلا أنها تتطلب مني وقتاً، صرت مع التقدم في رحلة العمر، أشعر بالحرص الزائد عليه، كما أخشى من تبديده في غير صالح الكتابة. لذلك تجدني هذه الأيام، متذمراً من الوظيفة راغباً في التخفف من أعبائها ، وذلك لاستثمار الوقت على نحو مكثف في الكتابة، التي ما زلت أشعر أنني لم أراكم على دربها الطويل سوى القليل من الإنجازات. أنا مستمر في الكتابة بالرغم من مختلف الأعباء، وبالرغم من الاحباطات التي يفرزها كل صباح، سوء الأوضاع العامة التي تجتازها بلادنا. أنا مستمر في الكتابة، ولكن على نحو متقطع. أكتب القصة القصيرة والنص المسرحي والمقالة وسوى ذلك من ألوان الكتابة الإبداعية.

س _ قلت في شهادتك الإبداعية التي قدمتها في دارة الفنون في عمان خلال شهر تشرين الأول العام 1999 بأن مجلة الأفق الجديد لم تعترف بك قاصاً إلا بعد سبع وعشرين قصة لم تنشر. الآن من ينشر قصتين يعترف به قاصاً. ما السبب في رأيك؟
ج _ في زمن سابق، وبالتحديد في سنوات الستينيات من القرن الماضي، كانت المنابر الثقافية محدودة، ولم تكن مسألة النشر فيها ميسرة كما هو الحال اليوم. كان ثمة تشدد في التعاطي مع مستوى النص الإبداعي، وكان من واجبي أن أكتب سبعاً وعشرين قصة قبل أن أظفر بنشر قصة قصيرة واحدة. هذه الأيام، نجد حالاً مختلفاً، فالمنابر الثقافية، ممثلة في المجلات والصحف، أصبحت كثيرة، وهذا بحد ذاته أمر إيجابي، غير أن ثمة أوجهاً سلبية لذلك، من بينها حاجة هذه المنابر إلى مواد ثقافية كثيرة لتلبية متطلباتها في الصدور اليومي أو الأسبوعي أو الشهري المنتظم، الأمر الذي أوجد فرصة كافية لظهور كتابات متسرعة وغير ناضجة في الكثير من الحالات. ولعل تساهل المسؤولين عن هذه المنابر من جهة، وافتقارنا إلى حركة نقدية قادرة على الإمساك بزمام الأمور، أن يكون من بين الأسباب التي تسهم في تفاقم هذه الظاهرة، وهي ظاهرة مؤذية في كل الأحوال، حيث تضع جمهور القراء، الذي يتناقص يوماً بعد آخر، في حيرة شديدة، فلا يعود قادراً على تمييز الكتابة الجيدة من الكتابة الرديئة. وتتخذ هذه المسألة بعداً أكثر ضرراً، حينما يتم التعبير عنها في شكل كتب أنيقة الأغلفة، ضحلة المستوى، تفاجئ القراء ليس في بلادنا وحسب، وإنما كذلك في عدد من البلدان العربية، وذلك بسبب تغاضي بعض دور النشر عما تنشره، وعدم اكتراثها لذلك، ما دامت تتقاضى من بعض هواة الكتابة مبالغ نقدية، يدفعونها لدور النشر مقابل إقبالها على نشر كتبهم.
أعتقد أن التشدد في نشر نتاجات الكتاب الجدد نافع لهم، حيث يصبح من واجبهم بذل مزيد من العناية والجهد، وعدم التسرع في النشر، الأمر الذي يسهم في تقديم ولادات إبداعية جادة وعلى قدر أفضل من حيث المستوى الفني وطرائق المعالجة الإبداعية. إن سهولة النشر قد توقع الكتاب الجدد في الغرور، وفي نزعة الاستسهال التي لا تورث سوى الضحالة والخواء.

س _ ابتدأت الكتابة (كتابة القصة) وفيها قدر من الخطابة والتقليد، هل توصلت إلى كتابة قصة بشكل جديد، وهل جربت أشكالاً أخرى في الكتابة؟
ج _ لا أتفق معك في مسألة الخطابة. فالقصص القصيرة التي ابتدأت بها رحلتي مع الكتابة القصصية قبل أربعين سنة، لم تظهر فيها نزعة الخطابة، ولم يقل ذلك أحد من النقاد الذين كتبوا عن هذه القصص. خذ مجموعتي القصصية الأولى "خبز الآخرين" وانظر فيها من أولها إلى آخرها، ولن تجد فيها أي جنوح نحو الخطابة، التي تعتبر مقتلاً مؤكداً للقصة القصيرة. أما بالنسبة للتقليد، فلست أنكر أنني بدأت الكتابة مقلداً لغيري من الكتاب العرب، وكانت تلك وسيلتي الأولى في التعرف على أسرار الكتابة، وهي وسيلة كل كاتب جديد فيما أعتقد. لقد قلدت عدداً من الكتاب الذين كنت معنياً بالقراءة لهم، وأزعم أن هذا التقليد وقع في القصص الأولى التي لم تنل حظها من النشر، لكنني حينما نجحت في نشر أول قصة قصيرة، وكان ذلك على صفحات مجلة الأفق الجديد عام 1962 ، وفيما تلا ذلك التاريخ، فلست أعتقد أن القصص التي نشرتها كانت تقليداً لأحد. لكن ، ربما، بل من المؤكد أنني كنت متأثراً ببعض الكتاب، وثمة فرق بين التأثر والتقليد. فالتقليد يعني أن تكتب قصة بأسلوب ليس لك، وبصوت ليس صوتك، أما التأثر فيعني أن تستلفت انتباهك بعض السمات الفنية لدى هذا الكاتب أو ذاك، ثم تستوعبها، وتدخلها في إطار تجربتك الفنية ثم تكتب قصتك بأسلوبك الخاص وبصوتك الخاص بعيداً عن أساليب الآخرين وأصواتهم.
أعتقد، وبشهادة نقاد معروفين، أنني كنت من المجددين في مسيرة القصة القصيرة الفلسطينية والعربية. لقد كتبت القصة القصيرة ذات الأسلوب السردي التقليدي، لكنني لم أكتف بذلك في هذا الإطار، فقد أدخلت بعض التقنيات الجديدة على هذا الأسلوب السردي، سواء كان ذلك في استخدام الضمائر المتعددة أثناء السرد، أم في إدخال عنصر تيار الوعي. وقد كنت معنياً بإضفاء نكهة محلية على القصة القصيرة، وذلك بالميل إلى تطعيمها بالحكايات والأغاني الشعبية الفلسطينية، علاوة على استخدام اللهجة المحكية في الحوار القصصي.
فيما بعد، وبسبب التطورات المستجدة سواء في أساليب الكتابة القصصية أم في أنماط البنى الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الفلسطيني، وبسبب اغتناء تجربتي في الكتابة على نحو أفضل من ذي قبل، فلم يعد شكل الكتابة السردية التقليدية مقنعاً بالنسبة لي، ما دفعني دون تردد إلى الدخول في أشكال من الكتابة القصصية التجريبية. بعض هذه الأشكال كان في مكانه الصحيح كما أعتقد، مثلاً: الاستفادة من المونتاج والتقطيع السينمائي، الميل نحو نزعة الإيحاء بديلاً من نزعة الإخبار، استبطان النفس البشرية وما يعتمل فيها من مشاعر وانفعالات، الانزياح باللغة نحو الشاعرية التي تضفي جماليات من نوع جديد على السرد القصصي، وتجعله مفتوحاً على احتمالات ودلالات وتأويلات شتى، التكثيف الذي لا يعترف بالثرثرة، والاقتصاد الشديد في اللغة. وأما بعض هذه الأشكال فقد كان في غير مكانه الصحيح، أو إنه لم يصبح معلماً بارزاً ومؤثراً من معالم التجديد في الكتابة القصصية كما أعتقد، مثلاً: استخدام الكولاج في السرد القصصي، واللجوء إلى بعض المشاهد الفانتازية التي لا تعدو كونها حذلقات شكلية لم تثبت مع مرور الزمن.

س _ تكلمت عن المضافة والعشيرة والصمت والإصغاء للكبار وهم يتحدثون في الجلسات التي كانت تنعقد في مضافة جدك، وكان ردك على كل هذا بالكتابة. كيف؟
ج _ كانت الكتابة هي وسيلتي لأخذ حصتي من الكلام. لم يكن الحصول على حق الكلام سهلاً في البيئة المحافظة التي نشأت فيها. كان ثمة تمييز صارخ بين من يحق لهم الكلام من ذوي النفوذ في العشيرة، ومن لا يحق لهم الكلام من فقراء العشيرة. ولم تكن ثمة علاقات ديموقراطية من أي نوع كان في البيئة التي نشأت فيها. ولم تكن ثمة أصول مرعية تحفظ لكي ذي حق حقه في الكلام. وحينما كان يجتمع وجوه العشائر في مضافة جدي، كنت ألمس بوضوح كيف يفتقر المتكلمون الى أبسط الأصول المرعية، فكل واحد منهم يعتبر نفسه بحسب موقعه الاجتماعي صاحب حق في الكلام، لذلك كانت مضافة جدي تتحول في بعض الأحيان الى ما يشبه خلية النحل، تدوي فيها أصوات الجميع في وقت واحد، دون أن يصغي أحد لأحد، أو يفكر أحد بإعطاء حق الكلام لأحد. وكما قلت في شهادتي، فقد توسع مفهوم المضافة بالنسبة لي ليشمل المجتمع الذي تمارس فيه العلاقات الاجتماعية والاقتصادية على نحو جائر.
لذلك، لم يكن اللجوء إلى الكتابة بالنسبة لي تجسيداً لرغبة ذاتية وحسب، بل كان في الوقت نفسه، معاينة لتفاصيل الواقع الذي يشهد اختلالاً بين ذوي النفوذ وبين المحرومين من النفوذ ومن فرص العيش الكريم، وكنت أرى أنني عبر الكتابة قد أنجح في الانتصار للمحرومين، بالدفاع عنهم، وبتحويل كتابتي إلى صوت لمن لا صوت لهم، ولست أدري إلى أي حد نجحت في ذلك، لكنني حاولت.
س _ هل استطعت من خلال الكتابة، أن تدخل إلى نبض الناس، وقبلاً هل أنت معني بالتفاعل مع القضايا الصغيرة التي تمس حياتهم؟
ج _ ربما كان ما قلته قبل قليل يشكل إجابة على سؤالك. ومع ذلك، يمكن القول إضافة لما ذكرت أنني حينما ابتدأت الكتابة، فقد كنت مشدوداً إلى تفاصيل حياة الناس على نحو واضح. ويبدو أن معايشتي للفلاحين الفلسطينيين في الريف الفلسطيني قد كان لها أثر غير قليل في الكتابة عن همومهم، كما أن تنقلي في عدد من قرى الريف الفلسطيني بحكم وظيفتي، حيث كنت أعمل مدرساً آنذاك، قد أمدني بتجارب غير قليلة تجسدت في قصص مجموعتي الأولى "خبز الآخرين". فاذا أضفت إلى ذلك، انتمائي للفكر الماركسي وانضوائي في صفوف الحزب الشيوعي في تلك الفترة المبكرة من حياتي، لوجدت أن اهتمامي بالكتابة عن حياة الناس قد كان له ما يفسره. كذلك فقد كانت تلك الفترة التي شهدت نهوض الحركة الناصرية، وشروعها بالترويج لأفكار التحرر الوطني والتغيير الاجتماعي، سبباً آخر لتوجهي لكتابة القصة الواقعية الانتقادية، وكذلك القصة المنتمية لتيار الواقعية الاشتراكية، الحاملة لهموم الناس والمعبرة عن أشواقهم وتطلعاتهم.
أعتقد أنني ما زلت معنياً بالكتابة عن الناس، لكن وجهة نظري في دور الأدب والفن في الحياة والمجتمع لم تعد محكومة بعدد من المقولات النظرية التي تتعلق بالفقر وبالاستغلال الطبقي وما شابه ذلك. هذه مقولات لم تفقد أهميتها وجدواها، إنما لا يجوز حصر الأدب في إطارها، فالأدب له وظائف أشمل من ذلك، وهي في محصلتها تعني خدمة الحياة وجعلها أكثر جمالاً، والتعبير عن الإنسان على نحو أكثر شمولاً، وجعل حياته أكثر نضارة. لذلك، فثمة قصص كتبتها في السنوات الأخيرة يمكن تصنيفها ضمن هذه الدائرة الأشمل والأوسع، دون أن تتناقض، بطبيعة الحال، مع قناعاتي السياسية والنظرية التي تعتبر بشكل أو بآخر حافزاً لي على هذه الكتابة التي تضع الإنسان في مجمل حالاته وأوضاعه في مركز اهتمامها.

س _ لكل مبدع طقوس خاصة بالكتابة، ما هي الطقوس الخاصة التي يمارسها محمود شقير عند الكتابة؟
ج _ ليست لدي طقوس ثابتة محددة. كنت فيما مضى أعتمد الكتابة على الورق غير المسطر، الورق الأصفر الذي يستخدمه محررو الصحف، وكنت أمعن في تمزيق كميات غير قليلة من الورق أثناء الكتابة. كذلك فقد عودتني الصحافة على الكتابة بخط سريع ورديء. وكنت معنياً بكتابة قصصي على شكل مسودات، ثم أقوم بتنقيحها وتبييضها بعناية وببطء. إن هذه العملية البطيئة نافعة تماماً، وثمة أفكار واقتراحات كثيرة تدخل حيز النص القصصي أثناء ذلك. أكتب بخط رديء وأكثر من التشطيب، وأكثر شيء يربكني الجملة الأولى في النص. أكتب جملة فلا تعجبني، فأشطبها، وأظل أكرر المحاولة، حتى تظهر جملة ذات وقع مريح ومقنع، آنذاك تبدأ الكتابة في الانهمار. إن تكرار المحاولات يخلق استعداداً لدى الكاتب، ويمكنه من التركيز على نصه، وحينما يتحقق انقطاعه للنص، فإن وجدانه ومشاعره تبدأ عملها من أجل إثراء النص. أحياناً أكتب بقلم رصاص، ولا أغادر الجملة إلا بعد التيقن منها والرضى عنها، وفي هذه الحالة فإنني أستخدم الممحاة، ولا أمزق الورق. أمحو الكلمة التي لا تروق لي، وأستبدلها بكلمة أخرى، وهكذا دواليك. لا أحب الكتابة في الصباح. في الصباح أكون غير راغب في الكلام ولا في الكتابة، ولا يروق لي سوى الصمت والاستماع إلى المذياع آنذاك. أحب الكتابة في الليل، وأغلب قصصي كتبتها ليلاً.
منذ ثلاث سنوات، بدأت الكتابة عبر الكمبيوتر. ثمة عادات جديدة تتكون، وحينما أكون مضطراً إلى العودة إلى الورق، فإنني أشعر بشيء من الغربة، إذ ليس من السهل العودة إلى عادات الكتابة القديمة بعد هجرها زمناً. الكمبيوتر خلصني من مشكلة لها أهميتها، فحينما كنت أمارس الكتابة على الورق، كان عدم ارتياحي من شكل كتابتي يدفعني إلى عدم الاستمرار في الكتابة. الآن، وأنا أكتب عبر الكمبيوتر، تخرج الجمل أنيقة مرتبة على الفور، أراقبها على الشاشة، فأرى كلاماً مطبوعاً باتساق، فأشعر ببهجة وارتياح، وأواصل الكتابة. وحينما أفكر بتغيير جملة، فليس ثمة ضرورة للشطب أو لتمزيق الورقة واستبدالها بورقة جديدة، فلدى الكمبيوتر إمكانات للمحو والإضافة والحذف والتغيير، ما يتيح لي فرصاً كثيرة لإعادة النظر في النص الذي أكتبه إلى أن يستوي نصاً مقنعاً لي ولا حاجة بي إلى مزيد من إمعان النظر فيه. ثمة توفير مدهش في عنصر الوقت، لكنني أخشى دوماً أن تحدث معضلة تقنية أجهل أسبابها، فتدمر ما كتبت في لحظة واحدة، لذلك يظل تعاملي مع الكمبيوتر مشوباً بالخوف والحذر.

س _ التطبيع، إشكالية، ما موقفك من التطبيع، والذين يحاولون التمويه على الناس بأن التطبيع لم يعرف بعد، ويطالبون بتعريفه. ما هو تعريفك للتطبيع؟
ج _ لا أريد أن أعرف التطبيع، لأن التعريفات عموماً تظل ناقصة مهما اجتهد أصحابها في توخي الدقة والشمول. لكن، دعنا نعاين التطبيع من زوايا محددة ثم نخرج باستخلاصات. بداية، ثمة تطبيع سياسي، وثمة تطبيع اقتصادي، وثمة تطبيع ثقافي. والملاحظ أن ثمة مثقفين لا يرون أمام أعينهم سوى التطبيع الثقافي، حيث يتعقبون دون هوادة بعض زملائهم، ويلاحقونهم بهذه التهمة التي قد تطيح بسمعتهم الوطنية وبصدق انتمائهم. وأنا قد أفهم حرص هؤلاء المثقفين على منع التطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني، من زاوية أن الثقافة هي حصننا الأخير الذي لا ينبغي اختراقه، وذلك لإبقاء جذوة الروح حية متوقدة. لكنني في الوقت نفسه لا أفهم لجوء هؤلاء المثقفين إلى الصمت حينما يرون رأي العين من يطبع سياسياً واقتصادياً، ومن هو في سبيله إلى السير في ركاب التطبيع السياسي والاقتصادي، فلا يحركون ساكناً ولا يكتبون رأياً ولا حتى وجهة نظر. إذاً، كل أنواع التطبيع لها مخاطرها، ولا يجوز حصر الأمر في التطبيع الثقافي وحده.
ثمة بين المثقفين العرب من يرفض التطبيع بكل أشكاله مع إسرائيل انطلاقاً من عدم تسليمه بوجود اسرائيل، وانطلاقاً من كونها معتدية أصلاً على الحق الفلسطيني منذ العام 1948 ، ولذلك، فليس ثمة فرصة لأي شكل من أشكال التعاطي مع الإسرائيليين، ولو عبر الحلول السياسية المرحلية. وجهة النظر هذه، في اعتقادي ممعنة في تطرفها، وفي عدم رؤية الظروف الموضوعية التي تجتازها، راهناً، الأمة العربية، ومن ضمنها، بطبيعة الحال، الشعب الفلسطيني. لذلك، فإن مواقفها الرافضة لن تسهم في استرجاع حقوقنا الوطنية في المدى المنظور، ولن نظفر سوى بمزيد من التمادي الاسرائيلي متمثلاً في مزيد من تهويد الأرض الفلسطينية تحديداً، وخلق وقائع جديدة عليها.
أما وجهة النظر التي أنتمي إليها، وأمحضها تأييدي الكامل، فهي التي تنطلق من مبدأ الحق الملموس وليس الحق المجرد، وهي وجهة النظر التي استفادت من دروس النكبة الفلسطينية خلال الخمسين سنة الماضية، والتي ترى أن ثمة فرصاً لوقف الهجمة الصهيونية على حقوق الشعب الفلسطيني، وثمة فرصاً لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على جزء من التراب الفلسطيني، رغم المخاطر الراهنة التي قد تعيق إلى أمد غير قصير إقامة هذه الدولة. وانطلاقاً من وجهة النظر هذه، يمكن النظر إلى عدم التطبيع باعتباره ورقة ضغط على حكام اسرائيل لتلبية الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية المعبر عنها في قرارات الشرعية الدولية. ويصبح الشعار السياسي الخاص بهذه المسألة هو كالتالي: عدم التطبيع ما دامت الحقوق الوطنية الفلسطينية غير متحققة. وضمن هذا السياق، فإنني أفهم موقف المثقفين العرب من عدم التطبيع، وأقدره، وأعتبره ورقة ضغط مهمة، وعنصر إسناد للنضال الوطني الفلسطيني، ولمواقف المثقفين الفلسطينيين المعادين للتطبيع.
وهنا، لا بد من الإشارة إلى بعض الالتباس تجاه قضيتين هما: الحوار مع الآخر وزيارة مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية. فثمة من يعتبر الحوار مع بعض القوى والشخصيات الإسرائيلية بهدف توصيل وجهة النظر الفلسطينية والعربية إزاء الصراع الدائر في المنطقة، تطبيعاً بامتياز. أنا لا أعتبر الحوار، إذا كان منطلقاً من أسس مبدئية واضحة، تطبيعاً، بل هو شكل من أشكال الصراع، وتتبدى فيه فرص واقعية لكسب أطراف وقوى في المجتمع الاسرائيلي، وفيه فرص واقعية لتحييد بعض القوى المتشددة. ومع ذلك، فان الحذر والحساب الملموس تجاه هذا الحوار واجب وضروري، بحيث لا نمكن الطرف الآخر من تكريس مثل هذا الحوار لصالحه، وبحيث تصبح مكاسبه منه أكثر من مكاسب الطرف العربي أو الفلسطيني.
وثمة من يعتبر دخول المعابر التي يسيطر عليها الإسرائيليون حتى الآن، والقدوم إلى مناطق السلطة الفلسطينية، تطبيعاً بامتياز كذلك. وقياساً على ذلك، فإن جمهرة الفنانين العرب الذي شاركوا في المهرجانات الفنية التي شهدتها مختلف المدن الفلسطينية، ومنها القدس العربية بطبيعة الحال، خلال السنوات القليلة الماضية هم مطبعون مع العدو الصهيوني بامتياز! أعتقد أن ثمة مبالغة في هذا الأمر، وثمة نظرة أحادية الجانب تتمثل في عدم الرغبة في دخول معابر حدودية يسيطر عليها الإسرائيليون. لكن، حينما نأخذ بعين الاعتبار قيمة التواصل العربي مع الجماهير الفلسطينية التي تعيش حصاراً مريراً، طوال أكثر من ثلاثين سنة، وحينما ننظر إلى القيمة المعنوية والمعزى السياسي لظهور فنان عربي في القدس العربية، المهددة بالتهويد صبح مساء، فإن الأمور تصبح بحاجة إلى تقييم آخر، أكثر تبصراً بكل جوانب الظاهرة، وبكل أبعادها الإيجابية والسلبية، فإذا وجدنا أن عناصر الإيجاب تزيد عن جوانب السلب، فلماذا لا نأخذ بالإيجابيات لصالح صمودنا فوق أرض الوطن .
وثمة أمر آخر ينبغي أخذه بنظر الاعتبار ونحن نناقش مسألة التطبيع، تتعلق بالأقلية الفلسطينية التي ظلت تعيش فوق أرض وطنها منذ العام 1948 . ثمة من يرى ضرورة عدم التواصل مع هذه الأقلية، لأن التواصل معها عبر النشاط الثقافي والفني يعتبر تطبيعاً مع العدو الصهيوني. ثمة حاجة لرؤية الظروف الخاصة لهذه الأقلية، وثمة حاجة لتعلم الدرس الثمين من تجربتها بالذات مع الآخر. فقد بذل حكام إسرائيل العديد من المحاولات خلال السنوات الخمسين الماضية، لتذويب هذه الأقلية، ولطمس هويتها القومية، ولنشر العدمية القومية في صفوفها، ولصرفها عن انتمائها إلى شعبها الفلسطيني وأمتها العربية، فلم تفلح كل هذه المحاولات، ولم تنجح سوى في جر نسبة ضئيلة جداً من المرتزقة والمنتفعين بعيداً عن الانتماء القومي والوطني الصحيح.
في كل الأحوال، فإن ما يؤسف له أن يجري التعرض بين الحين والآخر لبعض رموز الثقافة الوطنية الفلسطينية، ومحاولة تشويهها عبر اتهامها بالتطبيع، وذلك استناداً إلى حجج واهية أو أوهام طائشة أو مواقف متعنتة، تسهم بقصد أو بغير قصد، في نشر اليأس وسوء الظن وانعدام الثقة بين من يعنيهم أمر هذا الوطن من سياسيين ومثقفين ومواطنين.
ومع ذلك، فانني أدعو إلى عدم غض النظر عن محاولات التسلل إلى صفوفنا عبر مشاريع التعاون الثقافي المشترك، أو عبر المؤتمرات التي يجري تنظيمها هنا وهناك تحت يافطات ومسميات مختلفة، لكنني، في الوقت نفسه، أدعو إلى محاكمة الأمور بروية وتبصر وبقدر عال من الحس بالمسؤولية، ودون مبالغة أو إحساس بالذعر لا مسوغ ولا مبرر له، وليكن المعيار الذي نحتكم إليه هو مدى الضرر أو النفع الذي يلحق بمصالحنا الوطنية العليا تجاه هذه المسألة أو تلك من المسائل المتعلقة بموقفنا من الآخر أو بعلاقتنا معه.


Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME