محمود شقير، قاص فلسطيني بارز ومناضل سياسي، اكتوى بنار الاحتلال وتجرع مرارة الإبعاد وخبر قساوة الترحل في مدن غريبة،

أصدر حتى الآن:
• خبز الآخرين، قصص، 1975.
• الولد الفلسطيني، قصص، 1977.
• الجندي واللعبة، قصص للأطفال، 1986.
• طقوس للمرأة الشقية، قصص، 1986.
• الحاجز، قصص للأطفال، 1987
• اغنية الحمار، قصص الأطفال، 1988.
• ورد لدماء الأنبياء، قصص، 1991.

أثار اصداراه (طقوس، ورد لدماء الأنبياء) بوجه خاص، جدلاً طال مشكلاً تعددت مسمياته: السياسي والثقافي.. الأيديولوجيا والإبداع.. الأدب الملتزم ..الخ.
هذا الحوار، محاولة للوقوف على مفاصل رئيسة في هذا المشكل، من وجهة نظر مثقف جمع بين الإثنين: الأدب والسياسة.
س1: الأدب الملتزم وعكسه، اشكالية استغرقت من النقاد والمهتمين الكثير من الجهد والوقت، الا تعتقد بأن الشعار في حد ذاته ينطوي على مغالطة أدت الى تغييب الفارق الأهم بين الأدب الجيد والأدب الرديء؟ وما هو المدى الذي تعتقد بأن النقاد قد بلغوه في التجني على الكثير من التجارب الإبداعية في ظل هذه المغالطة؟

محمود شقير: أية مغالطة وأي شعار؟ لست أعتقد أن المسألة يمكن حسمها بمثل هذا التصنيف السريع، فلقد استغرق الصراع حول مفهوم الإلتزام في الأدب، وحول الأدب الملتزم قرابة العقدين، وبالتحديد سنوات الخمسينيات والستينيات من هذا القرن، وتطلب الأمر مشاركة جمهرة غفيرة من الكتاب والنقاد، والدخول في مساجلات عنيفة أحياناً وهادئة في بعض الأحيان ، للدفاع عن مفهوم الإلتزام في الأدب او لرفض هذا المفهوم والصاق صفة الإلزام الخارجي به واعتباره أمراً مفروضاً من سلطة اخرى غير سلطة الأدب، لإنتاج أدب موجه له أهداف وغايات مقصودة. ولقد احتدت المعارك حول هذا المفهوم انذاك، بسبب ارتباطه أساساً بتزايد نفوذ الفكر الماركسي في اوساط المثقفين العرب وبدء انتشاره عبر التنظيمات والأحزاب الشيوعية تحديداً في أوساط الجماهير الشعبية الكادحة، وكان لا بد – والحالة هذه – ان يجري الترويج للكتابة الواقعية، وان شئت الدقة للواقعية الاشتراكية التي يعتبر الإلتزام بهموم الطبقة العاملة والكادحين، وبالقضايا الاجتماعية الملحة لهم شرطاً من شروطها، كان مثقفو الأحزاب القومية والمبدعون المنخرطون في صفوفها او المؤيدون لها انذاك هم الذين تصدوا لمفهوم الالتزام بالنقد والذم والتقريع، لأسباب شتى، منها معاداتهم للفكر الماركسي انذاك، ورفضهم لطروحاته النظرية والسياسية جملة وتفصيلاً واعتقادهم بأن الإلتزام انما يحد من حرية المبدع في الابداع ويفرض عليه قيوداً يجب الا تفرض عليه، وقد شجعهم على هذا الاعتقاد مظاهر الفجاجة التي كان يعرض من خلالها مفهوم الالتزام على ايدي المتحمسين له، والفهم المسطح له الذي كان يغرقه في نزعات التبشير والتفاؤل الساذج وحشر التجربة الانسانية في قوالب جاهزة لا يصح الخروج عليها، وقيام بعض النقاد الماركسيين انذاك باصدار احكام تعسفية على كتابات ابداعية عربية وعالمية، ووصفها بأنها كتابات برجوازية لا تخدم سوى الطبقات المستغلة السائدة، لمجرد انها تتأبى على القوالب الجاهزة ولا تقبل الدخول فيها، هذا بالإضافة الى الاثار السلبية للجدانوفية علىمفهوم الالتزام التي راحت تحث المبدعين بشكل فوقي على توخي الوضوح والبساطة، وتوجيه الادب الى الاغلبية الساحقة من الناس، والتضحية بالشكل الفني للعمل الأدبي كيلا يصبح عائقاً بين الادب والشعب، والى حملة خروتشوف على دعاة الفن الحديث والسخرية منهم في تصريحات علنية صدرت عنه اوائل الستينيات، لقد رد المثقفون القوميون على ذلك كله، بتبني الالتزام الوجودي الذي كان يدعو اليه سارتر ويعني حرية الاختيار بالنسبة للانسان، ولقد استمر السجال وقتاً غير قصير بين دعاة الالتزام الماركسي ودعاة هذا الالتزام، ولم تحسم المعركة الا بعد وقت، حينما نضجت تجارب الكتاب والادباء، وتعمقت المفاهيم النقدية وتخلصت من التزمت وضيق الأفق ونزعة المحاباة، وحينما ظهرت المقاومة الفلسطينية ومهدت لظهور الأدب الوطني الملتزم واقدمت بعض فصائلها القومية على الاعلان لاحقاً عن تبنيها للماركسية، وحينما تعمقت التمايزات الطبقية في بعض المجتمعات العربية، وظهر الاستقطاب بين مثقفيها على نحو اكثر وضوحاً من اي وقت سبق، وبالطبع، فإنني اتفق معك، بأن المسألة في نهاية المطاف، يجب ان تحسم لصالح الأدب الجيد الذي يعلي من قيمة الانسان وينتصر – من خلال شروط الفن والابداع – لكل ما هو قيم وانساني الدلالة، في الواقع الاجتماعي الذي نحياه واذا كان صحيحاً ان اعمالاً ادبية هابطة المستوى قد جرى "تشهيلها" في أزمنة التعصب والفئوية، وان اعمالاً ادبية رفيعة المستوى قد جرى تجاهلها لانها لا تنتمي جهراً الى هذا التيار السياسي او ذاك، فان الوضع اليوم، يتسم بوضوح اكثر، ولم يعد للنزعات الشعارية الفجة – والى حد كبير – سوقاً رائجة هذه الأيام.

س2: الكلام على اشكالية الأدب الملتزم يحيلنا بالضرورة الى الكلام على اشكالية السياسي والثقافي، الى اي مدى هيمن الخطاب السياسي على الخطاب الثقافي؟ وما هو حجم المسؤولية التي يتحملها المثقف سابقاً ويتحملها حالياً في اتجاه الغاء هذه الهيمنة اولا، ورفع التناقض الناشئ جراء عدم قدرة البعض على امتلاك مفهوم جدلي للعلاقة ثانياً؟

محمود شقير:
دعنا نتفق على المسألة التالية: وهي انه في ظل تنامي الثقافة الاستهلاكية في واقعنا وفي ظل الهزائم المتلاحقة التي منينا بها في العقود الخمسة الماضية، فان ثقافتنا الوطنية الديمقراطية تقف عارية في العراء وبدون سند جماهيري محسوس، وهي لا تشكل قيمة يعتد بها في زمن تكالب القيم الاستهلاكية، لذلك، فان دور المثقفين في اتجاه الغاء الهيمنة التي يمارسها الخطاب السياسي على الخطاب الثقافي يظل محدوداً، وان كان مطلوباً، ولا بد منه، في كل الأحوال، اما حول هذه الإشكالية نفسها، اشكالية السياسي والثقافي وهيمنة احدهما على الآخر، فهي تقودنا مباشرة الى التساؤل حول المقصود بالسياسي تحديداً، فاذا كان المقصود به السلطوي الذي يسخر كل ما في جعبته من وسائل قمعية وقانونية واعلامية ودعائية لتأمين سلطته وادامة تحكمه بمصائر الناس واستنزاف جهودهم وكدهم لتحقيق امتيازاته الطبقية غير المشروعة، فان علاقته في هذه الحالة مع الثقافي تتوزع، بحسب موقف الثقافي منه، فهي في حالة التوافق معه تعني الخضوع له والتبعية له، والترويج لأيديولوجيته في ميادين الادب والفن والابداع، وهي في حالة عدم التوافق معه تعني الدخول معه في صراع مكشوف وغير مكشوف لفضح التسلط والهيمنة والاستغلال، واذا كان المقصود به – اي السياسي – الجهد الانساني الذي ينتج معرفة تؤدي الى ادراك قوانين الواقع الاجتماعي بهدف تغييره وتطويره لما فيه مصلحة الجماهير الواسعة وخدمة الانسان، فلا اعتقد ان ثمة تناقضاً مع الثقافي الذي يسعى الى ادراك القوانين نفسها، وهنا يصح على هذا الامر ما ذكرته في سؤالك حول ضرورة امتلاك مفهوم جدلي للعلاقة بين السياسي والثقافي وتبادل شروط النجاح فيما بينها.
غير ان النظر في واقعنا الملموس، وتتبع ممارساتنا السياسية على الصعيد الآني، والتدقيق في اشكال هذه الممارسات، وطريقة تجليها في العلاقة بين السياسيين والمثقفين واساليب التعبير عنها بين المنظمات الحزبية العليا والمنظمات الحزبية القاعدية، وفي مختلف المؤسسات الحزبية والجماهيرية ، يحيلنا مباشرة الى القبض على ظاهرة الهيمنة بكل تفاصيلها، حيث لا يأخذ الثقافي في واقع الممارسات السياسية للأحزاب الديمقراطية والتقدمية الا حيزاً محدوداً جداً، وحيث لا يجري الاهتمام بالترويج للثقافة الديمقراطية ومنجزاتها الابداعية في أوساط القاعدة الحزبية الا على نحو مبتسر، ولذلك عدة أسباب، منها القمع السلطوي الذي امتد في الغالبية العظمى من المجتمعات العربية لعدة عقود، حيث اضطر الكثيرون من المثقفين والمبدعين الى الإنزواء بعيداً عن الأحزاب السياسية الثورية، والتخلي عن العضوية فيها تحت سطوة القمع والارهاب، الأمر الذي ابقى قيادة هذه الأحزاب في أيدي مناضلين سياسيين ذوي ارادة قوية صلبة، غير ان العدة الفكرية والنظرية، والقدرات الثقافية للقسم الأكبر من هؤلاء المناضلين لم تكن في المستوى المطلوب، ولقد ادى اعتماد هذه الأحزاب ، في الأغلب الأعم، على الجهود الفكرية، للمركز الذي لم يكن قد تهاوى بعد، وأقصد موسكو تحديداً، الى تقليص الفاعلية النظرية لها، مما ألحق بها اذى كبيراً، وادى الى اغترابها في بعض الأحيان عن قضايا شعوبها الملحة، بالرغم من صدقها واخلاصها في الدفاع عن هذه الشعوب، وبالرغم من فداحة التضحيات التي قدمتها في هذا الاطار، وانطلاقاً من ذلك، فقد بدا – للوهلة الاولى – انذاك ان هذه الأحزاب ليست في حاجة ملحة الى جهود المثقفين، الذين لا تستقيم مزاجيتهم في الكثير من الأحيان مع انضباطية العمل الحزبي، ولأنهم – اي المثقفين – لهم خصوصية من نوع ما، ويحتاجون الى شروط لا بد من توفرها لهم لمواصلة الإبداع، فلم تتمكن الأحزاب، بسبب القمع أحياناً وسوء التقدير احياناً أخرى، من توفيرها لهم، فقد آثرت اعداد منهم مواصلة نشاطها الفكري والثقافي والابداعي من خارج صفوف هذه الأحزاب، غير ان ما هو ملح الان هو اعادة النظر في اساليب العمل الحزبي الراهنة، وتصعيد الجهود الفكرية والنظرية والاعتماد في ذلك على الذات، واشاعة المزيد من الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية والمجتمع سواء بسواء، وانذاك اعتقد ان ظواهر الهيمنة التي يفرضها السياسي على الثقافي ستأخذ طريقها الى الزوال.

س3: في اصداريك: (طقوس للمرأة الشقية، ورد لدماء الأنبياء)، ثمة ثبات على الرؤية ولكن هناك اتجاه لتجليتها من زوايا نظر جديدة .. ما هي الدوافع؟

محمود شقير: الثبات على الرؤية مرتبط بموقفي الايديولوجي وعلاقتي الفكرية بالواقع وبالأشياء، غير ان هذا الموقف قابل للتطور باستمرار، ولإعادة النظر في بعض جوانبه التي لم تعد تزكيها الحياة، لذلك، اقوم بتجلية هذه الرؤية من زوايا نظر جديدة على حد قولك ويسهم في ذلك محاولاتي الدائبة للابتعاد عن المواقف الدوغمائية، والرغبة في البحث الدائم عن الحقيقة وارتياد مجاهيل جديدة، وبدون شك، فإن غنى الواقع الذي اغرف منه مادتي الابداعية، والسعي المستمر الى تطوير معرفتي بالواقع وتنوع قراءاتي النظرية والأدبية يلعب دوراً في ذلك.

س4: هناك ايضاً اشتغال واضح على اللغة مقروناً بشرطي الاقتصاد في الكلام وفيض المعاني والدلالات، ويستعيد اكثر من مشكل لدى نقادنا القدامى تحت عناوين: المصنوع والمطبوع .. والايجاز ، اين يتقاطع هذا الاشتغال مع تلك الهواجس النقدية في تراثنا؟ وأين ينفتح على التجارب الحديثة في الكتابة عربياً واوروبياً؟

محمود شقير:
لا ادعي انني اصوغ قصصي استجابة لبعض الاجتهادات التي وردت لدى نقادنا القدامى، ربما كان لبعض جوانب تراثنا الادبي تدخل من نوع ما في كتاباتي، غير ان الأمر كله مرتبط برغبتي في تجديد ادواتي الفنية، استجابة لحاجات ملحة في داخلي وفي الواقع الاجتماعي الذي اقوم بالتعبير عنه، ولأنني بت مغرماً بالتكثيف الشديد وتجنب السرد الذي لم اعد قادراً على التعايش معه، فقد اخذت، وكما جاء في مجموعتي "القصصيتين الأخيرتين" أولي اللغة اهتماماً فائقاً، لتساعدني على قول الكثير مما اريد في اقل صياغات لغوية ممكنة، واكثرها اقتصاداً وتقتيراً، وبالتأكيد فإن الانفتاح على التجارب الحديثة في الكتابة عربياً واوروبياً قد اعانني في الوصول الى بعض ما اريد، لقد ادت هزيمة 1967 التي ابتلينا بها، الى زعزعة الثوابت التي كنا نراها ثوابت من قبل، واكتشفنا مقدار البؤس والسذاجة التي كانت تنطوي عليها واقعيتنا انذاك، وتبدى لنا ان الواقع يحتاج الى مزيد من التبصر في اتجاه حركته، وانه متعدد الاحتمالات لذلك لم تعد تغريني القصة المحكمة الاصول، ذات الاسلوب السردي المطمئن الواثق الذي يكشف التتابع المنطقي للأحداث ويحدد حركة الشخوص المنضبطة الموزونة، مما دفعني الى الدخول في غمار التجريب الذي ساعدتني عليه قراءاتي المتنوعة في القصة العربية وفي الاداب العالمية دون استثناء.

س5: في الاطار ذاته، انت تستعير انماطاً لغوية محددة محاولاً الاستفادة من سلطة الحمولة التاريخية الثاوية في لا وعي اللغة الجمعي .. إلام تحيل هذه الاستعارة ، وما هي شروطها ومحاذيرها؟

محمود شقير:
لا ادري اذا كان هذا الامر متحققاً بمثل هذه الدقة، وهذا التوصيف، غير انني احاول اضفاء نوع من الخصوصية على قصصي باعتمادها على بعض جوانب تراثنا اللغوي، وليس القصد من ذلك، بطبيعة الحال، تزيين النص وترصيعه بالحلي اللغوية، وانما الوصول الى غاية معينة، تقوم على السخرية من الواقع الراهن، خصوصاً حينما يتعلق الأمر بوصف ادعاءات ممثلي القوى الطبقية المستغلة (بكسر الغين)، بانهم يخدمون مصالح الناس ويضحون في سبيل الوطن، فانني اعمد في هذا المقام الى استحضار البلاغة المجوفة التي تعتمد بشكل ما على لغة تراثية مستمدة من القواميس لا من واقع الحياة ، وفيها شيء من السجع الذي يحيل الأمر كله الى ما يشبه الكاريكاتير، ولإظهار المفارقة المفجعة بين واقع بائس وادعاءات كاذبة ولغة مبجلة تفيض دلالاتها والزخم النابع منها، عن متطلبات الحدث كما هو في الواقع (مثلا: ينطلق رجالنا الغر الميامين لتنفيذ المهمة العاجلة، يغيبون عنا يوماً او بعض يوم ثم يعودون ومعهم سرب الجميلات، تخضل عيوننا بدموع الفرح، نقيم على شرفهن اعرق الاحتفالات .. الخ ، من قصة "الراقصات").
ان الشرط الأساسي لنجاح مثل هذه الاستعارة اللغوية هو تحميلها بمضامين معاصرة مستمدة من عمق الواقع المعيش، وبغير ذلك فقد ينسلخ النص عن فضائه الواقعي، ويظل في اسر الماضي الذي لا يعني شيئاً بالنسبة لحركة الحاضر، او قد تقع القصة كلها في اسر لعبة لغوية جميلة غير انها لا تفضي الى اي شيء جديد.

س6: لديك اهتمام خاص بأدب الأطفال، وفي اغنية الحمار محاولة لاستعادة مأثورات (كليلة ودمنة) عبر رؤية معاصر، ماذا تقول عن تجربتك الخاصة في ادب الطفولة؟؟ وما هي الافاق التي يمكن ان تنفتح امام هذا الأدب في ظل استعادة مأثورات أخرى؟

محمود شقير:
حتى الآن، ما زال الاهتمام بأدب الأطفال في عالمنا العربي محدوداً، ولا يتعدى حدود الاجتهادات الفردية لبعض المبدعين والكتاب، في حين ان هذا الادب، اذا اردنا له ان يتطور، ويأخذ مكانته اللائقة به، يحتاج الى جهود مؤسسية تضطلع بمهمة اعداد العدة لترسيخه وفق متطلبات عصرية، منها وقف حالة التسيب والارتجال في الكتابة للأطفال ، واعتماد خطط مدروسة، تناسب مختلف الاعمار ومراحل الطفولة المختلفة، للكتابة في ضوئها للأطفال، ومنها حصر القاموس اللغوي للأطفال بحسب اعمارهم وقدراتهم علىالاستيعاب، كيلا تصبح الكتابة للأطفال نوعاً من القفز في المجهول، ومنها انتاج كتب ذات نوعية جيدة من حيث الترتيب وتوفر الرسومات الملونة والاخراج، لأن الطفل لا يغتذي بالكلمات وحدها، وللرسومات الملونة وقعها الكبير والمؤثر في نفسه، الذي قد يفوق وقع الكلمات.
بالنسبة لي، فقد أصدرت حتى الآن، وخلال السنوات الخمس عشرة الماضية ثلاث مجموعات قصصية للأطفال ، حاولت فيها ان اتحدث عن بعض جوانب القضية الوطنية الفلسطينية بأسلوب لا اظنه يثقل على الأطفال او يقحمهم في تفاصيل قد لا يكون من المناسب اطلاعهم عليها قبل الاوان، وحاولت ان احفز الطفل الفلسطيني على التعلق بالوطن وترسيخ محبته في الوجدان، وفي الوقت نفسه حاولت تصوير بعض الجوانب الانسانية في النضال الوطني الفلسطيني، في مقابل ما تتسم به الممارسات الاسرائيلية من عنصرية وحقد واستعلاء.
وفي قصص أخرى، تحدثت عن بعض الجوانب الإجتماعية التي تمس حياة الأطفال، ولكن دون تزيّد او ارباك لعلاقة الطفل بواقعه، ودون مبالغات، وحاولت في كل الأحوال ، أن اطلق العنان لخيال الطفل، ليحلق في الاعالي كما يشاء، لأن في ذلك، كما اعتقد، منفعة كبرى، وان اهيء الأطفال للتعلق بالطبيعة والانتباه الى كل تفاصيلها المدهشة، وان ابث في نفوسهم قدراً من التفاؤل والثقة في المستقبل الذي لا يتحقق الا بالجد والاجتهاد، وجعلت أبطال قصصي من الناس العاديين، ومن أوساط الأطفال، ومن الحيوانات التي يدور على السنتها الكلام، شأنها في ذلك، شأن حيوانات كليلة ودمنة، هذا الكتاب الذي ما زال بوسعه ان يسعفنا في كتابة المزيد من القصص ذات الدلالات الذكية، والتأويلات المتنوعة، التي يمكن ان يقرأها الصغار والكبار سواء بسواء.

1992

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME